إنَّ أيِّ تدهورٍ أو انتكاسةٍ يتعرض له النظام التربوي سوف ينعكس سلباً على جميع مرافق ومؤسسات الدولة، وبالتالي التأثير السلبي على مستقبل البلاد وآفاق تطورها. لذلك فإنَّ الخطوات الإصلاحيَّة التي يجب أن تتخذ أن تكون على درجةٍ كبيرةٍ من التخطيط السليم، والأهداف الواضحة، ووفق رؤية فلسفيَّة تربويَّةٍ محددة...

من المعروف أن أيَّ عمليَّة إصلاح لا بدَّ أن تستند إلى أسسٍ ومبادئ محددةٍ حتى تأتي بالنتائج، التي وضعت من أجلها تلك الأُسس. وإذا كانت ثمة أولوياتٍ إصلاحيَّةٍ تسبق غيرها فلا نعتقد من هو أكثر أولويةٍ وأهميَّةٍ من قطاع التربية والتعليم، على اعتبار أن إصلاح النظام التربوي يمثل حجر الزاوية لأي بناء متوقع حصوله في البلاد.

ولا شكَّ أن هذا القطاع الحيوي كان وما زال يعاني الكثير من المعوقات والأزمات، وان الكثير من هذه المعوقات متأتٍ من الأوضاع التي كانت سائدة، لا سيما في عهد النظام المباد عندما تعرض النظام التربوي خلال تلك الفترة إلى تخريبٍ منظمٍ كانت نتائجه تدنيٍا مريعًا أصاب جميع مفاصل قطاع التربية والتعليم.

فقد سعى ذلك النظام إلى تحويل المؤسسات التعليميَّة إلى أداةٍ لتنفيذ مشروعه السياسي، ولعلَّ سياسة تبعيث النظام التربوي والتعليمي التي مارسها النظام المباد آنذاك كانت الأكثر ضرراً وخراباً على ما سواها، لما يمثله هذا الحقل من بُعد ستراتيجي.

وحتى بعد عملية التغيير لم توضح الخطط الستراتيجية والرؤى المستقبلية للنهوض بقطاع التربية والتعليم، واختصر الأمر على أحداث تغييرات شكلية لم تتطرق إلى الأسباب الجوهرية، التي أدت إلى ضعف وتدهور النظام التربوي والتعليمي في البلاد.

ولا شكَّ فإن هذا الأمر الخطير بحاجةٍ إلى وقفةٍ جادةٍ وجهودٍ مضنية لتصفية آثار المرحلة السابقة وإصلاح المنظومة التربويَّة والتعليميَّة في مختلف مراحلها. وهو ما ينسجم مع ما طُرح مؤخراً من قبل الحكومة عن إطلاق الستراتيجية الوطنيَّة للتربية والتعليم للسنوات 2022- 2031، والتي أوضحت أن هذه الستراتيجيَّة ترسم خارطةَ طريقٍ لإصلاح المنظومة التربويَّة والتعليميَّة، بما يتطابقُ مع المعاييرِ الدولية، وترفع جودة وكفاءة نظامنا التربوي والتعليمي.

وهنا نستشهد بتجارب بعض الدول، التي مرت بظروفٍ مشابهةٍ لتلك التي مررنا بها، لا سيما في مجال الحروب والكوارث التي تعرضت لها. فعندما هَزم نابليون بونابرت الألمان في بداية القرن التاسع عشر، سادت مشاعر اليأس بين الألمان، فوجه الفيلسوف الألماني (فيخته) خطابًا إلى الأمة الألمانية، يبين فيه (أن الهزيمة كانت تربويَّة قبل أن تكون عسكريَّة، وأن الخلاص يكمن في استبدال النظام التعليمي الألماني بتربية جديدة.

وفي اليابان كان أول قرارات الإمبراطور ميجي هو توحيد التعليم أمام جميع طبقات الأمة، حيث كان لكل طبقةٍ أو طائفةٍ طريقة تعليم مختلفة، ثم بعث الإمبراطور البعثات التعليميَّة لكل أنحاء العالم المتقدم، للتعرف على الجديد في المعرفة والعلم، ونقل خبرات هذه الأمم إلى اليابان، وهذا ما يفسر سرعة لحاق اليابان بغيرها من الأمم المتقدمة.

أما في فرنسا، عندما اكتسح (هتلر) الأراضي الفرنسية، بحث الفرنسيون في عوامل هزيمتهم، وعزوها إلى ضعف نظامهم التربوي. واعترف التقرير بصراحة، أن الهزيمة ما كانت لتحل بالأمة الفرنسية، لولا ضعف المعاهد والمؤسسات التعليمية.

خلاصة القول، إنَّ أيِّ تدهورٍ أو انتكاسةٍ يتعرض له النظام التربوي سوف ينعكس سلباً على جميع مرافق ومؤسسات الدولة، وبالتالي التأثير السلبي على مستقبل البلاد وآفاق تطورها. لذلك فإنَّ الخطوات الإصلاحيَّة التي يجب أن تتخذ أن تكون على درجةٍ كبيرةٍ من التخطيط السليم، والأهداف الواضحة، ووفق رؤية فلسفيَّة تربويَّةٍ محددة، مع تعبئة كل الطاقات الماديَّة والفكريَّة، من أجل النهوض بقطاع التربية والتعليم مجدداً. وهذا ما لوحظ في المجتمعات التي تخلصت من براثن حكوماتها، التي اضطهدتها، وخصوصا حينما بدأت توظب كل إمكانياتها لعملية الإصلاح ومتطلباته.

.....................................................................................................
* الاراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق