الجميع يحدّق في تلك الفتاة التي أطلّت بوجه باسم متوّرد الوجنات، أخذت تشيع التحيّة والعيون تتفحصها من أخمص قدميها حتى قمّة رأسها، كفراشة حامت بين الحضور، وتركت خلفها رائحة البخور التي تعبق بها ونظرات تحيطها وتفيض بالاعجاب والحسرات.

كانت حلوةً كالسُكّر، تهزّ كل مكان تحلّ فيه بجمالها وأناقتها، فتتطاول الاعناق لترى بشكل أفضل تلك الحلّة البهيّة.

في الظاهر كل شيء يوحي بأنها سعيدة، فقد حباها الله بنعم جمّة، جمال وذكاء وجيب عامر دوما بالمال، هذا في الظاهر.. لكن الله وحده يعلم بالأعماق!.

(الحلو للحلو).. ازدردت ريقها وحدجت المضيفة بنظرة معتذرة عن صحن الحلوى الذي تلاقفته الأيدي بحماس، رمقتها المرأة متسائلة، فهمست لها بتعليمات (الريجيم) الصارمة.

كمن يقرأ فال في فنجان، قرأت احدى قريباتها الاضطراب والجهد الواضح في التكلّف والاحتفاظ الدائم بتلك الابتسامة الشاحبة وتكاد تسمع آهاتها التي تسحبها كل حين من أعماقها.

(شيء حزين ومكسور يختبئ خلف هذا المظهر الجميل فالعين منافذ الروح)، رددتها مع نفسها كنتيجة توصلت لها وليس مجرد استفسار.

***

المصادفة فقط هي التي قادتها وقتها الى تلك الغرفة التي اختارتها لتضع اخيها الصغير النائم فيها، كم كانت دهشتها حين رأت تلك الجميلة وهي تغرس الابرة الحادة في ذراعها!.

والتي جفلت كمن لدغها عقرب عندما لاحظت قدومها.

طود الحزن جثم على صدرها وهي تشاهدها ترتمي على الكرسي ومنخرطة في بكاء مرّ.

أخذ منها العجب كل مأخذ وهي ترى بعد ذلك ابتسامة تلوح على ثغرها، فكانت كمن يريد أن يقول شيئا ثم عدلت عنه. استنطقتها وعلمت بتمنيها غير ذات مرّة بجعل دائها هذا على الألسنة بدل جمالها لتتجمد القلوب التي تذوب عند رأيتها.

ربتت على كتفها واعتذرت عن قدومها بالتوقيت الخاطئ، ووعدتها بالحفاظ على سرّها وهو مرضها الذي ابتليت به وهي في نضارة العمر وريعان الشباب وتخفيه كلما استطاعت الى ذلك سبيلا على مبدأ" أن تُحسد أفضل من أن يشفق عليك"، وغادرت الغرفة وهي تتأوّه لأجل تلك الفتاة المسكينة.

بدايةً، اعتقدت أنّ مرضها هو سر حزنها الغامض، لكن ظنّها لم يكن صحيحا فهي قد اعتادت المرض وألفته كما أخبرتها تواً.. إذاً ما السبب فيما يجيش في صدرها من هموم وعواطف حزينة غير دائها الصعب؟!.

ران الاعجاب على كل القلوب ولم تتحوّل العيون عن الفتاة الكاملة والمثال التي لا تتكرر وهي تنزل من الدرج باستحياء، اكفّهرت وجوه كانت باسمة واصفّرت سحنتها عندما تعثّرت الفتاة وسقطت من أعلى الدرج..

دام ذلك دقيقة خالها الجمع ساعةً وهم يرونها تتدحرج الى الأسفل وسط صرخاتها المتكسّرة، بكت حتى خنقتها العبرات، وتفرّقوا عنها بعد لحظات كمن يتفرّق سرب من الطيور.

(كالعادة، رموني بدائهم وانسلّوا).. قالت كلماتها بوجوم، وصفقت الباب خلفها وانطلقت راكضة الى السيارة الفارهة التي أتت لتقلّها، أنزلت ستار غرفتها وأطفأت الأنوار، وانطوت كما كل ليلة في أحزانها.

***

(كل شيء بثمنه، حُسن وغنى مقابل مرض مؤلم من جانب وتمزّق داخلي وحزن يأكلني من جانب اخر، أسعى جاهدة بأن أشيّد فوق جمالي أطلال السعادة التي لم أذقها حقيقة! و"كان صرحا من خيال فهوى" بسبب نظرات الحسد التي تركت بصماتها بقلبي الذي يأكله الهمّ فيحترق الحسّاد حسرةً وأحترق كمداً، وحطب كل ذلك شكلي ومالي.. عيون الناس حوّلت نعمي الى نقم وتمنيت أكثر من مرة أن تكون ذلك!!).

قالت ذلك بأسى لقريبتها التي هاتفتها بعد منتصف الليل والتي جاءت صداقتها لها عرضا، لتفضي اليها ببعض همومها، فأسرّت إليها بأشياء كثيرة منها الحزن الذي لا تعرف كنهه ومشاحنات وخصامات عائلية تقضّ مضجعها، وعرفت بعد ذلك الحديث الذي شقّ بدون كلفة سبب كربها الذي كان مرضا يفتك بها ويحرقها أكثر من دائها المزمن.

الحسد.. أخسّ الطبائع وأوّل المعاصي وهو الذي جعل احد ابنيّ ادم يقتل أخاه، والكثير من جرائم البشريّة ونزاعاتهم كان دافعها الحسد.

بلا شك إنّ هذا المرض الروحي له ذبذبات تؤثّر سلبا في الاخر، والله جلّ وعلا أخبرنا بذلك عن طريق كتبه ورسله وأوصيائه، كما أوصانا بأذكار تقينا من شر تلك النظرات أيضا.

سرعان ما ظهر الكثير من الراحة على محيّاها وهي تستمع الى كلام صديقتها وسُعدت لتأكيدها الحقيقة المرّة والسبب الأساسي وراء جل مشاكلها وأحزانها، لكنّ قلبها الذي كاد أن يرفرف منذ دقائق قد حطّت عليه حقيقة أخرى غافلة عنها تماما وهي التي كانت خاتمة حديث صديقتها وبقولها أنّ الحسد بات شمّاعة لسوء الطالع ولكل همومنا ومشكلاتنا، وأخطائنا المتكررة، وكثرة التفكير به أصبح مرضا اخر، فقد يكون ضيق النفس نتيجة الذنوب والتقصير في العمل وسوء التصرف وأحداث قد تقع أحيانا، فضلا عن الابتلاء والاختبار، وليس تفسيره الوحيد.. الحسد وعيون الناس!!

***

لامست رائحة زكيّة أنفها ملامسة لطيفة، دلفت الى المطبخ لتساعد صديقتها في اعداد الحلوى المحرومة منها لمرضها، وطُلب منها أن تتأمل خطوات الوصفة والتي بدأت بحرق السكّر في مقلاة على النار لصنع الكراميل.

(تغيّر لون السكّر بعد ان احترق قليلا فغدا ذهبيّا، لكنه بقي حلواً ولذيذا، وفقط "من يك ذا فم مريض" سيجده مرّاً).

واستطردت مستشهدة ببيتين من الشعر:

"كن بلسما إن صار دهرك أرقما ... وحلاوة إن صار غيرك عــــــلقما

إن الحياة حبتك ببعض كنوزها ....فلا تبخلنّ على الحياة ببعض ما".

وبينّت لها أنّ لديها شكل جميل قد يؤثر أكثر من غيره في الدعوة الى الحق والخير، ولها مال تستطيع أن تمسح البؤس عن حياة الكثير من الفقراء وفي ذلك سعادة لا توصف وشغل عن تعداد كثرة الحسّاد والخوف والقلق الدائم من سهامهم التي لا تنفذ إلا بإذن الله وهي ترتد إليهم بلا شك.

استطاعت أن تلمح شبح ابتسامة رضا وقبول لكلامها، كما لمحت عندما استدارت الى الغرفة نظرات اختها الصغيرة لصديقتها الجميلة، رنت اليها بحنو وهمست لها بالحديث الشريف: "إياكم والحسد، فإنّ الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب".

اضف تعليق