فما هو المضمَر من تلك المبادئ العلمانية التي يمكن استجلاءها من الواقع الذي تعيشه اليوم أوروبا والغرب بشكل عام؟ إننا نقرأ أو نسمع عن العلمانيون الأوربيون بأنهم يدعون إلى قيم التسامح والتعاون ونبذ التطرف، كما أنهم سعوا إلى عزل السلوك عن النصوص الدينية...

لكل منظومة فكرية أخلاقية قيم تسعى لمساعدة الناس على تنظيم نشاطاتهم المختلفة في الحياة بنحوٍ أفضل، وحين ظهرت العلمانية في أوربا كمنظومة أخلاقية فكرية، طرح مفكروها جملة من القيم التي تسعى إليها العَلمانية التي تعني بحسب مفكّري الغرب أنها المبدأ القائم على فصلِ الحكومة ومؤسساتها والسّلطة السّياسيّة عن السّلطة الدّينيّة أو الشّخصيّات الدّينيّة.

ويرى الفلاسفة والمفكرون الغربيون بأن مبادئ العلمانية تختلف باختلاف أنواعها، فقد تعني عدم قيام الحكومة أو الدّولة بإجبار أيّ أحدٍ على اعتناق وتبنّي معتقدٍ أو دينٍ أو تقليدٍ معينٍ لأسباب ذاتيّة غير موضوعيّة، ويرون أنها تكفل الحقّ في عدم اعتناق دينٍ معيّنٍ وعدم تبنّي دينٍ معيّنٍ كدينٍ رسميٍّ للدّولة، وبمعنى عامّ، فإنّ هذا المصطلح يشير إلى الرّأي القائِل بأنّ الأنشطةَ البشريّة والقراراتِ، وخصوصًا السّياسيّة منها، يجب أن تكون غير خاضعة لتأثير المُؤسّسات الدّينيّة، هذه المبادئ تمّ وضعها في إطار نظري، فما مدى تطبيقها واقعياً؟ هذا السؤال المهم سوف يكشف الفجوة الشاسعة بين التنظير والتطبيق الفعلي!.

وقبل البحث بين المعلَن والمضمَر للعلمانية سنلقي نظرة سريعة على جذورها التي تعود إلى الفلسفة اليونانيّة القديمة، لفلاسفة يونانيّين أمثال إبيقور، غير أنّها خرجت بمفهومِها الحديث خلال عصر التّنوير الأورُبّيّ، على يد عددٍ من مفكّري عصر التنوير من أمثال جون لوك ودينيس ديدرو وفولتير وباروخ سبينوزا وجيمس ماديسون وتوماس جفرسون، وعلى يد عدد من أعلام الفكر الحر خلال العصر الحديث من أمثال بيرتراند راسل وكريستوفر هيتشنز.

ولابد من المرور بالمعنى اللغوي للعلمانيّة في العربيّة الذي يشي بأنها مُشتقّة من مُفردة عَلَم، وهي بدورها قادمة من اللغات السّاميّة القريبة منها؛ أمّا في الإنجليزيّة والفرنسية فهي مُشتقّة من اليونانية بمعنى "العامّة" أو "الشّعب"، وبشكل أدقّ، عكس الإكليروس أو الطّبقة الدّينيّة الحاكمة؛ وإبّان عصر النهضة، بات المصطلح يشير إلى القضايا الّتي تهمّ العامّة أو الشّعب، بعكس القضايا التي تهمّ خاصّته، فيما تدلُّ الأسانيد التاريخية بأن أول استعمال لكلمة العَلمانية عُثر عليه في كتاب "مصباح العقل" من القرن العاشر الميلادي لمؤلفه ساويرس بن المقفع الذي قال "أمّا المصريون فرأوا أنْ يكون الأسقف، بالإسكندرية خاصة، بتولاً لم يتزوج في حال عَلْمانيّته".

أما عن نشوء العلمانية الأوروبية فإن الأسانيد التاريخية تدل على أنها نشأت في أوروبا على إثر صراع بين الكنيسة ورجال الدين فيها وبين شعوب أوربا؛ وذلك بأن رجال الدين تحولوا إلى طواغيت ومستبدين بغطاء الدين وغالبا ما يوصف الجدل الأخلاقي المعاصر في الغرب بأنه "علماني" حيث توصف أعمال بعض فلاسفة الأخلاق المشهورين أمثال ديريك بارفت وبيتر سينغر بأنها علمانية بشكل كامل أو أنها غير دينية.

وقد رافق نشوء العلمانية جملة من القيم التي سعت إلى تغيير منظومة القيم السائدة آنذاك، والتي كرّست السلطة الكنسية، وأفشت الاضطهاد الديني الكنسي الذي حجب الحريات وأفشى أساليب القهر وحرم الناس من حرية الرأي والفكر، وكنتيجة أو رد فعل على ذلك تبلورت قيم علمانية وردت في معظم الأفكار التي طرحها مفكرون علمانيون وفلاسفة أخلاقيون تتعارض أفكارهم في بعض المناطق الفكرية، إلا أنهم يلتقون جميعا على القيم والمبادئ التي طرحتها العلمانية الأوربية، وأرادت منها ضرب السلطة الكنسية بعد طغيان محاكم التفتيش، كما أنهم يتشاركون عموما في واحد أو أكثر من هذه المبادئ التي يمكن إيجازها بما يلي:

- البشر من خلال قدرتهم على التعاطف، لديهم القدرة على تحديد أسس أخلاقية.

- رفاهية الآخرين شأن رئيسي لصانع القرار.

- البشر من خلال المنطق والعقل، قادرون على استخلاص المبادئ المعيارية للسلوك.

- قد يؤدي ذلك إلى سلوك أفضل من السلوك القائم على أساس النصوص الدينية، وبدلا من ذلك، قد يؤدي هذا إلى الدعوة إلى نظام مختلط من المبادئ الأخلاقية والذي يتحصل على قبول مجموعة واسعة من الناس، سواء الدينية أو غير الدينية.

- لدى البشر مسؤولية أخلاقية للتأكيد على المجتمعات والأفراد أن تتصرف على أساس هذه المبادئ الأخلاقية.

هذا هو المعلَن من مبادئ العلمانية وكما تبدو فإنها جميلة تتحلى بالأخلاق الإنسانية التي تبغي حماية كرامة الإنسان وإعلاء شأنه.

فما هو المضمَر من تلك المبادئ العلمانية التي يمكن استجلاءها من الواقع الذي تعيشه اليوم أوروبا والغرب بشكل عام؟ إننا نقرأ أو نسمع عن العلمانيون الأوربيون بأنهم يدعون إلى قيم التسامح والتعاون ونبذ التطرف، كما أنهم سعوا إلى عزل السلوك عن النصوص الدينية كما في أعلاه، وركّزوا على الرفاهية والمساواة، ودعوا إلى أسس أخلاقية ضامنة لتحقيق العدالة، فهل ينبئ واقع الغرب عن التطبيق الفعلي لهذه القيم والمبادئ.

هل نقدم للعلمانيين الأوربيين وغيرهم أدلّة قاطعة على أكذوبة التعارض بين علمانية الغرب والدين؟ وهل يرغبون بأحداث ساخنة لا تزال تداعياتها ماثلة عن البون الشاسع بين ما هو معلَن وما هو مضمَر من الفكر العلماني وتبجحه بمناكفة الدين ومعارضته فكرا وسلوكا؟، بالطبع هناك أمثلة ربما يصعب حصرها عن التناقض الشائن بين ما تدعو له العلمانية وبين ما يجري على الأرض في الأوساط الأوربية والغربية عموما، ولا ينحصر هذا التناقض في حيّز محدّد، فتجده في السياسة والفكر وحتى في الدين بين البروتستانت والكاثوليك!.

هل نتحدّث عن صعود اليمين المتطرف والشعبوية؟، أم عن تنامي موجات التعصب في أوربا والغرب، ونحن نقف على مسافة زمنية قريبة جدا من حادثة نيوزلندا الإرهابية التي قام بها متطرف استرالي أقدم على إطلاق النار على مسلمين أثناء ما كانوا يؤدون صلاتهم، والحوادث من هذا النوع لا تعد ولا تُحصى، فأين هي القيم العلمانية التي تسعى للنظر للإنسان بمنظار الإنسانية وحدها.

إن السؤال الأكثر بروزاً في هذا المدار، هو ماذا أنتجت العلمانية الغربية وهي تغذّ السير نحو تحقيق مبادئها ومنظومتها الأخلاقية، سوى أنها أعلنت حزمة من المبادئ المرحَّب بها على المستوى الأخلاقي، لكنها في الواقع أو الحقيقة تضع كفّها خفْيَةً في كفّ التطرف والتعصب والعنصرية، فتنسف بذلك مبادئها وأخلاقياتها النظرية بالأدلة القاطعة!.

اضف تعليق


التعليقات

الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
احبائي
تحت راية العلمانية تسير مجموعة من فرق الهتافين
بعضهم ينادي بالمدنية المتحررة من اي قيد وأي دين
وبعضهم يحفظ مجموعة من العبارات البراقة لخداع الساذجين
ونحن في مصر لدينا مجموعة منهم يسمون أنفسهم بالتنويريين
وهؤلاء في حقيقة الأمر مجموعة من الملاحدة اللصوص الأفاقين
وهم يستطيعون الوصول الى كل سلطة لأنهم من المتلونين المنافقين
احبائي
دعوة محبة
ادعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات.....مركز ثقافة الألفية الثالثة
احبائي2019-03-20