علينا أن نرسم استراتيجيات تحدد مسارات الاحتفاء بالقراءة، وأن نسعى لتعويد النشأة على متعة القراءة من خلال الأسرة المربية الحاضنة الأساسية للطفل... فإذا كانت الطفولة صانعة المستقبل، فإن الكتاب أيضاً هو صانع الطفولة، كما ينبغي أن تكون هناك جهود مشتركة بين جميع المؤسسات الثقافية والمثقفين لدراسة الصعوبات...

يحتفل الكتاب والأدباء وصنّاع النشر باليوم العالمي للكتاب الذي افتقد الكثير من أهميته في جدول أيامنا، وأدركُ أن حال الكتاب في عالمنا العربي مزر، وهذا أمر معروف، ولا حاجة لنا لإعادة الخوض فيه، ورغم ذلك فمن الواجب التذكير بهذا اليوم (اليوم العالمي للكتاب الذي يصادف 23 نيسان) والاحتفال به أيضاً، رغبة منا في التأكيد على أهمية القراءة في دفع حركة التاريخ وفي تقدم الأمم.‏

ومنظمة "اليونسكو" لم تبادر إلى إقرار مثل هكذا يوم في تاريخ الاحتفاء بالكتاب ومبدعيه على اختلاف تخصصاتهم العلمية والفكرية والأدبية والفنية، إلا بعد تيقن، وبالأرقام، عن تراجع أعداد القراء في العالم بعامة، ودول العالم العربي بخاصة، فأقرت هذا اليوم لتذكير الأمم والشعوب، بأن الكتاب بات ولا يزال أهم أركان التقدم البشري، وهي بذلك تريد التذكير بأنه مع التقدم التكنولوجي المتسارع والتطور الهائل لشبكات الميديا الحديثة والاهتمام الشعبي المتزايد بمواقع التواصل الاجتماعي، فإن الكتاب الورقي لن يغادر أهميته المعرفية والإبداعية في شتى بقاع العالم، التي باتت تنظم تقاليد غير مألوفة في التشجيع على القراءة في هذا اليوم وسواه.

ولم ينجُ اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف هذا العام من أن تأتي أخبار الاحتفال به مقرونة بالفيروس القاتل، ليصبح الحدثان (كورونا واليوم العالمي للكتاب) قطبين متنافرين لن يلتقيا أبداً، لكن واقع الحال فرض أن يتم الاحتفال بخير جليس بصمت أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وشئنا أم أبينا اقترن اسم الفيروس مع مناسبة أدبية ثقافية كهذه، لا بل اخترقها كما اخترق تفاصيل حياة جميع الناس دون استئذان، وقلبها رأساً على عقب.

أمة إقرأ لا تقرأ!

المؤلم اليوم أن العلاقةَ ما بين الكتابِ والإنسان في العالم العربي علاقة ازدادت تأزّماً عما كانت عليهِ في الثمانينيات والتسعينيات، وهي في المحصّلة العامة تشهَدُ تراجُعاً واضحاً، ولا سيّما بعَدَ ما أصابَ معظم الدول العربيّة من ازديادٍ في مستوى الأميّة بسبب حُربٍ خارجيّة وداخليّة وتدميرٍ يكادُ يكون مُمنهجاً لمؤسساتها التعليميّة والثقافية. وتشير الإحصائيات الصادرة عن مراكز الدراسات والاستطلاع إلى أن نسبة الأمية بين العرب لا تقل عن 20 بالمائة أي أن ثمة 100 مليون أمي، وهو رقم يستدعي التوقف عنده في عصر التكنولوجيا الرقمية والاتصالات والتواصل الاجتماعي والكمبيوتر، لأن الأمية مشكلة اقتصادية واجتماعية وثقافية ووطنية لجهة آثارها ونتائجها وانعكاساتها على الفرد والأسرة والمجتمع وعملية التنمية بشكل خاص، ومع أن تعريف الأمية لم يعد كما كان سابقاً، وهو عدم القدرة على القراءة أو الكتابة بلغة ما وإنما اتسع ليشمل الأمية الثقافية والأمية الإلكترونية وغيرهما، فكيف سيتحرك الرقم والنسبة المشار إليها لو أدخلنا التعريف الواسع لها؟

ولعل الأخطر من ذلك أن الدراسة المشار إليها تبين أن حصة الفرد العربي من القراءة لا تزيد على ست دقائق في اليوم وأن الدول العربية هي من أقل دول العالم طباعة وإصداراً للكتب، حيث نصيب كل مليون مواطن عربي أقل من ثلاثين كتاباً وتتسع الفجوة الرقمية أكثر عند الحديث عن اقتناء الحاسوب، فالمتوسط العالمي 14 حاسوباً لكل 1000 شخص، بينما هي 8 حواسيب في الدول العربية كمنظومة كاملة مع فروق كبيرة بين الدول العربية، أما سوق الكتاب العربي بيعا وشراء لا يتجاوز 4 ملايين دولار سنويا، كل 300 ألفا من العرب يقرأون ما مجموعه كتابا واحدا سنويا، أما الكتب الأكثر مبيعا في معارض الكتب العربية، فغالبا ما تكون: كتب الأبراج، وتعليم الطبخ، ومذكرات وفضائح الفنانات والفنانين. معدل ما يقرأه المواطن الاسرائيلي 7 كتب سنويا، أما معدل الكتب التي تصدر في إسرائيل 40 ألف كتاب سنويا، نصيب كل مليون مواطن في إسرائيل على صعيد الكتب المترجمة 580 كتابا سنويا، النسب للأسف تؤكد، تواضع قراءة أمتنا العربية.

وتشير الدراسة أيضاً أن عشر العلماء العرب يغادرون بلدانهم إلى دول أخرى بحثاً عن فرص عمل وبيئة أفضل، في حين أنها بحاجة ماسة لاختصاصاتهم وعملهم وخبرتهم وفي تصنيف عالمي سنوي تجريه جامعة شنغهاي الصينية لأفضل 500 جامعة في العالم ووفق معايير شفافة ومعتمدة، تشير النتائج إلى أنه ضمن تلك الحزمة الواسعة لا توجد سوى جامعتين عربيتين، وبوضع تلك الأرقام في مخبر التحليل المعرفي للوقوف على أسباب ذلك يمكننا الوقوف على بعض أسباب ذلك ومنها آفة الفقر وما تستجره من أمراض اجتماعيه وأخلاقية وسلوكية واقتصادية تنعكس سلباً على الفرد والمجتمع، حيث أصبح أولويات الفرد والأسرة تأمين أولويات العيش والسكن، واذا وضعنا ذلك جانباً نرى أن ثمة عوامل أخرى تسهم في ذلك منها ارتفاع أسعار الكتب مقارنة بدخول المواطنين وزيادة تكاليف الطباعة وضعف آليات التوزيع وطرائق العرض ونوعية ومضامين الكتب المطبوعة ومدى تلبيتها لرغبات القراء وحاجاتهم، وضعف ثقافة القراءة عند البعض لأسباب عديدة، إضافة إلى آليات الرقابة على الطباعة والنشر وحرية التعبير.

علينا الإقرارُ بِمُشكلةٍ عويصةٍ، تحولُ بيننا و بين ارتقاءٍ فكرِيٍّ، نعدُّهُ عصبَ الأساسِ، في بنائِنا الاجتماعي والقومي والحضاري، و لن أجِدَ حرجاً في الإشارةِ إلى نموِ الاستهلاكِ العربيِّ، على حِسابِ القُدرةِ، على إنتاجِ كليٍ، يشمل التجارةَ والصناعة، ومن بينها الثقافة، التي أرى فيها كادر النجاحِ، الأهم للسيادةِ الكاملةِ التامة.‏ من هذا القولِ، و نحن صرنا أمامَ مُشكلةٍ سياسية، لم يَعُدِ الكتابُ حالةً تقليدية، أو موضوعاً نتسلَّى بالكتابةِ أو الحديثِ عنه، فالكتاب اليوم، صار مُرتبطاً بالقُدرةِ على إيصالِ مفهومِ الثقافة الحقيقية، التي تتضافرُ مع مفهومِ سيادةِ الأوطان.

لذلك، نسألُ هنا: هل للحكوماتِ العربية يدٌ في تفاقُمِ أزمةِ القراءة؟‏ إن أجبنا بـ "نعم" فنحن هنا لا نتجنَّى على أحد. فالحكومات جافت في مهامها المُلقاةِ على عاتِقِها، أكثرَ القضايا التي تَخُصُّ المواطنَ العربي، وبالتالي ابتعدت عن الهَمِّ الثقافي، عادَّة إياهُ همّا ثانوياً، و فوق ذلك، لا يُمكنُ أن ننكُرَ دورَ المجتمعِ السالبِ، الذي غرقَ في الترفِ الاستهلاكي، و هذا التَّرفُ، لا يُعَدُّ ظاهرة، بل هو نتيجةٌ، لعبَ المُجتمعُ نفسُهُ دوراً في تكوينِها، بدءاً من أصغرِ خلِيَّةٍ في المجتمعِ، و هي الأسرة، التي نأت بنفسِها عن مُكَوِّناتِها ـ الأبناء، فكانت ذرائعُها، همومَ الحياةِ اليوميةِ وغيرها، وقد نتغاضى عن بعضٍ منها!‏

ومهما كان وضع الكتاب العربي متردياً هذه الأيام ومهما كانت صورته قاتمة لابد أن هناك حلولاً يمكن أن تغير هذا الوضع وتزيل قتامة هذه الصورة، فنحن اليوم أحوج ما نكون إلى العودة إلى الكتب والإصدارات والاحتفاء بالقراءة على ألاّ يكون الأمر عابراً وموسمياً، فالقراءة ركن أساسي من أركان الارتقاء والتطور وهي بوابة العلم والمعرفة...‏ ولأننا نؤمن أن الثقافة تتكون من الكتاب وحده... وأزمة الفكر لا تكون إلا في غيابه فهو الشاهد الأكبر للأحداث والتاريخ البشري...‏ من هنا...

علينا أن نرسم استراتيجيات تحدد مسارات الاحتفاء بالقراءة، وأن نسعى لتعويد النشأة على متعة القراءة من خلال الأسرة المربية الحاضنة الأساسية للطفل... فإذا كانت الطفولة صانعة المستقبل، فإن الكتاب أيضاً هو صانع الطفولة، كما ينبغي أن تكون هناك جهود مشتركة بين جميع المؤسسات الثقافية والمثقفين لدراسة الصعوبات التي تحيط بالكتاب وسبب عزوف الكثيرين عنه، وأن نساهم في نشر ثقافة الكتاب من خلال المعارض والمكتبات التي يجب أن تتوافر في المدارس والجامعات وتزويدهم بأهم الإصدارات والعناوين الهامة لتبقى كنزاً ثميناً يتزود به أبناء المجتمع كافة...‏

والأكثر أهمية مما كل سبق هو أن نكون قراء ناقدين نتمثل القراءة معرفة وسلوكاً وحضارة ورقياً بالمجتمع، لا أن نتباهى بها على أنها موسم عابر نجدده في كل عام وكلما سنحت لنا الفرصة...‏

* كاتب صحافي من المغرب

اضف تعليق


التعليقات

مهتمة
فعلا علينا ان نعود أطفالنا على حمل الكتاب وتصفح القصص، في السنوات الاولى لأبنائنا.2022-05-03