على الرغم من أهمية الانفتاح السعودي-الإيراني إلا أن هذا المسار يعتبر ملغوما وتقف أمامه تحديات كبيرة، لأن دولا كروسيا والصين وإسرائيل ودولا عربية ربما ستعمل على نسف هذا المسار أو محاولة وضع العراقيل أمامه من أجل أن تعود المنطقة إلى سابق عهدها، وتبقى إيران تحت الضغوط الأمريكية...

منذ صعوده إلى السلطة كان يصفها بأنها دولة عدوانية تسعى للسيطرة على المنطقة بنظامها المتطرف، بقيادة مرشدها الذي وصفه بأنه هتلر جديد في الشرق الأوسط، ولا توجد فرصة للتفاوض معها، عاد الآن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ليصف إيران مرة أخرى ولكن بطريقة مختلفة عن السابقة واعتبرها بأنها دولة جارة ويتمنى الخير لها!.

تغير كبير في الموقف السعودي تجاه إيران، فلماذا هذا الخطاب المختلف؟، وهل سنشهد تطور العلاقات السعودية-الإيرانية في الأيام القادمة؟، وهل سيكون هناك تطبيع عربي مع إيران؟، وكيف سينعكس هذا التطور على المنطقة بصورة عامة؟، وكيف ترى الدول الإقليمية والعالمية هذا التطور؟.

خرج ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في مقابلة تلفزيونية بتاريخ 27/نيسان الماضي فاجئ فيها أغلب المهتمين بالشأن الإقليمي بلهجته التصالحية الإيجابية مع جمهورية إيران ووصفها بأنها جارة، وعلى البلدين أن يكون بينهم علاقة طيبة وقوية ومميزة تربط بعضهم، فلدينا مصالح معهم ولديهم مصالح معنا، وأوضح موقع (BBC عربي) نقلا عن أبن سلمان أن إشكاليات المملكة تجاه إيران تتعلق ببرنامجها النووي، ودعمها لميليشيات خارجة عن القانون في بعض دول المنطقة، وبرنامج الصواريخ البالستية، وأضاف بحسب الموقع بأنه يعمل مع شركاؤه لإيجاد الحلول لهذه الإشكاليات والعمل على تجاوز حدة التوترات في المنطقة، وتكوين علاقات طيبة مع إيران التي رحبت بدعوة أبن سلمان بتصريحات هادئة بعيدا عن كل أشكال التصعيد.

وفي وقت سابق، سربت صحيفة فايننشال تايمز خبرا مفاده "إن هناك جلسات واتصالات ومفاوضات استكشافية سرية بين الجانب السعودي والإيراني برعاية عراقية في العاصمة بغداد"، وقالت الصحيفة أن الوفدين التقيا في بغداد بتاريخ 9/نيسان الماضي واتفقوا على الكثير من الملفات العالقة في المنطقة ووضع المعالجات المناسبة لحلحة الأمور.

إذا فلماذا هذا التغير المفاجئ من جانب السعودية وعدد من الدول العربية تجاه إيران؟، وللإجابة عن التساؤل علينا أن نربط ما يدور من تغيرات كبيرة على أحداث الساحة الدولية، وأهم تغير هو رغبة الولايات المتحدة بالانسحاب من منطقة الشرق الأوسط، فالولايات المتحدة راغبة بالانسحاب منذ الفترة الأولى للرئيس الأمريكي باراك أوباما من منطقة الشرق الأوسط لتركيز جهودها نحو الجهة الأخطر والأكثر أساسية وهي آسيا متمثلة بالصين وروسيا.

فهناك سيناريو قديم يوحي بأهمية منطقة الشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة خلال فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، لأنها كانت تمثل مطامع للسوفيت وسيطرة الولايات المتحدة على المنطقة تعطي قوة اقتصادية وعسكرية لها ضد السوفيت، أما الآن لم تعد منطقة الشرق الأوسط ذات أهمية بالنسبة للولايات المتحدة بسبب الاكتفاء الذاتي الذي حققته من النفط والغاز بعد أن كانت تعتمد على الشرق الأوسط، إضافة إلى معاناتها من تكاليف الحروب التي لا تنتهي في الشرق الأوسط التي قدرت منذ أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 بحوالي 6.4 تريليون دولار وعلى المستوى البشري 7 الآف قتيل و 54 الف جريح من القوات الأمريكية بحسب موقع واطسون للعلاقات الدولية، وقد عملت إدارة الرئيس الجديد جو بايدن على تنفيذ الانسحاب الفعلي من أفغانستان بداية شهر آيار الحالي والذي سينتهي في أيلول القادم، إضافة إلى خفض القوات الأمريكية المتواجدة في دول الخليج وتوجيهها في وقت لاحق إلى أماكن أخرى خارج منطقة الشرق الأوسط، وبعدما بدأت مرحلة التنفيذ وحتى لا تضطر للعودة السريعة مرة أخرى يتوجب على الولايات المتحدة ضرورة توفير الحماية اللازمة على مصالحها المتبقية في المنطقة، ومن أهم المخاطر على المصالح الأمريكية في المنطقة هي وجود إيران بحسب المخابرات الأمريكية، فما هي طرق التعامل مع إيران؟.

الولايات المتحدة جربت العديد الضغوطات على محاصرة إيران ولم تفلح تماما، فقد جربت بضراوة العقوبات الاقتصادية منذ 1979 ولم تسجل نجاحا، وجربت الضغوطات السياسية والدبلوماسية ولم تفلح، فلم يبقى إلا أحد أمرين أما الحل العسكري وهو مستبعد حاليا لأن الولايات المتحدة تريد الخروج من المنطقة بأقل الخسائر وليس التورط فيه أكثر، لذا توجهت الولايات المتحدة إلى الحل الأسلم وهو المفاوضات التي بدأت في فيينا بهدف إحياء الاتفاق النووي وشموله تضمينات أكثر لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة (إسرائيل ودول الخليج).

إذا ما تم هذا الاتفاق بصيغته الجديدة ستعود إيران إلى الحياة الطبيعية في محيطها الجغرافي والإقليمي بصورة أقوى مما كانت عليه من قبل، وهذا الأمر يقلق عدد من الدول الخليج وإسرائيل بحسب ما يصوره الإعلام، فدول الخليج طوال الفترة الماضية لم تستطع أن تطور من أنظمتها العسكرية التي تمكنها من الدفاع عن نفسها بمعزل عن الولايات المتحدة، ولم تنجح في عقد تحالفات خارجية يمكن أن تغنيها عن الولايات المتحدة، لذلك تشعر دول الخليج بالقلق حيال الانسحاب الأمريكي.

أما إسرائيل، فإنها تعتبر دولة عسكرية قوية في المنطقة، ومع ذلك تشعر أيضا بالقلق الشديد إذا ما تركتها أمريكا بمواجهة إيران، لأنها لا تستطيع التعامل مع إيران لوحدها والتغلب عليها بسبب تقارب الحضارات والمؤهلات العلمية والقدرات العسكرية بحسب موقع معهد الشرق الأدنى.

ومن الملفت للنظر، أن دول آسيا (الصين وروسيا) أيضا تشعر بالقلق حيال الانسحاب الأمريكي، لأن هدف الولايات المتحدة بالانسحاب من الشرق الأوسط هو تركيز اهتمامها على الصين وروسيا، فليس من مصلحة الأخيرتين أن تتحرر الولايات المتحدة من مشاكل ومستنقع الشرق الأوسط.

وعندما يدور الحديث حول السعودية، فإنها تفترض وقوع السيناريو الأسوء وهو خروج الولايات المتحدة من منطقة الشرق الأوسط، وتنفض يدها من أي التزام تجاه رعاياها في المنطقة، وهذا كان واضحا عندما تعرضت السعودية إلى صواريخ الحوثيين كما صرحوا بذلك، فأدركوا السعوديون ضرورة التعامل مع الخطر الإيراني القادم وجها لوجه بدون مساعدات خارجية إذا ما تحقق السيناريو الأسوء، ففي هذه الحالة سيكون التعامل على عدة أشكال:

التعامل العسكري، وقد جرب هذا التعامل عندما دعمت السعودية العراق في حربه مع إيران لمدة ثماني سنوات التي لم تحد من السيطرة الإيرانية، أضف إلى تجربة الحرب بالوكالة والحرب الاقتصادية التي لم تسجل لها نتائج واضحة، وعلى هذا الأساس لم يتبقى إلا المفاوضات المباشرة مع مصدر التهديد الرئيسي وهي إيران، خصوصا أن هناك توجه داخل السعودية ودول المنطقة بأن الوقت الحالي هو المناسب للتفاوض السلمي مع إيران، لأن الدول قد أرهقت من جراء العداوة وفقدان الأمن والتهديدات المستمرة، وربما ستكون المفاوضات تشمل كل الملفات العالقة في المنطقة على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي مما يطول فيه الحديث، أما بالوقت الحاضر فهو المفاوضات على وقف العداء والتهديدات والتصريحات المعادية تجاه الآخر، مما سيسمح في تطور العلاقات بين الطرفين شيئا فشيئا.

هناك عاملان رئيسيان في نجاح أو فشل هذه المفاوضات المؤمل عقدها وتطور العلاقات بين الطرفين: عوامل ذاتية أو عوامل داخلية يعني قدرة الدول المختلفة وبالخصوص السعودية وإيران على إدارة المفاوضات بنجاح، كتخطي الكثير من الملفات الخلافية في اليمن والعراق وسوريا ولبنان ثم الانتقال إلى مجالات التعاون على المستوى التجاري، إذا ما تم تجاوز كل هذه الملفات العالقة منذ سنوات من العدائية فإنها ستكون في الخطوات الصادقة والصحيحة.

والعامل الآخر: هو موقف الدول الإقليمية والكبرى مما يدور من أحداث في المنطقة، فعلى الرغم من أنه أمر داخلي بين بلدين لكن يقينا أن الدول الإقليمية سيكون لها قول فصل فيما يدور من اتفاقيات سواء نجاح أو فشل المفاوضات، فماذا سيكون موقف إسرائيل مثلا (وهي المستفيد الأكبر من الحالة العدائية بين الدول العربية وإيران) من هذه الاتفاقيات هل ستذرف دموع الفرح مثلا من أجل تعزيز الصداقة بين البلدين المتخاصمين؟، وقد استطاعت إسرائيل من خلال العدائية العربية- الإيرانية التعامل بأكثر من قوة مع الدول العربية وتطبيع العلاقات مع بعضها.

أما الصين فهي أيضا ربما سيكون لها موقف تجاه هذا الانفتاح، لأن رفع العقوبات عن إيران سيكون لها سطوة كبيرة على المنطقة وربما ستضطر إلى تغيير بعض بنود الاتفاقية المبرمة تحت ضغوط العقوبات الاقتصادية لمدة 25 عاما، وكذلك روسيا لم تشعر بالطمأنينة بسبب هذا الانفتاح فكلما قلة حدة الضغوطات على إيران يعني كثر ضخ النفط والغاز بشكل أوسع، مما يعني انخفاض أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية، الأمر الذي يؤثر على المصالح الروسية وهي مسألة أمن قومي للروس.

فعلى الرغم من أهمية الانفتاح السعودي-الإيراني إلا أن هذا المسار يعتبر ملغوما وتقف أمامه تحديات كبيرة، لأن دولا كروسيا والصين وإسرائيل ودولا عربية ربما ستعمل على نسف هذا المسار أو محاولة وضع العراقيل أمامه من أجل أن تعود المنطقة إلى سابق عهدها، وتبقى إيران تحت الضغوط الأمريكية والتورط أكثر بمنطقة الشرق الأوسط.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2021Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق