ما ينتجه الفشل، الذي يتحمل تبعاته واوزاره المجتمع بكل طبقاته، هي الفوضى والعشوائية والتخبط في جميع مجالات الحياة، وبالتالي سيسهل استشراء الفساد والرشى وانعدام الكفاءات وفقدان الهوية الرئيسية لصالح الهويات الفرعية وتعدد الولاءات والميل للتقليد والتبعية وإنتاج مجتمع استهلاكي وتخلل النسيج الاجتماعي وفقدان المساواة والعدالة الاجتماعية وغياب الثقافة...

يطلق على الدول التي تعاني فشلاً في نظامها السياسي والاقتصادي وتراجع في مستوى التعليم والثقافة والخدمات وغيرها بالدول "الفاشلة" كونها لم تستطع تحقيق أدنى حقوق مواطنيها، الامر الذي ينعكس سلباً على المجتمع ككل ويؤدي الى تفاقم المشاكل المادية والامراض الاجتماعية والنفسية التي لا يمكن علاجها او التخلص منها بسهولة، خصوصاً إذا توارثت الأجيال المتلاحقة ذات المشاكل وتكرار الفشل والتخبط وتفشي الازمات من دون وجود أي محاولة جدية في تشخيصها وإيجاد العلاج المناسب لها.

كثيرة هي البلدان التي تعاني الفشل في بنيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ...الخ، وتعود جذور هذا الفشل المزمن لديها الى عدة عوامل منها:

- الحكام وحكوماتهم الظالمة، (والتي أشار اليها الامام الراحل الشيرازي الذي اعتبر "الحكومات الظالمة وقلة الوعي" من أبرز المشاكل المعرقلة لتطور الأمم والمجتمعات)، التي تتسبب بضياع الفرص، وهدر الطاقات، واستنزاف موارد الشعوب، في قضايا وحروب وازمات عبثية، فضلاً عن التضييق على الافراد وسلب حقوقهم ومصادرة حرياتهم وتعريضهم للظلم والسجون والتعذيب.

- قلة الوعي بضرورة الإصلاح وتغيير الواقع المتردي بواقع آخر يلبي الطموح ويعزز من قدرة المجتمع على معالجة أخطاء الماضي والتقدم نحو الامام، سيما وان الشعوب التي تمتلك الوعي او القادرة على امتلاكه هي شعوب لا تقهر ابداً، لأنها شعوب حية وقادرة على التجديد والنهوض من كبوتها والتغلب على الازمات التي قد تمر بها.

- الازمات التي تمر بها الدول كالأزمات الطبيعية (الكوارث الطبيعية، نقص الموارد، الامراض والاوبئة ...الخ) والأزمات البشرية (الحروب، الاستعمار، الحصار او الانهيار الاقتصادي ...الخ) وتؤدي الى تدرج الدول نحو الفشل وانهيار بناها التحتية وصولاً الى الفشل المزمن وللإنظام.

- الامراض النفسية والاجتماعية التي يعاني منها الافراد والمجتمع ككل، وهي من أخطر الامراض وأشدها فتكاً والتي تتطلب الاهتمام الفوري من الجميع (الدولة ومؤسساتها، النخبة المثقفة، منظمات المجتمع المدني، المؤسسة الدينية) لمنع تفاقمها وعدم السيطرة عليها داخل المجتمع مستقبلاً، وتسبب العوامل السابقة، إضافة الى الفساد وللإنظام والتجهيل والتدجين والاستهلاك والتخلف والعنف وغيرها، تغلغل هذه الامراض داخل المجتمعات وتحولها الى مجتمعات فاشلة.

- فقدان الايمان وما ينتج عنه من استسلام المجتمع لحكم الفوضى والفشل بدلاً من امتلاك الرغبة في تصحيح المسارات الخاطئة والعودة الى النجاح، لذلك عندما يحاول الحاكم المستبد السيطرة على الافراد والتحكم بالمجتمع يسعى الى محاربة ايمان المجتمع بالقيم السامية وتعاليم الأديان السماوية وفضائل الاخلاق التي تعطيهم دفعة معنوية عالية، وطاقة إيجابية قادرة على صنع التغيير، وبالتالي تسهل السيطرة على المجتمع واستعباده بسهولة.

ان ما ينتجه الفشل، الذي يتحمل تبعاته واوزاره المجتمع بكل طبقاته، هي الفوضى والعشوائية والتخبط في جميع مجالات الحياة، وبالتالي سيسهل استشراء الفساد والرشى وانعدام الكفاءات وفقدان الهوية الرئيسية لصالح الهويات الفرعية وتعدد الولاءات والميل للتقليد والتبعية وإنتاج مجتمع استهلاكي وتخلل النسيج الاجتماعي وفقدان المساواة والعدالة الاجتماعية وغياب الثقافة والوعي والقانون والنظام وانتشار الجهل والتخلف والنزوع للعنف في حل النزاعات.

بالتالي تصبح المجتمعات كنتيجة لكل ما تقدم، غارقة في مستنقع الفوضى والفشل المتكرر، وتتحول هذه البلدان الى بلدان فاشلة وفق مقياس تقدم الأمم وتطورها في مختلف المجالات، ولكي تتخلص الدول الفاشلة من عقدة النقص الملازمة لها تحاول اجترار ماضيها الأفضل من حاضرها، كمن يعيش أحلام اليقظة، في محاولة للهروب من حل او مواجهة الازمات والمشاكل التي تعصف بها، والايهام بأنها مجرد أزمات وقتية سرعان ما تنتهي كونها أمم او مجتمعات تمتلك حضارة إنسانية قديمة وماضي مجيد.

اما السبيل الى الخروج من هذا المستنقع واستنقاذ هذه المجتمعات والنهوض بواقع جديد يمثل البداية لنهاية الفوضى والفشل، فيكمن في جملة من الإجراءات منها:

1. الاعتراف بوجود المشاكل والأزمات وعدم تجاهلها او التعايش معها، وهي عملية تشخيص الامراض التي تعصف بالمجتمع للبدء بعملية "الهدم" لها من اجل التأسيس لمرحلة جديدة.

2. إيجاد الحلول المناسبة لمسببات الفشل والبدء بعملية تطبيقها "البناء" داخل المجتمع لتغيير الواقع المتردي الى واقع جديد ينهض على قواعد واقعية وصحيحة بعيداً عن الزيف والخداع والمبالغة.

3. ينبغي ان يكون الجهد المبذول في عملية البناء والتصحيح جهد يشترك فيه الجميع وبلا استثناء، كما أشرنا سابقاً، فالدولة ومؤسساتها والنخب الاكاديمية والمثقفة والمؤسسة الدينية ومنظمات المجتمع المدني والكفاءات والفرق التطوعية والشباب وغيرهم مسؤولون عن المساهمة في إنجاح هذا التغيير عن طريق التعاون وتضافر الجهود خدمة للصالح العام.

4. ضرورة تشكيل الحكومة الصالحة التي يصلح معها المجتمع، فلا فائدة من أي خطوة تسعى لصلاح المجتمع مع وجود حكومة ظالمة ومستبدة تقود المجتمع الى التهلكة والفوضى وتمنع عنه الحريات العامة وتقيد الجهود والكفاءات وترفض التعاون والمشاورة والعمل الجماعي.

5. زيادة الوعي الجماهيري الذي يتعزز بالعلم والمعرفة والثقافة ويضعف كلما زاد الجهل والتخلف وحكم الأعراف والتقاليد البالية في المجتمع.

6. تعزيز قيم التقدم والايمان الفطري للإنسان بها، الى جانب فضائل الاخلاق والتي تعطي دفعة معنوية للفرد في حب العمل والاوطان والتسامح والتعاون والاخوة.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2024
http://shrsc.com

اضف تعليق