كتب البير كامي في زمن سابق من هذا القرن على اتساع خمس قارات خلال السنوات المقبلة سوف ينشب صراع لا نهاية له بين العنف وبين الاقناع الودي، ومن هنا سيكون السبيل المشرف الوحيد هو رهن كل شيء في مقامرة حاسمة مؤداها ان الكلمات اقوى من الطلقات...

ان الإنسانية قد استعانت منذ أقدم العصور بكثير من الوسائل التي تندرج اليوم فيما نسميه بحرب الدعاية، وقد تطورت هذه الوسائلُ حتى بلغت في قرننا الحالي ذروة ما يمكن أن تكون عليه، ولم تعد الدعاية تقتصر على المقاتلين في المعركة، تدفعُهم إلى الاستسلام، وتقنعهم بالهزيمة المؤكدة، بل ولم تعد الدعاية تقتنع بسكان الأراضي المحتلة، تكسبهم لقضيتها، وتخلق منهم الأعوان والأنصار، مباعِدةً بينهم وبين أعمال التخريب والتدمير، وإنما اضطلعت الدعاية أيضا بمهمة أخرى، فأخذت تهيئ من أمر السكان وتكسبهم لقضيتها، سواء قبل الحرب أو إبّان القتال، لذا نرى الدعاية متنوعة، فالدعاية التكتيكية تستهدف هدفاً مباشراً، وهي سلاح يتعاون مع سائر الأسلحة الأخرى، كإلقاء المنشورات بالمدافع، واستخدام مكبرات الصوت، وإشاعة الأخبار السيئة عن مؤخرة عدوّه (مثلما كان عليه استخدام مكبرات الصوت في معركة (ديان بيان فو) في الهند الصينية).

أما الدعاية الاستراتيجيةُ فتتميز ببُعد مرماها، ويتلخص عملُها في التمهيد لعمل الدعاية التكتيكية، في حين تستعمل الدعاية التعزيزية ما استطاعت لكسب المحتلين بإقناعهم بأن الهزيمة هي النهاية، وأن كل مقاومة ينكرها المنطق، فالخير أن يتعاون الجميع مع السلطة لتحقيق الرفاهية، وهناك الدعاية المضادة التي تستهدف تفنيد فكر العدو أو أسلوبه، كالدعاية التي أطلقها اليابانيون متهمين الأمريكان بالهمجية عندما كانت أجهزةُ الدعاية تتحدث عن همجية اليابانيين.

ان الدعاية هي حرب تتخذ عدة اشكال واساليب تختلف من نظام لنظام اخر، وتختلف من عصر الى عصر، كانت الاساليب النازية والشيوعية تتخذ من الكذب والعنف طريقة في عملها، واما اليوم فان الدعاية الامريكية تتخذ من الاقناع والتعليم والغزو الفكري عبر السبل العلمية وسيلة لتحقيق اهدافها، هذا ما يعرف بعصر العولمة، عصر الرئيس الذي يمارس البغاء عالميا ومحليا،

واتجهت الحربُ الدعائية إلى الفكاهة والبرامج الساخرة والنكت التي تمس الحكم والنظام السياسي والاقتصادي وبعض جوانب الحياة واستغلال ميل الشعب إلى الفكاهة في ترديد ونقل النكت التي تركت أثرًا بالغَ السوء على روح القتال لدى الأفراد.

الدعاية " فن يسعى الى تكتيل القوى العاطفية والمصالح الفردية في اتجاه واحد وان يؤدي الى الاقتناع بفكرة او بمبدأ ما كان يصل اليه الفرد لو ترك لمنطقه الذاتي يتطور بتلقائية دون ضغط او توجيه".

فالدعاية تتخذ من اسلوب التلاعب بالعواطف لخلق حالة من حالات التوتر الفكري والشحن العاطفي بالاتجاه الى النواحي العاطفية او اثارة الغرائز، اذن الدعاية قد تتضمن نوعا من الكذب والتمويه، اي انها تسعى الى الاقناع ولو بأساليب غير اخلاقية، مثل الاختلاف او تقديم انصاف الحقائق واخفاء الجوانب الاخرى، او تقديم الحقائق بصورة مشوهة باسلوب يبدو وكانه لا يتضمن الكذب او الاختلاق.

والحرب الدعائية هي وسيلة من الوسائل السرية، واداة رئيسة مساعدة في الحروب، وقد أطلق عليها الانجليز (الحرب السياسية)، وعند الالمان كان اسمها (الحرب الثقافية)، في حين اطلق عليها الامريكيين (الحرب السيكولوجية) ونحن نرى ان اسم (الحرب الاعلامية) افضل تسمية ممكن ان تعبر عن الحقيقة الدعاية، لان الدعاية وسيلة من وسائل الحرب الباردة، وحتى اثناء الحروب العسكرية او الحرب الساخنة، فان الدعاية الاعلامية تساير جنبا الى جنب العمليات العسكرية في محاولة لتحطيم الروح المعنوية للعدو.

ومن اجل توضيح مفهوم الدعاية اكثر نورد الاقتباس التالي عن احد قادة الجيش النازي" اننا نستهلك الكثير من القنابل لندمر بها مدفعا واحدا في يد جندي، اليس الارخص من ذلك ان توجد وسيلة تسبب اضطراب الاصابع التي تضغط على زناد ذلك المدفع في يدي الجندي"، ان هذا الاقتباس يوجز مفهوم الدعاية الاعلامية ويعبر عن حقيقتها.

مما تقدم اصبح واضحا ان مفهوم الدعاية وماهيتها، انها حرب تشنها جهات سياسية ضد مجموعة من الافراد او ضد شعب معين يكون في الغالب بينهم حالة عداء وحرب، ويكون الهدف هو ارباك هذا الخصم وتحطيم الروح المعنوية عنده، والدعاية مرتبطة بالافكار السياسية، وتروج افكار تعارض القيم والمبادئ العامة في ذلك المجتمع، وهي دائما تحمل اهدافا غير نبيلة، تهدف الى تحطيم المجتمع وارباك الناس الموجهة اليهم هذه الدعاية.

الحرب: هي تبادل منظم للعنف تهاجم الجسد وتكون حسية.

الدعاية: هي عملية اقناع منظمة تهاجم العقل وتكون نفسية.

وفي زمن الحرب تهاجم الدعاية والاعمال الحربية النفسية جزءا من الجسد لا تستطيع الاسلحة الاخرى ان تصل اليه محاولة للتاثير في طريقة اداء الاطراف المشاركة في ميدان القتال، انهما تحاولان رفع معنويات احدهم وتنسفا ارادة القتال لدى الاخر، فهما سلاحان لا يقلان اهمية عن اسلحة العقل ومتفجراته هذه مثلها مثل الاسلحة التقليدية، قد اصبحت معقدة بشكل متزايد مع ما تحقق من انواع التقدم في التكنولوجيا وعلم النفس، غير ان الملحمة الشعرية او الرسم في الماضي لا يزيدان في الحقيقة شيئا عن الفيلم او المذيع التليفزيوني الدعائيين الان.

فالدعاية ذاتها ليست عملا خبيثا ولا شريرا، انها في الحقيقة ليست اكثر من تنظيم الوسائل التي تصمم لاقناع الناس بان يفكروا ويسلكوا بطريقة معينة، وهذا يعني في زمن الحرب دفعهم الى القتال او الى مساندة القتال وتأييده.

اذ انها تقوم بدور اساسي في اقناع الناس بان يخاطروا بحياتهم مهما كانت الاسباب او القضية، وان تلك الاسباب والقضايا هي الاهداف او الموضوعات المشروعة للتحليل الاخلاقي والنقدي لا الدعاية نفسها.

وهي المحاولة المعتمدة المدبرة لاقناع الناس بان يفكروا ويسلكوا بالطريقة المطلوبة، كذلك هي نشاط يرغم الناس بشكل ما على ان يفعلوا شيئا كان يمكن الا يفعلوه لولا وجودها، فوسائل الاقناع صممت لتحقيق اهداف محددة من اهداف الحرب، ايضا الدعاية هي المحاولة (العامدة) لاقناع الناس بكل الوسائل المتاحة بان يفكروا ويسلكوا باسلوب يرغبه المصدر، وتتنوع الاساليب المستخدمة تبعا للتكنولوجيا المتاحة.

اما في زمن الحرب فهي عملية ترسم خططها لاقناع الناس بان يخوضوا القتال، والحرب النفسية من الجانب الاخر هي الدعاية المخططة لاقناع الطرف المقابل الا يخوض القتال، وهنا تظهر خاصية تدعو للعجب، اذ ان فكرة محاولة اقناع الناس بان يلقوا سلاحهم ويكفوا عن القتال بدلا من ان يواصلوا المخاطرة بحياتهم وصمها بانها محاولة خبيثة او شريرة تظل عقبة في سبيل فهمنا لعملية الدعاية.

فان الدعاية والحرب النفسية تصبحان بديلا فعليا وحقيقيا للحرب، وهذا هو كل ما تدور حوله الحرب (الباردة) بالفعل، فقد كانت الحرب تعتبر وسيلة طبيعية ومقبولة لحل المنازعات، وامتداد للسياسة بوسائل مختلفة، وكان ينظر بشك الى اي شيء يمكن ان يعترض طريق هذا الشكل (الطبيعي) للتواصل البشري، فالدعاية الموجهة لدفع الناس الى القتال في الحرب اقدم عمرا بكثير من الشكل غير المتطور نسبيا للدعاية الموجهة لجعل الناس يقاتلون من اجل السلام.

من عمليات الاقناع الاخرى هي مسالة (القصد)، فالدعاية تستخدم الاتصال لنقل رسالة او فكر او ايديولوجيا وضعت لخدمة المصالح الذاتية للشخص او الاشخاص الذين يقومون بالاتصال.

كتب البير كامي في زمن سابق من هذا القرن " على اتساع خمس قارات خلال السنوات المقبلة سوف ينشب صراع لا نهاية له بين العنف وبين الاقناع الودي، ومن هنا سيكون السبيل المشرف الوحيد هو رهن كل شيء في مقامرة حاسمة مؤداها ان الكلمات اقوى من الطلقات".

.............................................................................................

المصادر:

(1) قصي احمد محمد، الدعايةُ ودورُها في الحرب النفسية، 2007، متاح على موقع شبكة الالوكة الثقافية، https://www.alukah.

(2) نشأت الاقطش، الدعاية الاعلامية، فلسطين، مركز الوطن، 1999، ص9.

(3) حميدة مهدي سميسم، الحرب النفسية، بغداد، الدار الثقافية للنشر، 2004، ص68.


اضف تعليق