محمود قرني

 

أظن أن الانهيارات البنيوية التي طرأت على مفهوم «الطبقة المتوسطة»، كما يؤكد معظم أدبيات السياسة وعلم الاجتماع، تعد جزءاً من الانهيارات التي لحقت بمفهوم «الصراع الطبقي» الذي نالته تشوهات بالغة منذ انهيار نموذجه عقب انهيار التجربة الشيوعية في العالم والتحولات المدهشة لدى أكثر نماذجها راديكالية، ومنها التجربة الماوية. ولا شك في أن مساحات الريبة التي نظرت بها الماركسية إلى الطبقة المتوسطة هي إحدى جرائم مفكرين ومنظرين يمكن تصنيفهم في عداد قطاع الطرق. كان ذلك مقابل الدفاع عن «حكم البروليتاريا» الذي تحوَّل لدى هؤلاء المفكرين إلى حالة تقترب من الهلوسات السمعية والبصرية.

وإذا تفهَّمنا موقف الماركسية من نموذج القِنَانَة الذي ساد روسيا القيصرية ومن ثم الاندفاع في اتجاه تأميم الهواء الذي يتنفسه الأثرياء، فلا يمكننا تفهم موقفها من الطبقة المتوسطة التي كان يتحدر منها معظم قادتها ومفكريها.

النتيجة طبعاً أظهَرُ من أن نعالجها بجملة ساخطة بعدما انتهى الحال بالطبقة المتوسطة في روسيا الثمانينات إلى امتهانها البغاء وتجارة السلاح والمخدرات لكي تنال لقمة العيش، ولن يكون مدهشاً أن يكون بين هؤلاء قادة سابقون في الحزب الشيوعي الروسي. وأظن أن ما ارتكبته الشيوعية من جرائم في حق تلك الطبقة لا يقل فداحة عما ارتكبته أكثر الأنظمة البطريركية. ويذكر التاريخ أن إسكندر الثاني، قيصر روسيا في ستينات القرن التاسع عشر، وقد بدأ حكمه كمصلح بعد تحريره مئات آلاف الأقنان، عاد ومارس أقصى أنواع الاضطهاد واستطاع استئصال معظم الجماعات الراديكالية بين المثقفين الروس.

ولا أعرف ما الذي يعنيه اليوم اعتراف بعض قدامى الشيوعيين للطبقة المتوسطة بأنها صاحبة الدور الأكبر في تطوير مفهوم نمط الإنتاج الآسيوي الذي أصبح امتيازاً لحكم البروليتاريا في ما بعد، على رغم أن الحديث عن هذا النمط، الذي ارتبط بحالة رعوية، بات محلَّ سخرية الأدبيات السياسية في العالم.

لقد عادت «السوفياتات» الكبيرة التي كانت تمثل أعلى تعبيرات الصوت الجماعي في الاشتراكية العلمية، وكذلك التعاونيات التي ضمَّت آلاف المصانع ومئات الآلاف من الأفدنة، إلى أيدي إقطاعيين جدد بعدما اقتنصوها بأبخس الأثمان، وبيعت معها، بطبيعة الحال، كرامة «الأنبياء العُزَّل» الذين تحدث عنهم تروتسكي في غير زمان ومكان.

الحال نفسه انسحب على عشرات الأنظمة شبه الفاشية في العالم الثالث. لكن استظهار تلك الأزمة لم يكن واضحاً سوى في المجتمعات التي ارتبطت بالنماذج التي اقتربت من مفهوم الدولة. وأعتقد أن النموذج المصري، كحالة عالمثالثية، جدير بالنظر في هذا السياق. لكن موقف الدولة المصرية لم يكن هو موقف الشيوعيين الروس من الطبقة المتوسطة، والذي أسَّسوه على مرجعية أنها طبقة التطلعات، ومن ثم فهي بالضرورة انتهازية، لذلك تمَّ تصنيفها باعتبارها طبقة بورجوازية مستعدة لخيانة الثورة في اللحظة المواتية.

الأبنية السياسية في مصر كانت أكثر تخلفاً ورجعية، وفي أحسن أحوالها كانت تمثيلاً لاشتراكية ينقصها النضج خلال الحقبة الناصرية. وكانت هزيمة الطبقة المتوسطة المصرية في حجم التخلف المريع الذي كانت عليه تلك الأبنية منذ السبعينات. ولسوف يظل مدهشاً ألا يثير ذلك الغياب المتفاقم لمصطلح «الطبقة المتوسطة» المصرية منذ ثورة يناير 2011، قلقَ الساسة على أي صعيد، سواء كانوا ضمن تمثيلات السلطة الحاكمة أو تمثيلات المعارضة من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. ولا أظن أن اتصال علم الجميع بالتعداد التقريبي للطبقة المتوسطة الذي يربو على 36 في المئة من عدد السكان، سيغير من الأمر شيئاً. ويبدو أن الاختصارات المزيفة للتكوينات الشعبية المصرية التي تتجاوز نصف عدد السكان لم تكن تعني إلا أن أوليجاركية الأثرياء، التي لا يزيد تعدادها على 2 في المئة من السكان، لا تملك المال والقوة فحسب، بل تملك سلطة تعظيم وتقزيم المصطلح في آن. وسيكون من المناسب هنا أن أنقل عن الباحثة هويدا عدلي أن عدد الدراسات العلمية التي تناولت موضوع الطبقة المتوسطة في مصر خلال ربع قرن، لم يتجاوز 56 دراسة.

لذلك لا أرى الأمر مدهشاً عندما تتكاثر تلك الأبوية في خطابات النظام السياسي الحاكم كأمثولة تعيد التذكير بطبقة من صغار وكبار المتعلمين، ومع ذلك باتت تستحق الزكاة، طبقاً لفتاوى فقهاء تعتبرهم المؤسسة الرسمية صوتها في الأعالي.

اضف تعليق