في بداية عام 2012 اتهم مرشح الجمهوريين للرئاسة (Mitt Romney) باراك اوباما بشن "حرب على الدين" والرغبة "بتأسيس دين في امريكا يُعرف بالعلمانية". المفارقة هي ان اوباما ذاته، حتى قبل دخوله البيت الابيض، أعلن صراحة عن احتقاره للعلمانية. في كتابه (جرأة الأمل)، القى اوباما باللائمة على الديمقراطيين لمساواتهم بين "التسامح والعلمانية". الديمقراطيون في اعتناقهم العلمانية، "يكونون قد فقدوا اللغة الاخلاقية التي يمكن ان تملأ سياساتنا بمعاني كبيرة".

من الواضح ان العلمانية كلمة خطيرة وسامة في سياسة الولايات المتحدة. ولكن لماذا؟ وكيف يمكن لنا تنقيتها من هذه الخطورة؟ هذان السؤالان هما جوهر كتاب السوسيولوجي Berlinerblau Jacques (1). تكمن المشكلة الاساسية لدى الكاتب في ربط العلمانية بالإلحاد. الدراسات اوضحت ان الملحدين هم الجماعة الامريكية الاقل جدارة بالثقة. احدى الدراسات توصلت الى ان الملحد هو رمز لإنسان "يرفض اسس التضامن الاخلاقي". بكلمة اخرى، الملحدون لا يمكن ان يكونوا " من بيننا".

ان المفارقة في الفكرة المعاصرة للعلمانية هي ان فصل الكنيسة عن الدولة بدأ تاريخيا كمشروع ليس للملحدين وانما للمؤمنين. يلاحظ المؤلف ان الرؤية العلمانية، تعود في جذورها ليس الى التنوير وانما للاصلاح ايضا. هو يرسم تاريخ تطور العلمانية، خاصة في التقاليد الانكلوامريكية.

المؤلف Berlinerblau وهو مدير برنامج جورج تاون للحضارة اليهودية، يدافع بحماس عن العلمانية التي يعرّفها كفلسفة تحاول "ايجاد توازن بين حاجة المواطن الفردية للحرية الدينية والتحرر من الدين من جهة وحاجة الدولة للحفاظ على النظام من جهة اخرى". هو يرى ان العلمانية، رغم مكانتها كمظلة للفكر الامريكي، لكنها تخسر في الحرب الحالية للأفكار السياسية. المسألة هي ليست الحاجة لجعل الحكومة منفصلة كليا عن الدين، وهو الهدف الذي يراه المؤلف غير قابل للتحقيق، وانما هي المقدرة لتقليل تأثير الدين (ويعني به الصحوة المسيحية) على سياسات الحكومة. لتحقيق هذا الهدف، وفي ظل مشهد يعتقد فيه السياسيون انهم في الحكومة لخدمة المسيح وليس لناخبيهم، يعلّق المؤلف آماله على تحالف سياسي بين المعتدلين الدينيين ويعرض خطة من 12 نقطة تبدأ بحملة لتوضيح اهداف العلمانية، وعزل المتشددين الدينيين والانفصاليين الراديكاليين. الكاتب ينجح في ابراز التهديدات الحالية للعلمانية ويطرح خطة منطقية لحركة علمانية منظمة لإستعادة قوتها السياسية.

محتويات الكتاب

- ماهي العلمانية وما هي غير العلمانية؟ اين المؤسسون العلمانيون؟، هل العلمانية مساوية للفصل التام بين الكنيسة والدولة؟، هل العلمانية مساوية للإلحاد؟ كيف ان لا نكون علمانيين.

- الصعود والسقوط الغريب للعلمانية الامريكية. صعود العلمانية الامريكية والعلمنة، سقوط العلمانية الامريكية، هل الديمقراطيون علمانيون؟، المسيحيون والحزب الجمهوري.

- اعادة احياء العلمانية الامريكية. من هو العلماني؟ كيف تكون معلمنا (في الثناء على اليهود العلمانيين والكاثوليك الانتقائيين).

يقدم الكاتب تاريخا متماسكا للعلمانية في امريكا ودفاعا عن فضائلها في الوقت الذي هاجمها المحافظون المسيحيون كشر اخلاقي حين رفضوا امكانية ان يكون المرء دينيا وعلمانيا في وقت واحد. الكاتب يجادل بان انتعاش الدين في الولايات المتحدة منذ سبعينات القرن الماضي قاد الى صعود اليمين المسيحي والى تدمير العلمانية. المؤلف يقتبس امثلة عن الطرق التي انتُهكت فيها الحدود التقليدية، بما في ذلك ايجاد مكتب في البيت الابيض لشراكة قائمة على الايمان والجيرة، وتهديدات متكررة من جانب المسؤولين المنتخبين لتأسيس المسيحية كدين قومي.

الكاتب يدعو لتقوية العلمانية لضمان كل من الحرية الدينية والتحرر من الدين في الحياة الامريكية. في تعقبّه لجذور الرؤية العلمانية الامريكية، يشير الكاتب الى العقيدة المشتركة لمارتن لوثر وروجر ويلمز وجون لوك و توماس جيفرسون وجيمس ماديسون. رغم الاختلاف بينهم، كل واحد حذّر من مزج الدين مع سلطة الحكومة، والى احترام الحريات الدينية والتأكيد على الحاجة لنظام اجتماعي، كما جادلوا بان جميع الجماعات الدينية يجب ان تكون متساوية امام الدولة. المؤلف يصف صعود العلمانية والدعم الشعبي الواسع لها في القرن الثامن عشر وحتى اواسط القرن العشرين، حينما اصبح الفصل هو السياسة العلمانية المفضلة لدى المحكمة الامريكية العليا.

ومنذ الستينات بدأ المحافظون المسيحيون الهجوم على العلمانية مما جعلها في حالة إنهاك شديد. ولكي نضمن مستقبل العلمانية وفضائلها في التحديث والتسامح، يجب على الملايين من الامريكيين، كما يقول الكاتب، ان يعلنوا صراحة عن علمانيتهم، سواء كانوا من المؤمنين الليبراليين او من الاثنيات الدينية الاخرى.

وفي القرن الماضي، وبالذات مع ظهور ما سمي "الملاحدة الجدد"، تعرّض الداعمون الاساسيون للعلمانية للتآكل حين اصبحت الفكرة مرتبطة ببساطة مع الالحاد. يقول الكاتب ان وجود معارضة مفرطة للإيمان تحمل راية علمانية، "اثّرت سلبا"، وعزلت المؤيدين المحتملين للدين. وبدون اعادة احياء السند الانتخابي الاصلي للعلمانية، ودون الوصول الى المؤمنين المعتدلين، فان المحافظين الدينيين سوف يستمرون بإذابة الفروق بين الايمان والدولة. يعرض الكاتب دليلا مقنعا لإعادة التفكير بطبيعة العلمانية وبالغطاء الانتخابي الضروري للدفاع عنها. ملاحظته بان العلمانية في امريكا تطورت من خلال النشاطات القضائية بدلا من خلق حركة شعبية هي فكرة ثمينة تكشف عن الكثير من المشاكل التي تواجه العلمانيين اليوم.

الدفاع الحقيقي للكاتب لم يكن للعلمانية بقدر ما هو للتعددية. هو يريد ان يرى العالم تزدهر فيه آلاف الزهور الثقافية والدينية. ولكي يحمي هذه التعددية هو يبدو يرغب في التخفيف من حدة علمانيته. لكي نبني تحالفا اوسع ما يمكن يجب علينا "وقف الفصل المفرط بين الكنيسة والدولة" ونقبل بدلا من ذلك بسحب اعتراف الدولة بالكنيسة كأقل شيء ضروري للمجتمع العلماني.

البرجماتية يمكن ان تكون اداة مفيدة لبناء التحالف السياسي مع انها قد تحمل مبادئ تلفيقية. هناك طريقتان لبناء التمثيل الانتخابي لمشروع التغيير الاجتماعي. الاولى امكانية كسب الناس لموقف هم الآن معادون له. او القبول بان المعارضين لايمكن اقناعهم ابدا، ولكي نبني حملة يجب على المرء التقليل من حدة مبادئه. معظم التغيير الاجتماعي، بدءاً من حق الاجهاض الى المساواة العرقية، حدث عبر كسب الناس تجاه الرؤية التي كانوا بالأساس يعارضونها، وليس عبر التسوية مع التفضيلات القائمة.

الكاتب يرفض ذلك النوع من الالحاد الذي ينكر كل الاديان ويمحو اي فرق بين المؤمنين الليبراليين والاصوليين.

يقترح الكاتب بان الملحدين الذين هدفهم عالم متحرر من الدين لا يمكن ان يكونوا علمانيين لأن اي فصل بين الايمان والدولة يتطلب وجود الدين. المرء لا يحتاج للاعتقاد بان الدين هو أصل كل الشرور، ولا الاعتقاد بان الدين مثير للإشكال بشكل او بآخر. العالم سيكون مكانا أفضل حين لا ينظر فيه الناس للدين كطريق للرشاد. كذلك يمكن القبول بان العلمانية هي جيدة في عالم يوجد فيه الدين بالفعل.

وبينما الكاتب غير متشدد بشأن التآكل في الخط الفاصل بين الايمان والدولة، لكنه اقل تفاؤلا بشأن الناس الذين يعبرون هذا الخط الفاصل بين الايمان والسياسة. الكنائس يجب ان تبقى بعيدة عن السياسة، كما يعتقد، والسياسيون يجب ان لا ينقلوا العقائد الى التشريع. انه جدال يثير اسئلة عميقة حول ما نعنيه بالحرية الدينية وبالحرية من الدين. هل الحرية من الدين حقا تتطلب استبعاد الايمان من الميدان السياسي؟ هل يمكن لهذا الاستبعاد ان يتفق مع الدفاع عن حرية الاديان؟

يذكر الكاتب ان "النظام والحرية" "هما النصفان المكملان للرؤية العلمانية". كل مجتمع علماني "لابد ان يضع توازنا وظيفيا بين الاثنين". المشكلة هي ان الميزان لدى الكاتب يبدو يميل جدا نحو صيانة وديمومة النظام. "لا تقللوا ابدا من رغبة العلمانيين بالنظام"، كما يصف هو. هذا يقود المؤلف الى رؤية غير ديمقراطية للعلمانية. هو يتبنى رأي جون لوك بان العلمانية لا يمكن ان تكون موضوعا للرغبة الديمقراطية. هنا ربما لا يجب "وجود مؤسسة للدين حتى لو رغبت الغالبية بذلك". يقول المؤلف للجماهير الغاضبة: "حين تتركون الدين خارج الحكومة، والمدارس والاماكن العامة الاخرى سيكون افضل لكم جميعا. نحن نعرف هذا من التجربة، الجميع يجب ان يقرأوا عنها بأنفسهم. الآن ارجعوا رجاءا بهدوء الى بيوت العبادة ".

.................................
الهوامش
(1) كتاب (كيف تكون علمانيا، دعوة لإتخاذ موقف معين تجاه الحرية الدينية)، للكاتب Berlinerblau, Jacques صدر عام 2012 عن دار Boston, Houghton Mifflin Harcourt
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق


التعليقات

الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
كثر الحديث عن العلمانية
وأصدر البعض الكتب عن الفرق بينها وبين الشرائع الدينية
والبعض يرى فيها الصواب والبعض يتصنع التعصب لها كسبيل حرية
واذا سألتهم عن التعريف الصحيح لها تجد الف اجابة والف الف نظرية
الله سبحانه وتعالى حدد لنا الحلال والحرام وترك لنا تدبير امورنا الدنيوية
احبائي
دعوة محبة
ادعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطااء بيننا في الارض
جمال بركات...مركز ثقافة الالفية الثالثة2019-02-22