في الحكم الديمقراطي قد تتبدل الأحزاب والوجوه الحاكمة بعد كل إنتخابات شعبية، وهذا ما يجعل الأحزاب تندفع في بناء وصناعة ركائز الدولة العميقة كي تبقى محافظة على نفوذها ورواسيها حتى وإن لم تحض بالفوز في الانتخابات القادمة. لكن تركيبة العراق العرقية والطائفية واللغوية وغيرها يجعله نسيجا غير...

يمكن تعريف الدولة العميقة بأنها "سلطة داخل السلطة"، اي هي وجود لسلطة غير معلنة لها باع طويل في صنع القرار السياسي والإجتماعي والامني والاقتصادي والمالي بل حتى القانوني والقضائي الذي تتخذه السلطة الرسمية المعلنة.

لا يقتصر وجود الدولة العميقة على دولة دون أخرى بل إنها قد تكون كامنة في كثير من الدول التي ترفع شعارات الديمقراطية والحضارة والمدنية. قد يكون التباين في طبيعة أدوات وهيئات وجوانب الدولة العميقة في البلدان المختلفة ولكن ليس في جوهر وجودها، إذ قد تكون هذه السلطة الخفية الآمرة سلطة عسكرية أو أمنية أو أحزاب حاكمة أو شخصيات لها نفوذ سياسي أو ديني أو اقتصادي مالي أو اجتماعي أو اعلامي أو غيره.

في عراق قبل التغيير اي قبل عام ٢٠٠٣، كانت سلطة الحزب الواحد هي السلطة الظاهرة والمخفية العميقة والسطحية تأتمر برؤى وقرارات شخص واحد لا رأي لغيره ولا نفوذ، وهذا ما يسمح لنا أن نقول بأن البلدان المحكومة بسلطة الفرد الواحد لا معنى ولا دور لوجود دولة عميقة فيها. وهكذا فوجود الدولة العميقة في العراق لابد أن يكون قد حصل بعدما أصبح العراق ديمقراطيا وبعد أن سيطرت الأحزاب على زمام الأمور فيه.

في الحكم الديمقراطي قد تتبدل الأحزاب والوجوه الحاكمة بعد كل إنتخابات شعبية، وهذا ما يجعل الأحزاب تندفع في بناء وصناعة ركائز الدولة العميقة كي تبقى محافظة على نفوذها ورواسيها حتى وإن لم تحض بالفوز في الانتخابات القادمة.

لكن تركيبة العراق العرقية والطائفية واللغوية وغيرها يجعله نسيجا غير متجانسا في بناء دولة عميقة واحدة بل يحتم عليه خلق دويلات عميقة متعددة طبقا لذلك. هذه الحقيقة تعقد المشهد العراقي أكثر وأكثر وتجعل الخراب الذي تصنعه الدولة العميقة الواحدة مضاعفا. سواء أكانت دولة عميقة واحدة أو دويلات عميقة داخل دولة فالنتيجة الحتمية واحدة وهي ضعف الدولة وتشتتها وضياعها وفشلها عاجلاً أم آجلا.

ليس من السهولة تفكيك عرى الدولة العميقة في الدول الهشة الضعيفة، لكن مكافحة هذه الظاهرة أمر ضروري حتى ولو بقي نظريا في معناه فهو يعتمد على حزمة من الإجراءات والخطط ومنها:

- الفصل بين السلطات الثلاث في الدولة وتوطيد سلطة القضاء النزيه المجرد عن تأثيرات القوى.

- تحفيز وتشجيع ودعم الرقابة الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني.

- توظيف وتنظيم وتقوية أجهزة المراقبة والمساءلة والمحاسبة.

- دعم وتنشيط الإعلام الحر النزيه والهادف بكل وسائل الوجود والكينونة كي يكون منبرا للتثقيف والكشف والمراقبة.

* مداخلة مقدمة الى الجلسة الحوارية التي عقدها (مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية) في ملتقى النبأ الأسبوعي تحت عنوان (الدولة العميقة بين الحقيقة والوهم)

اضف تعليق


التعليقات

Zaid Alkufaishi
Iraq
تحية وتقدير لكاتب المقال الاستاذ الدكتور محمد الحسيني
العراق بعد ٢٠٠٣ واجه الكثير من التحديات الخارجية منها والداخلية
وأكاد أجزم أن الواقع الذي آل إليه البلد جزء من مخطط مرسوم محبك لكون العراق قلب المنطقة و منجم الذهب الذي يدر الأموال الفلكية على الجميع دون أهله
جميع التدخلات الخارجية منها الإيجابي والسلبي
كانت ولازالت عامل مهم لتردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية...
الجميع يعي خطورة نهضة العراق وتحوله من بلد مستهلَك إلى بلد يستقطب العالم
تخيل معي العراق وهو يتقدم وينهض بالبنى العمرانية
من سيزور برج خليفه ويترك اثار بابل
من سيزور سلطان احمد ويترك المراقد الدينية والملوية
من سيزور البحر الميت ويترك شواطى الكريعات
من يشحن إلى خور عبدالله وبجانبه مدينه موانى الفاو
وووووو
اكيد لن يفلت من أنيابهم جميعا2022-11-08