ان اغترّ بما ليس بمزية واقعية، فهو (مغرور مركّب) مثل (الجاهل المركّب) إنّه مرّة مغرور لأنه حسب النقص كمالاً، ومرّة أُخرى مغرور، لأنه حسب الوصول إلى النهاية في كماله المزعوم. من هذه الجهة، كان الغرور مذموماً، ـ إنّه كذب وخلاف الواقع. يكون مذموماً، لأنه يوقف بالإنسان إلى المراتب الدانية...

(... وكل شيء عنده بمقدار)(1) و(... من كل شيء موزون)(2) هكذا يقول الله سبحانه في القرآن الحكيم، فكل شيء مقدر بمقداره، وكل شيء موزون بوزن.

وحيث ان الإنسان ناقص بالطبع، وأمامه درجات لا تتناهى، دنيا وآخره، فكل ظن كمال، خلاف الوزن والتقدير، وخلاف الحق والحقيقة.

وهذا هو(الغرور) إنّك إن اغتررت بمالك ـ والمال عرضة الزوال ـ كنت مغروراً لأنه تقدير للمال، بغير قدرة، وإن اغتررت بجمالك ـ والجمال ظل زائل ـ كنت مغروراً لأنه تقدير للجمال بالدوام وإمكان الاعتماد عليه، بينما ليس هو كذلك، بل يكون حيناً ويعدم أحياناً. وإن اغتررت بعلمك ـ والعلم بحر لجّي، ولا يتمكن الإنسان من احتوائه إلا كمن يقدر من اغتراف غرفة من البحر ـ كنت مغروراً، لأنك ظننت الكمال، وأنت بعد في أوّل المراحل.. وهكذا من اغترّ بسلطانه، وقوته وسائر مزاياه.

أما ان اغترّ بما ليس بمزية واقعية، فهو (مغرور مركّب) مثل (الجاهل المركّب) إنّه مرّة مغرور لأنه حسب النقص كمالاً، ومرّة أُخرى مغرور، لأنه حسب الوصول إلى النهاية في كماله المزعوم.

من هذه الجهة، كان الغرور مذموماً، ـ إنّه كذب وخلاف الواقع.

من جهة أخرى يكون مذموماً، لأنه يوقف بالإنسان إلى المراتب الدانية من الكمال ويجمد الفكر عن الانطلاق نحو آفاق الكمالات الواسعة، ونحو أبعاد الفضيلة الشاسعة.

ولذا ذمّه الإسلام ذمّاً قارصاً، وأرصد له أكبر قدر من التنفير والذم.

قال القرآن الحكيم: (... فلا تغرنّكم الحياة الدنيا...)(3) فتقعدون عن اكتساب الكمال اللائق بكم اعتماداً على الدنيا، وما قدمت اليكم من بهارجها وزيفها (... ولا يغرنّكم بالله الغرور)(4).

فالغرور هو الشيء الذي يسبب غرور الانسان سواءً كان مالاً أو جاهاً أو علماً أو عملاً.. فإنّ هذه الأمور تغرّ الانسان بالله، فلا يدرك ما أراده الله سبحانه في السير السريع الدائب نحو الفضيلة والعمل الصالح.

وفي آية أخرى، تذم أهل الغرور، يقول سبحانه: (... ولكنّكم فتنتم أنفسكم وتربّصتم وارتبتم وغرّتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغرّكم بالله الغرور)(5).

ولنقف قليلاً عند قوله تعالى: (وغرّتكم الأماني) إنّ الانسان يتمنّى (بقاء المال) و(بقاء العمر) و(بقاء الأولاد) و(بقاء المنصب) كما يتمنى الأمور المستقبلة، من جاه يترقبه، أو مال ينتظره، أو ما أشبه، وهذه الأماني هي التي تحول بين الانسان وبين الطاعة، فإذا قلت له:. لم لا تحج؟ قال: في السنة المقبلة ـ لأنه يتمنى بقاء العمر ـ وإذا قلت له: لم لا تزكي؟ قال: سوف أزكي ـ لأنه يتمنّى بقاء ماله أو وفرته.. وإذا قلت له: لم تصرف عمرك باطلاً؟ قال: سأتجرّد للعلم والعمل ـ لأنه يظن أنّ العمر سيمتد به حتى يفعل ما يريد وهكذا (و إذا عصارة كل ذاك أنامه).

ان الخير لا يحصل بالأُمنية، والشر لا يذهب بالاُمنية: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به...)(6).

ولذا ورد الرصيد الكبير من الروايات حول ذمّ الغرور.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (حبّذا نوم الأكياس وفطرهم كيف يغبنون سهر الحمقى واجتهادهم، ولمثقال ذرة من صاحب تقوى ويقين أفضل من ملاء الأرض من المغترين)(7).

أرأيت كيف يربح المهندس الذي يشتغل ساعة، وينام طول ليله بملأ جفنيه، حينما يخسر العامل وإن كدّليل نهار، إنّ الأول يأخذ بتصميم بناء في نصف ساعة خمسة دنانير، بينما الكادح يأخذ ديناراً لعمل اثني عشرة ساعة؟.

وهكذا الفرق بين (المتقي) الذي يصلّي واجبه، وينام ليله وبين (المغرور) الذي يصلي ليل نهار يظن أنّ صلاته عظيمة، وأنّه قد أسدى بذلك خدمة كبرى لله سبحانه.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (المغرور في الدنيا مسكين، وفي الآخرة مغبون، لأنه باع الأفضل بالأدنى، ولا تعجب من نفسك، فربما اغتررت بمالك وصحة جسدك، أن لعلك تبقى، وربما اغتررت بطول عمرك وأولادك وأصحابك، لعلك تنجو بهم، وربما اغتررت بجمالك ومنيتك وإصابتك مأمولك وهواك، فظننت أنك صادق ومصيب، وربما اغتررت بما ترى من الندم على تقصيرك في العبادة، ولعل الله يعلم الإخلاص، وربما افتخرت بعلمك ونسبك وأنت غافل من مضمرات ما في غيب الله تعالى، وربما توهمت انك تدعو الله تعالى وأنت تدعو سواه، وربما حسبت أنّك ناصح للخلق، وأنت تريدهم لنفسك أن يميلوا إليك، وربما ذممت نفسك وأنت تمدحها على الحقيقة)(8).

وهناك نوع آخر من الغرور يبتلي به كثير من الناس، يدعون بناتهم كيما يحصلون على زوج مرغوب فيه مالاً أو جاهاً أو ما أشبه. أو يتربصون بأنفسهم وهم في ريعان الشباب إبتغاء زوجة يتخيلونها أو يتركون معلّماً لائقاً طلبا لغيره، أو لا يهتبلون فرصة ثمينة تربّصاً لأحسن منها، وهكذا.

واذا بهن عوانس وبهم كهولاً، ويبقون بلا معلم، وقد ذهبت الفرصة، وبان الغرور سراباً خادعاً، وخيالاً باطلاً، فيقولون:

ألا ليت الشباب يعود يوماً-----فنخبره بما فعل المشيب

والجواب: ليت، وهل ينفع شيئاً ليت؟.

ونوع آخر من الغرور، الاعتماد على النفس أو القوة أو ما أشبه، مما يحول دون التهيؤ الكامل، لمواجهة الأمر المترّقب، وغالباً ما يسبب هذا النوع من الغرور انحطاط الأمم وتأخر الأذكياء، وانكسار التجار، بينما الذي ليس بمغرور يجد ويجتهد لئلا يبقى في آخر القافلة.

وقصة (الأرنب والسلحفاة) مشهورة، حيث تشارطا على قطع المسافة من مبدأ معلوم إلى شجرة معينة، فأيهما سبق صاحبه كان له السبق، فأشتغل الأرنب بلعبه ولهوه، اعتماداً على سرعته وقفزه، بينما اهتمت السلحفاة في المشي، وإذا بالأرنب يتلفّت، ليرى السلحفاة عند الشجرة، حيث السبق لها إذ تقدمت في السبق.

وفي مقابل (الغرور) الفطانة والكياسة.

الفطن الكيس، هو الذي يقدر الأمور حقّ قدرها، وينظر إلى الأشياء بالمنظار الصحيح، ولذا يدأب أبداً، وإن كان أحسن الناس علماً وعملاً ومالاً وجمالاً وجاهاً ومنصباً.. ومثله حري بالتقدم والفوز، سواء كان كيّساً في أمور دنياه أو في أمور آخرته.

نعم الكياسة الحقة، هي التي كانت بالنسبة إلى أمور الآخرة.

قال الامام الصادق (عليه السلام): (إعلم انك لن تخرج من ظلمات الغرور والتمني، إلا بصدق الانابة إلى الله، وإلاخبات له، ومعرفة عيوب أحوالك، من حيث لا يوافق العقل والعلم، ولا يحتمله الدين والشريعة وسنن القدوة، وأئمة الهدى، وإن كنت راضياً بما أنت فيه، فما أحد أشقى بعملك منك، وأضيع عمراً، فأورثت حسرة يوم القيامة)(9).

فإنه ليس متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل، والدنيا ليست إلا لعباً ولهواً... فالكيس الفطن هو الذي يهيء نفسه لأخرته، ويدأب ليل نهار لتحصيل المقامات الرفيعة هناك.

وليس معنى هذا أنّ الانسان يترك الدنيا، فان الدنيا مزرعة الآخرة، ولقد قال أحد الملحدين: (إنّ المسلمين حيث كانوا متوجهين إلى السماء، أتتهم الأرض منقادة، وحيثما توجهوا إلى الأرض، فأتتهم السماء والأرض) فمن الجدير بالإنسان أن يواظب على نفسه حتى لا يغتر.

ومن المشهور أنّ سبب فناء أمّة وقيام أمّة، أو بوار حكومة أو تجدّد حكومة: هو إنّ الأولى من الأمّة أو الحكومة تكسل وتترهّل فتفقد عنصر البقاء ويأخذها الغرور، فلا تعمل، بينما تعمل الأُمّة الثانية وتنشط نواة الحكومة المستقبلة، فتأخذ الثانية مكان الأولى.

* مقتطف من كتاب الفضيلة الإسلامية للمرجع الراحل الامام السيد محمد الشيرازي

...............................
1 ـ سورة الرعد: آية 8.
2 ـ سورة الحجر: آية 19.
3 ـ سورة لقمان: آية 33.
4 ـ سورة لقمان: آية 33.
5 ـ سورة الحديد: آية 14.
6 ـ سورة النساء: آية 123.
7 ـ جامع السعادات: 3/7.
8 ـ جامع السعادات: 3/7.
9 ـ جامع السعادات: 3/34.

اضف تعليق