على الحكومة البحث عن سبل معالجة الازمة المحتملة في السياسة المالية والنقدية خارج نطاق طباعة العملة لمواجهة خطورة التضخم وارتفاع الاسعار باللجوء الى خيار توزيع جزء من الرواتب بالعملة الصعبة او الاستدانة والاقتراض او المبادلة النقدية مع المصارف الحكومية لأغراض الايداع او زيادة بيع الدولار للمواطنين والتجار والشركات...

‏حققت حكومة محمد شياع السوداني إنجازات محدودة على صعيد تطبيق البرنامج الحكومي ولا زال امامها الكثير لتقديمه الى المواطنين لكن رغم هذه الحركية والإيجابية في العمل الحكومي تعترض عملها عدة تحديات استطاعت إلى حد ما تجاوز بعضها دون اضرار أو تأثيرات مباشرة مثل: أزمة الكهرباء والغاز الإيراني وقضايا مواجهة الفساد، وتطوير العلاقات الخارجية للبلد مثل: التعاطي مع الجانب الأمريكي بنوع من التوزان الحذر، وترميم العلاقات العربية الى حد ما، وأيضا العلاقات داخل قوى الإطار التنسيقي فضلا عن التعامل بمرونة مع التيار الصدري قيادة وجمهور.

كما تعد مسألة إجراء انتخابات مجالس المحافظات رهان حقيقي لنجاح هذه الحكومة اذا اجريت دون معضلات بارزة خاصة ان السوداني قد لا يشارك بشكل مباشر في هذه الانتخابات، ولكن تتزامن مع هذه المنجزات والحيثيات الإيجابية تحديات موجودة في الوقت الحاضر لكنها ستكون اكثر صعوبة وتتضاعف تأثيراتها في الأشهر القادمة، وأهم هذه التحديات ما يلي:

أولا: تنفيذ الموازنة الاتحادية/ بعد ان خسرت الحكومة طعونها القانونية ببعض مواد الموازنة التي عدل عليها البرلمان امام المحكمة الاتحادية فهي سلاح ذو حدين فعند تنفيذ بنود هذه الموازنة، ستواجه الحكومة مشكلة العجز المالي فتعيين مئات الآلاف من الخريجين وغيرهم سيسبب أزمة نقد مالية حقيقية إذا ما حسبنا مسألة بيع النفط شهرياً والحصول على الواردات بالدولار تحتاج الحكومة الى بيع الدولار للحصول على كتلة نقدية بالدينار العراقي يغطي المتطلبات التشغيلية في الموازنة وتحديدا متطلبات الرواتب واستحقاقات الاشهر الماضية وهذا غير كافِ، فقيمة ما يباع من النفط وما يدخل من دولار لا يغطي ذلك، ما يضطر الحكومة اما الى عدم تسديد الرواتب او دفع جزء منها وهذا سيعرضها للضغوطات المباشرة من قبل هؤلاء، او الذهاب الى خيار طباعة كتلة نقدية عراقية اضافية جديدة وهذا خيار سيسبب تضخماً في الاقتصاد العراقي وارتفاعا في الأسعار وهذا بدوره سيعقد المشهد السياسي والاجتماعي وتحصل مزيد من الاحتجاجات والإضطرابات وفي حال عدم تسديد الرواتب أو تأخيرها كما يحصل في اقليم كردستان فإن النتيجة ستكون مشابهة.

على الحكومة البحث عن سبل معالجة الازمة المحتملة في السياسة المالية والنقدية خارج نطاق طباعة العملة لمواجهة خطورة التضخم وارتفاع الاسعار باللجوء الى خيار توزيع جزء من الرواتب بالعملة الصعبة او الاستدانة والاقتراض او المبادلة النقدية مع المصارف الحكومية لأغراض الايداع او زيادة بيع الدولار للمواطنين والتجار والشركات لغرض توفير بديل نقدي لسداد فواتير الرواتب الشهرية وتقديم خطط محكمة من الان لمواجهة العجز النقدي المحتمل للأشهر القادمة.

ثانيا: سعر صرف الدولار الامريكي مقابل الدينار العراقي/ قد يكون أسوأ ما قام به السيد السوداني هو تخفيض سعر الصرف الدولار الأمريكي مقابل 132,000 دينار عراقي لكل 100 دولار، وهذا الاجراء في الواقع اجراء انتخابي اكثر من اقتصادي او مالي ورغم حصول تعاطف مع هذا الاجراء في البداية، لكن لهذا الخيار اضرار اقتصادية بالغة خاصة أن هناك سوق موازي يبيع الدولار بسعر مختلف عن بيع النافذة والبنك المركزي، لم يتراجع دون 149000 دينار، وبالتالي فإن المستفيدين من تخفيض سعر الصرف، فئات مالية وتجارية وسياسية محددة، في حين لم يستفيد المواطن البسيط بشكل مباشر من هذا التخفيض إطلاقا، وحسب التوقعات المالية والموقف الأمريكي من تداول العملة لبعض المصارف والموقف من ايران فإن المتوقع في غضون شهرين او ثلاثة اشهر حصول ارتفاع لسعر الصرف في السوق الموازي إلى 170,000 دينار عراقي وقد يصل في نهاية شهر تشرين الثاني إلى 180,000 دينار وهذا أيضا سيسبب أزمة حقيقية تتزامن مع ازمة تنفيذ الموازنة والعجز في تغطية الرواتب من الكتلة النقدية بالدينار العراقي وازمة التضخم وارتفاع الاسعار.

مواجهة هذا التحدي تندرج بتنسيق العلاقات العراقية الامريكية من جهة والعلاقات مع ايران من جهة اخرى فضلا عن تجميد نافذة بيع العملة والرجوع الى السياسة النقدية التقليدية التي تعتمد على فتح الاعتمادات المستندية للمستوردين لغرض تثبيت سعر الصرف لكي يذهب رأس المال لتغذية الصناعة والزراعة والتجارة والسياحة، علما ان الغطاء المالي كاحتياطي يغطي كل الاعتمادات المستندية وبضمانة السندات المودعة في البنك الفيدرالي الامريكي وطرح تسهيلات لتجاوز الروتين مثل تجميد اجازة الاستيراد الذي يبعد المستوردين من فتح الحساب الجاري، وبالتالي مواجهة الازمة القادمة من الان وهذا يحتاج الى قرارات سياسية اقتصادية عاجلة.

ثالثا: ازمة المياه/ ستزداد هذه الأزمة بشكل اكبر خلال شهرين او ثلاثة اشهر مما عليه الآن، وما لم يتم ترتيب الأوراق الدبلوماسية والقانونية مع تركيا وإيران فان تداعيات الجفاف والتغير المناخي ستكون مؤثرة، خاصة مع عدم وجود مؤشرات على التعاون التركي والإيراني مع العراق في ملف المياه وخاصة إذا تحدثنا عن تركيا التي كسب العراق ضدها دعوة في محكمة باريس الاقتصادية التي الزمت تركيا بتعويض يصل للعراق إلى مليار ونصف المليار دولار نتيجة شراء النفط من اقليم كردستان عبر ميناء جيهان دون موافقة الحكومة الاتحادية وبأسعار رمزية، هذا التعقيد في المشهد القانوني بين البلدين إضافة إلى شخصية اردوغان ومقاربته الخارجية تجاه العراق في ما يتعلق بأزمة تصدير النفط من اقليم كردستان وتواجد قواته العسكرية في هذه المنطقة ومقترباتها، وزيادة العمليات العسكرية الجوية في شمال العراق وسنجار فيما يخص ملف حزب العمال الكردستاني، لا تعطي انطباعا ان العراق يمتلك اوراقا للضغط على تركيا للتسامح والتساهل في زيادة الاطلاقات المائية تجاه العراق بل العكس صحيح تماما، فقط فيما يخص التبادل التجاري وهذا لا يعد مسألة امن قومي بالنسبة لتركيا لوجود بدائل وخيارات عديدة لمواجهة اي مقاطعة تجارية فضلا عن تأثر العراق بشكل كبير نظرا لاعتماده المفرط على البضائع والسلع والمنتوجات التركية.

ازمة شحة المياه والجفاف والتغير المناخي تحتاج الى معالجات عاجلة دبلوماسية وسياسية وبيئية وتنفيذية من الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم والمحافظات وبدعم من المواطن العراقي للتكيف مع هذه التحدي.

البداية من الضغط على دول المنبع والمجرى بضرورة التفاوض من جديد مع العراق وفقا لقواعد القانون الدولي، للتوصل الى اتفاقيات ومعاهدات جديدة تراعي خصوصيات الواقع المائي الحالي بما يضمن حصة واحتياجات العراق من المياه بشكل عادل.

كما على العراق تشريع قوانين واقرار سياسات وتطبيق بدائل حديثة تمكينية لإدارة الموارد المائية في العراق، تبدأ من الترشيد باستهلاك المياه وتسعيره وتطوير وسائل الاستفادة منه، فيما يخص الري واستثمار مياه الامطار والمياه الجوفية ومياه الصرف الصناعي والزراعي وتحلية المياه المالحة وانشاء سد على شط العرب لتقليل الهدر والملوحة وارواء الاراضي الزراعية الواقعة على ضفتيه.

هذه المعالجات وإدراك حجم المخاطر والتحديات التي تواجه الحكومة الحالية والتي ستكون أكثر واقعية في الاشهر القادمة تحتاج الى ارادة سياسية داعمة للحكومة وادارة حكومية واعية وملتزمة لتحقيق مصالح العراق كما تحتاج الى دعم نخبوي ومجتمعي لتحقيق سبل الامان اللازمة لمواجهة هذه التحديات الخطيرة.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2023 Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق