وقعت هذه الغزوة في التاسع عشر من شهر شعبان السنة الخامسة للهجرة على رواية موسى بن عقبة، وابن سعد، وابن قتيبة، والبلاذري، والذهبي، وابن القيم، وابن حجر العسقلاني، وابن كثير. ومن المحدثين الخضري بك، والغزالي، والبوطي.، وقال ابن إسحاق وخليفة بن خياط، وابن جرير الطبري انها في السنة السادسة للهجرة.

لفظ المصطلق بضم الميم وسكون الصاد وفتح الطاء المهملتين وكسر اللام.

والمصطلق هو جذيمة بن سعد ابن عمرو بن ربيعة ابن حارثة بن عمرو بن عامر ماء السماء(1).

وقبيلة بنو المصطلق بطن من خزاعة.

كانت هذه القبيلة تؤيد قريش وضمن صفوفها في معركة أحد كتلة الأحابيش، ولعبت دورا كبيرا في السيطرة على الطريق الرئيسي المؤدي الى مكة، فقطعت الطريق على المسلمين.(2).

واجتمع بني المصطلق بقيادة الحارث بن أبي ضرار على رسول الله حتى بلغه (صلى الله عليه واله وسلم) ذلك، فخرج (صلى الله عليه واله وسلم) إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له: المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل فهزمهم شر هزيمة (3). فهزم الله بني المصطلق وقتل منهم من قتل ونفل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبناءهم ونساءهم وأموالهم.

وكان شعار المسلمين فيها (يَا مَنْصُورُ أمت). وبعد ان انتصر الاسلام على قبيلة بنو المصطلق أسلمت القبيلة بأسرها.

ويذكر العلامة المجلسي (اعلى الله مقامه) بعد ان قال كانت بعد غزوة بني قريظة غزوة بني المصطلق من خزاعة، فذكر قولا لزوجة النبي (صلى الله عليه واله وسلم) جويرية بنت الحارث قائد بني المصطلق، فقالت جويرية بنت الحارث زوجة الرسول: أتانا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونحن على المريسيع، فاسمع أبي وهو يقول: أتانا ما لا قبل لنا به: قالت وكنت أرى من الناس والخيل والسلاح ما لا أصف من الكثرة، فلما أن أسلمت وتزوجني رسول الله صلى الله عليه وآله ورجعنا جعلت أنظر إلى المسلمين فليسوا كما كنت أرى، فعرفت أنه رعب من الله عزوجل يلقيه في قلوب المشركين، قالت: ورأيت قبل قدوم النبي صلى الله عليه واله بثلاث ليال كأن القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري، فكرهت أن أخبر بها أحدا من الناس فلما سبينا رجوت الرؤيا فأعتقني رسول الله صلى الله عليه وآله وتزوجني، وأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه أن يحملوا عليهم حملة رجل واحد، فما أفلت منهم إنسان، وقتل عشرة منهم وأسر سائرهم، وكان شعار المسلمين يومئذ: "يا منصور أمت" وسبى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الرجال والنساء والذراري والنعم والشاء، فلما بلغ الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله تزوج جويرية بنت الحارث قالوا: أصهار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأرسلوا ما كان في أيديهم من بني المصطلق، فما علم امرأة أعظم بركة على قومها منها (4).

ويقال خرج في غزوة بني المصطلق عدد كبير من المنافقين مع المسلمين، وكان يغلب عليهم التخلف في الغزوات السابقة، لكنهم لما رأوا اطراد النصر للمسلمين خرجوا طمعًا في الغنيمة(5).

وعند ماء المريسيع كشف المنافقون عن الحقد الذي يضمرونه للإسلام والمسلمين، فيروي جابر بن عبد الله الأنصاري ما حدث عند ماء المريسيع، وأدى إلى كلام المنافقين لإثارة العصبية وتمزيق وحدة المسلمين، قال: (كنا في غزاة فكسع (6). رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) فقال: «ما بال دعوى الجاهلية؟».

قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار فقال: «دعوها فإنها منتنة» فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال: فعلوها؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ النبي (صلى الله عليه واله وسلم) فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي (صلى الله عليه واله وسلم): «دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»(7).

ولذلك يقال ان الآيات في سورة المنافقون في قوله تعالى: اذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ، اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ، وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُو فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ، سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ، هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ، يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (8).

نزلت في غزوة بني المصطلق، فقد ذكر ذلك العلامة السيد محمد حسين الطبطبائي في كتابه الميزان في تفسير القران في البحث الروائي عن المجمع الذي قال: نزلت الآيات في عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بلغه أن بني المصطلق يجتمعون لحربه وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبوجويرية زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

وفي تفسير القمي،: في قوله تعالى: «إذا جاءك المنافقون» الآية قال: قال: نزلت في غزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق في سنة خمس من الهجرة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج إليها فلما رجع منها نزل على بئر وكان الماء قليلا فيها. وكان أنس بن سيار حليف الأنصار، وكان جهجاه بن سعيد الغفاري أجيرا لعمر بن الخطاب فاجتمعوا على البئر فتعلق دلوسيار بدلوجهجاه فقال سيار: دلوي وقال جهجاه: دلوي فضرب جهجاه على وجه سيار فسال منه الدم فنادى سيار بالخزرج ونادى جهجاه بقريش وأخذ الناس السلاح وكاد أن تقع الفتنة. فسمع عبد الله بن أبي النداء فقال: ما هذا؟ فأخبروه بالخبر فغضب غضبا شديدا ثم قال: قد كنت كارها لهذا المسير إني لأذل العرب ما ظننت أني أبقى إلى أن أسمع مثل هذا فلا يكن عندي تغيير. ثم أقبل على أصحابه فقال: هذا عملكم أنزلتموهم منازلكم وواسيتموهم بأموالكم ووقيتموهم بأنفسكم وأبرزتم نحوركم للقتل فأرمل نساؤكم وأيتم صبيانكم ولو أخرجتموهم لكانوا عيالا على غيركم. ثم قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. وكان في القوم زيد بن أرقم وكان غلاما قد راهق، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ظل شجرة في وقت الهاجرة وعنده قوم من أصحابه من المهاجرين والأنصار فجاء زيد فأخبره بما قال عبد الله بن أبي فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لعلك وهمت يا غلام، قال: لا والله ما وهمت. قال: فلعلك غضبت عليه؟ قال: لا والله ما غضبت عليه، قال: فلعله سفه عليك، فقال: لا والله. فقال رسول الله لشقران مولاه: أحدج فأحدج راحلته وركب وتسامع الناس بذلك فقالوا: ما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليرحل في مثل هذا الوقت، فرحل الناس ولحقه سعد بن عبادة فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليك السلام، فقال: ما كنت لترحل في مثل هذا الوقت، فقال: أ وما سمعت قولا قال صاحبكم؟ قال: وأي صاحب لنا غيرك يا رسول الله؟ قال: عبد الله بن أبي زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال: يا رسول الله فإنك وأصحابك الأعز وهو وأصحابه الأذل. فسار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يومه كله لا يكلمه أحد فأقبلت الخزرج على عبد الله بن أبي يعذلونه فحلف عبد الله أنه لم يقل شيئا من ذلك فقالوا: فقم بنا إلى رسول الله حتى نعتذر إليه فلوى عنقه. فلما جن الليل سار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليله كله فلم ينزلوا إلا للصلاة فلما كان من الغد نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونزل أصحابه وقد أمهدهم الأرض من السفر الذي أصابهم فجاء عبد الله بن أبي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فحلف عبد الله له أنه لم يقل ذلك، وأنه يشهد أن لا إله إلا الله وأنك لرسول الله وإن زيدا قد كذب علي، فقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منه وأقبلت الخزرج على زيد بن أرقم يشتمونه ويقولون له: كذبت على عبد الله سيدنا. فلما رحل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان زيد معه يقول: اللهم إنك لتعلم أني لم أكذب على عبد الله بن أبي فما سار إلا قليلا حتى أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان يأخذه من البرحاء عند نزول الوحي فثقل حتى كادت ناقته أن تبرك من ثقل الوحي فسري عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يسكب العرق عن جبهته ثم أخذ بأذن زيد بن أرقم فرفعه من الرحل ثم قال: يا غلام صدق قولك ووعى قلبك وأنزل الله فيما قلت قرآنا. فلما نزل جمع أصحابه وقرأ عليهم سورة المنافقين: «بسم الله الرحمن الرحيم إذا جاءك المنافقون إلى قوله ولكن المنافقين لا يعلمون» ففضح الله عبد الله بن أبي.

وفي تفسير القمي أيضا، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: «كأنهم خشب مسندة» يقول: لا يسمعون ولا يعقلون «يحسبون كل صيحة عليهم» يعني كل صوت «هم العدوفاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون». فلما أنبأ الله رسوله خبرهم مشى إليهم عشائرهم وقالوا افتضحتم ويلكم فأتوا رسول الله يستغفر لكم فلووا رءوسهم وزهدوا في الاستغفار، يقول الله: «وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله - لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون».

وقد استفاضت الأخبار وتكاثرت في أن عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه من المنافقين وهم الذين كانوا يقلبون الأمور على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويتربصون به الدوائر وكانوا معروفين عند المؤمنين يقربون من ثلث القوم وهم الذين خذلوا المؤمنين يوم أحد فانمازوا منهم ورجعوا إلى المدينة قائلين لو نعلم قتالا لاتبعناكم وهم عبد الله بن أبي وأصحابه.

.............................................
المصادر والهوامش
(1) حديث القرآن عن غزوات الرسول، ج1ص311.
(2) إبراهيم العلي، صحيح السيرة النبوية، دار النفائس، الطبعة الثالثة، 1408هـ -1998م. ص332.
(3) حديث القرآن الكريم عن غزوات الرسول، ج1ص315.
(4) بحار الانوار، ج20، ص 290.
(5) حديث القرآن الكريم، ج1ص318.
(6) د. أكرم العمري، السيرة الصحيحة للعمري، الطبعة الأولى 1412هـ/ 1992م، مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة، ج2ص408.
(7) المصدر السابق، العمري، السيرة النبوية الصحيحة، ج2ص409.
(8) سورة المنافقون من الاية 1ـ 8.

اضف تعليق