بدايةً كان دخولاً تُركياً فتطور وأصبح توغلاً وتمركزاً عسكرياً، وامسى اليوم احتلالاً (بسبب رفض الأخيرة سحب قواتها من بعشيقة)، وقد ينتهي الأمر ليصبح أمراً واقعاً سياسياً، وهو امر تجيد العمل عليه تركيا، وقد يتكيف مع التطورات الدولية والإقليمية، ناهيك عن إمكانية تكيفه مع التطورات الداخلية العراقية التي تتسم بالقابلية للتقسيم.

لا يخفى على الكثير أن عملية تحرير الموصل من تنظيم (داعش) ستشكل محطة مهمة في مستقبل العراق السياسي والأمني والاقتصادي، ولهذا تحرص تركيا على أن تكون حاضرة بقوة في عراق ما بعد (داعش)، بعد أن استبعدت من إيران والولايات المتحدة الأمريكية في عراق ما بعد 2003.

إذ لا تزال تركيا تعتقد بانها خارج المعادلة السياسية والأمنية في العراق بسبب قوة العلاقات العراقية الإيرانية، وقد انسحب ذلك الاعتقاد على إدراكها لرفض الحكومة العراقية لمشاركتها في عملية تحرير الموصل، وهذا ما جعل وسائل الأعلام التركية تروج لفكرة: أن إيران وراء القرار العراقي في رفض مشاركة تركيا باي عملية عسكرية في الموصل.

وعلى ما يبدو أن هذه الصورة هي تسطيح كبير للمسألة وتحويلها إلى وجهة أيديولوجية أخرى تخدم أهداف تركيا الجيوسياسية في صراع النفوذ مع إيران في المنطقة. فقد تكون المخاوف التركية الأمنية في شمالي العراق حقيقية، ولكن توجهات تركيا الجديدة وتصريحات مسؤوليها الاستفزازية قد غلفت تلك المخاوف التركية بالطموحات الجيوسياسية التوسعية نحو العراق، وهو أمر جعل صانع القرار العراقي يعيش في صعوبة إدراك كبيرة للمصالح التركية في العراق، تمثل مزيجا بين المخاوف الأمنية، والحنين إلى العثمانية في المنطقة.

فماذا يمكن أن نفسر الخطاب التوسعي لأردوغان في الثاني والعشرين من تشرين الأول 2016، باتجاه المخاوف الأمنية ام الحنين إلى العثمانية، إذ قال أردوغان في إشارة إلى المرحلة التي تلت الحرب العالمية الأولى، "اننا لم نقبل طوعاً حدود بلادنا حينذاك" وأضاف أردوغان: "يسأل بعض الجهلة ويقولون ما شأن تركيا بشمال العراق وسوريا؟ هذه الجغرافية التي نتحدث عنها هي جزءاً من أرواحنا.. وحتى اذا كانت ثقيلة على قلوبنا نحن نحترم الحدود الجغرافية لكل دولة".

طموحات وصرخات السلطان التركي

تركيا اليوم بعد مئة عام على معاهدة لوزان التي رسمت حدودها ماتزال تشعر بالغبن التاريخي والهزيمة والمهانة القومية، يصف المؤرخ والكاتب التركي (قدير مصر اوغلو) هذه الهزيمة والمهانة بالقول: "إن الاتراك في توقيع معاهدة لوزان تخلوا عن قيادة المسلمين ورضوا بقطعة صغيرة من الأرض".

ومثلها يعيش أردوغان اليوم بعقلية القرن العشرين، ويستمد تصورات وطموحات تركيا الجيوسياسية إزاء سوريا والعراق مما قاله مصطفى كمال أتاتورك ذات مرة في العام 1923، بأن: "حدود أمتنا، تمتد من جنوب خليج الإسكندرونة من أنطاكية، وجنوب جسر جرابلس ومحطة السكة الحديدية وجنوب حلب ثم تسير جنوباً مع نهر الفرات حتى تضم دير الزور ثم تتجه شرقاً لتضم الموصل، وكركوك والسليمانية".

ويمكن للمتتبع أن يلاحظ صرخات أردوغان اليوم ضد معاهدة لوزان على السلوكيات التركية في المنطقة، ذلك بأن تحركات أردوغان اليوم إزاء سوريا والعراق تمليها حالة الشعور بالمهانة القومية التي لحقت بتركيا جراء معاهدة لوزان. وهذا واحد من العوامل الرئيسة التي يمكن من خلالها تفسير تدخل تركيا العسكري في سوريا وتمركزها في منطقة بعشيقة في العراق قرابة السنتين.

ويمكن ملاحظة ذلك أيضا في تصريحات أردوغان النارية على اليونان مؤخرا إذ قال "من يصرخ من على الساحل التركي يُسمع صوته في الجزر الـ12" (في اشارة إلى الجزر اليونانية في بحر ايجه التي انتزعت من تركيا بموجب معاهدة لوزان).

لذلك تمثل عملية تحرير الموصل بالنسبة لتركيا بالتزامن مع وجودها العسكري في سوريا فرصة لإعادة تموضعها الجيوسياسي في المنطقة بعد مئة عام على اضمحلال الإمبراطورية العثمانية. هذه المحطة التاريخية تؤشر اعتماد تركيا الأردوغانية على مفهوم جديد للأمن القومي، للتكيف مع الاضطرابات والتهديدات الجديدة في المنطقة، ذلك بأن التهديدات والضمانات الأمنية اليوم أضحت لا تأتي من الدول فحسب، وإنما من الفواعل من غير الدول أيضا، لهذا تسعى تركيا جاهدة لتوظيف اللاعبين المحليين لمحاربة لاعبين محليين آخرين، وذلك للقضاء على التهديدات المحتملة بإجراءات وقائية واستباقية، وهو الأمر الذي تسعى إليه في الموصل لتكوين منطقة عازلة ضد أية تهديدات مفترضة تجاه الأمن القومي التركي.

العراق وحالة اللعبة الصفرية بين تركيا وإيران

ومع تلك الصرخات الأردوغانية يتحدد السلوك التركي في المنطقة بمقدار النفوذ الإيراني في العراق وسوريا، ذلك بأن توجهات تركيا إزاء العراق وسوريا اليوم يحكمها منطق اللعبة الصفرية مع إيران، وهي حالة مدركة من قبل طهران، ولكنها غير مدركة من قبل بغداد.

فقد كانت حكومة العبادي في بادئ الأمر تنظر إلى السلوك التركي إزاء العراق من منظور غير صفري، في حين كانت تركيا تنظر إلى اللعبة في العراق من منظور صفري بحت يتعلق بصراع النفوذ مع إيران في المنطقة، وهو ما أدى إلى سوء إدراك بين الطرفين انعكس وبتطور على شكل انكار واستهجان واعتراض ورفض من الجانب العراقي للتواجد العسكري التركي في بعشيقة مع قرب عملية تحرير الموصل.

ولكن كيف نعرف أن العراق أمام لعبة صراع صفرية بين تركيا وإيران؟

من السهولة بمكان فهم ذلك عند النظر إلى الهدف الإقليمي من الصراع في العراق ومعالم تحقيقه، فوفقا لنظرية اللعبة "عندما يتنازع طرفان على هدف معين فيفشل أحدهما وينجح الأخر في تحقيق الهدف نكون هنا أمام حالة من اللعبة الصفرية". وهو ما يمكن تطبيقه على حالة الصراع بين تركيا وإيران من اجل هدف كسب النفوذ في العراق.

فمنذ العام 2003، وحتى الوقت الحاضر تتنازع تركيا وإيران على كسب النفوذ في العراق، ورغم مساعي تركيا الاقتصادية غير إنها لم تنجح ولم تحصل على التأثير المرجو في العراق مقارنة بإيران. وقد زادت نقاط فشل تركيا في كسب النفوذ في العراق وبشكل أكبر من السابق بعد سقوط الموصل وغيرها من المدن العراقية بيد (داعش) على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية.

ومع قرب نهاية (داعش) في العراق لم يتحقق الهدف الإقليمي من وجودها، وهو هدف كانت تراهن عليه تركيا ومعظم الأطراف الإقليمية في إضعاف النفوذ والتأثير الإيراني في المنطقة وعلى وجه الخصوص في العراق، إذ لم يؤدي وجود (داعش) إلى إضعاف أو إنهاء النفوذ الإيراني في العراق بقدر ما عزز من وجوده وحضوره وتأثيره وبصورة أكبر من ذي قبل، وهو بحساب اللعبة الصفرية يعد كسب لصالح إيران مقابل خسارة كبيرة لتركيا.

تحرير الموصل واستعداد السلطان التركي للجولة الثانية

مع استمرار عملية تحرير الموصل تستعد تركيا للجولة الثانية في لعبة الصراع مع إيران في العراق، إذ تسعى تركيا إلى اغتنام الفرصة في هذه المرحلة لموازنة النفوذ والتأثير الإيراني على السياسيين الشيعة من خلال تعزيز وتجديد دعمها لسياسيي السنة، العرب والتركمان والأكراد ولاسيما جبهة مسعود البارزاني. وهي فرصة مؤاتية جدا لتركيا؛ ففي ظل عدم قدرة إيران على جر السياسيين السنة إلى مشروعها في العراق، أو التقريب بينهم وبين السياسيين الشيعة تمثل تركيا وتعد (بالنسبة للعديد من الأطراف) البديل القادر على دعم السياسيين السنة وتمكينهم في مرحلة عراق ما بعد داعش.

أهداف السلطان التركي في الموصل ما بعد التحرير

وفي هذه الجولة تسعى تركيا إلى تأمين البعض من أهدافها في عراق ما بعد داعش لمواصلة التقدم في الصراع مع إيران في العراق والمنطقة. ومن بين هذه الأهداف هي حماية المصالح التركية في الموصل في مرحلة ما بعد داعش هو هدف ذو دوافع تاريخية، وتدخل في طياته دوافع استعدادية استيلائية يجسدها قول وزير الخارجية التركية السابق عبد الله غول بالاتي: "إذا تقسم العراق، فإن لتركيا حقوقا تنجم عن ذلك" في إشارة إلى الموصل.

وفي الوقت الذي تتهم فيه تركيا الحشد الشعبي بدعم حزب العمال الكردستاني بالمال والسلاح، تسعى تركيا لوضع حد لقوات حزب العمال الكردستاني والمجموعات الكردية الموالية له في شمالي العراق، ومنع سيطرتها على جبال سنجار وتأمينه ممراً برياً يربط بين العراق وسوريا لمرور عناصره، وذلك للحيلولة دون أن يصبح جبل سنجار جبل قنديل ثاني. وتعول تركيا على مسعود البرزاني وقواته المتواجدة في معسكر بعشيقة وقوات الحشد الوطني (أو ما تسمى بحرس نينوى) للوصول إلى ذلك الهدف.

ومن بين الأهداف الأخرى التي تسعى تركيا إلى الوصول إليها في مرحلة ما بعد تحرير الموصل هي حماية التركمان السنة، وهو أمر تولي له تركيا أهمية كبيرة، إذ أن عودة التركمان الشيعة الذين هجروا على يد داعش من تلعفر، سيؤدي إلى وجود قاعدة شعبية للتركمان الشيعة وهو ما سيستقطب الحشد الشعبي، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى مصادمات طائفية ثأرية بين التركمان السنة والشيعة؛ نتيجة حالات التهجير والاستيلاء الذي تعرض لها التركمان الشيعة على يد التركمان السنة في تلعفر بعد دخول داعش إلى المدينة. ولهذا عادة ما تؤكد تركيا وتشدد على مسألة من سيبقى في الموصل بعد التحرير، وهو أمر يقتصره أردوغان بحسب قوله على: العرب السنة والأكراد السنة والتركمان السنة.

خيارات دبلوماسية

رغم أهمية تأمين تلك الأهداف بالنسبة إلى تركيا في مرحلة عراق ما بعد داعش، إلا انه يبقى هدف منع حزب العمال الكردستاني من إيجاد ملاذ آمن له في شمالي العراق ذا أهمية قصوى بالنسبة إلى تركيا. ان فكرة تحجيم نفوذ حزب العمال الكردستاني في شمالي العراق، هي فرصة يمكن للعراق أن يغتنمها لمساومة تركيا (في الوقت الذي تعيش فيه الأخير حالة حرب مفتوحة مع مقاتلي PKK) وإيجاد معها تسوية شاملة لعدة ملفات عالقة، ولإجبار تركيا على احترام الخيارات السياسية الداخلية للحكومة الاتحادية العراقية، ولكن منع حزب العمال إذ يعد حزب العمال الكردستاني طرفا فاعلا في العلاقات بين إيران وسوريا والعراق وتركيا، وعلى مدار ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي دعمت إيران حزب العمال الكردستاني لتقويض النظام السياسي التركي القائم على العلمانية والمناهض للنظام السياسي الإيراني، وكذلك الحال بالنسبة لسوريا، فمن أجل موازنة التدخل التركي في الشؤون الداخلية السورية، ومن أجل تقييد يد تركيا حول الاختلافات بشأن مشاركة المياه من نهر دجلة والفرات، لعب الرئيس السابق حافظ الأسد على ورقة حزب العمال الكردستاني لتسوية الحسابات بين الطرفين، ولكن بعد نفاذ صبر أنقرة تجاه سوريا، ودقت تركيا طبول الحرب مع سوريا، وقعت الأخيرة بروتوكول (أضنة) مع تركيا في العام 1998، وأغلقت سوريا بموجبها قواعد حزب العمال الكردستاني وأوقفت دعمها لهم.

وانضمت إيران إلى نفس الاتفاق في العام 2003، بعد الغزو الأمريكي للعراق لكسب رضا جارتها تركيا وموازنة تهديد الولايات المتحدة الذي يطوق إيران.

لذلك ردّت تركيا الجميل من خلال تعميق علاقاتها مع سوريا وإيران وعدم تدخلها في شؤونهما الداخلية، وبخلاف فكرة منع حزب العمال الكردستاني من إيجاد ملاذ آمن له، وتحجيمه في شمالي العراق، والتغاضي عن وجوده أو استخدام مقاتلي في الحرب ضد داعش، فان ذلك سوف يدفع تركيا لتعزيز وجودها في بعشيقة وغيرها، وفي حال لم تتدخل تركيا عسكريا في معركة الموصل، فانها ستوظف معسكر بعشيقة لإدارة قوة كردية عربية سنية لمشاغلة ومواجهة حزب العمال الكردستاني في العراق، وهو أمر ينطوي على مخاطر أمنية كبيرة بشكل يعيق الاستقرار المفترض في مرحلة مابعد داعش.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية
http://mcsr.net

اضف تعليق