لن أكتب في تفكيك بنية المثقف العراقي المعرفية، أو هذا الذي هو "عضويٍ" - بحسب غرامشي-، وذاك الذي هو "مسئول وغير مسئول - بحسب شريعتي-. فقد تحدث وكتب من هم أقدم وأقدر مني باعاً، كالمفكرين، والباحثين... ، فلا نية لي بتكرار المفاهيم، أو الاصطلاحات الفنية ودلالاتها، حيث ستكون محاولتي عملية، أكثرُ منها تنظيرية، كحامل مصباحٍ أوجه أشعته الى تلك المناطق المظلمة، والتي ربما لم يسلط عليها الضوء، ويمكن أن تفاجئني خفافيشٌ لم تعتد وصول امرئ الى دهاليز جحورها، فتنفر جماعات وتحدث ضجيجاً مزعجاً.

يتميز شارع المتنبي - في العاصمة بغداد - بحضورٍ جماهيريٍ نهاية كل اسبوع(الجمعة)، بل امتد ليصل الى شارع الرشيد والميدان، لمسافة اجمالية تقدر بنصف ميل، وهو يجتذب الناس من اهالي بغداد، وحتى مواطني المحافظات العراقية الاخرى. وتتسابق وسائل الاعلام الفضائية الى نقل نشاطاته المختلفة، من ادب، ورسم، وحوارات ونقاشات فكرية، فضلا عن استعراض الكتب والفعاليات الموسيقية، ليشاهد العالم(شرقا وغرباً) صورةً تبعث للامل، لشعبٍ عصفت فيه حروبٌ وأزمات، لم تزل ضاغطة عليه حتى اليوم. ويرى المواطن العربي والاسلامي أيضا حراكاً شعبياً "متنوراً" لا مثيل له في المنطقة، ففي العقود التي مضت قيل ان مصر تكتب، ولبنان تطبع، وبغداد تقرأ. أما اليوم فبغداد تكتب، وتطبع، وتقرأ.

وعلى اية حال، قد يطرح أحدهم سؤالاً بريئاً عقب ما شاهده: لماذا يبدو حال هذا البلد هكذا؟. سوء في التعليم، والخدمات، والامن، والتنمية بشكل عام، رغم أنه بلد غني بالنفط والثروات. يجيبُ عددٌ من "مختصي" السياسة، والاقتصاد، وو ... العراقيون، اجاباتٍ نمطية، كتلك التي يطرحها قادة -المحاصصة- الامنيون، عندما يحدث خرقاً دامياً يودي بحياة عراقيين ابرياء. وأكثرها ردودٌ تبريرية، ثم نعرف بعد البحث والتمحيص أن هؤلاء كانوا جزءً من المشكلة، وهم يرتبطون في النظام السياسي الذي جاء بهم، وفق الانتماء الحزبي، وليس الكفاءة العلمية، في غياب تكافؤ الفرص، المنصوص عليه في الدستور العراقي.

والغريب أن النسخة العلمانية لمعظم مثقفينا تنتمي - ربما - الى (فرنسا/راديكالية)، لا الى (اميركا/وسطية). وهذا يجعل منهم عدائيين اتجاه المقدس - بحسب تعبير دوركهايم -، كفرنسا التي تحظر ارتداء الحجاب، وهي البلد الديمقراطي. وكما في تركيا، زمن (اتاتورك) الى وقت قريب، حيث كان لهذا الامر ردود فعل عكسية، تساويها في المقدار، وتعاكسها في الاتجاه(نيوتن). علماً أن مثقفي فرنسا أرادوا الاخذ بأيدي شعبهم الى رقي الانسانية، وافاق الحداثة، ولم يحتقروا العامة من الناس. فهل من نتحدث عنهم فعلوا الشيء ذاته؟.

ومهما يكن من أمر، فنظرة معمقة الى هذا الشارع، ستجد قلة الحضور النسوي فيه نسبياً. وأن هؤلاء المثقفين في غالبيتهم لا يأتون بمعية أزواجهم، أو بناتهم، أو أخواتهم. اللهم قلة قليلة منهم. أما لو دخل رجلٌ يرتدي (دشداشة) مع/او دون عقال(من المحافظات خارج بغداد او حتى داخلها) فسيتعرض للسخرية من قبلهم سراً، أو جهراً ان كانوا أصحابه. علما ان هذا المجتمع له امتداد عشائري، يفضل هذا الزي، وسيكون الحال أكثر شدة، في حالة وجود فقيه بلباسه الاسلامي (العباءة والعمامة).

إن هذا يذكرنا بالافندية، في النصف الاول من القرن الماضي، وهم يمثلون طيفاً جديداً دخل المجتمع عقب اندحار العثمانيين، واحتلال البريطانيين للعراق 1918. يرتدون السدارة ويقرأون الصحف في مقاهٍ انتخبوها لمعظم وقتهم، وحديثهم المنمق والجذاب، وقد تحدث عنهم (علي الوردي) في كتبه. كل ذلك من أجل التمايز عن اغلبية المجتمع الجاهل في حينه، وصار من يريد " التحضر" لزاماً عليه خلع ملابسه التقليدية، من (الصاية) و(الجراوية)، واستبدالهما بالهندام الجديد. فكم من فولتير وروسو عراقي عندنا بعد كل هذا ؟.

تزداد مصيبتنا اليوم، ونحن نرى أنه مازال ينظر الى المثقف بشكله لا بمحتواه، بمكانته لا بنتاجه. وهذا الاصرار قد عشعش في اللاوعي الجمعي، وصار عائقاً أمام ارتقاءٍ بناء، وتعاون وتكامل مجتمعي. وكيف – والحال هذه- تلامُ اوربا في اخفاقها بأدماج المهاجرين، ونحن لم نستطع ادماج ابناء المحافظات معنا ؟. ومن أجل أن نوضح المقاصد لابد من الاسترسال.

يعتبر شارع المتنبي مجالاً عاماً لكل المواطنين، فهو ليس مؤسسةً رسمية، كي تفرض نوعاً معيناً من الملبس، او ترتضي لنفسها فكرا واتجاهاً محددين. ما دام الحاضر يلتزمُ بالآداب العامة، والظهور بمظهرٍ لائق. إن الرجل ذو الاصول العربية، وأخوه ذي الاصول الكردية، ومثلهما التركماني...، يقصدون بغداد لرمزيتها، وبذات الوقت يشعرون بغربة حينما يرتادون هذا الشارع؛ لانه لا يعبر عن طموحاتهم التأريخية أو التراثية. فأغلب النشاطات الثقافية تعبر عن احتكار لفئة غير متجانسة في المجتمع ككل. وهذا الاغتراب يرافقه الحط من قدرهم سراً أو جهراً كما اسلفت. ليولد رد فعل سلبي مقابل، على تهديد بمحو هوية ينتمون اليها. تبدو عليهم في رفض ما يطرح، أو لا مبالاة على أقل تقدير. والنتائج تكون وخيمة دائماً؛ اذاعرفنا أنهم يمثلون غالبية هذا المجتمع (قبالة المثقفين).

وهذا التجهيل والعزل الجائر، يسري على نصفنا الاخر (النساء)، دون اي مبرر. فهن ينتشرن في مرافق الدولة، اضافة الى تواجدهن في الاسواق والاماكن العامة، عدا تلك التي تهتم بالشأن الثقافي كشارع المتنبي. وأكتفين بوصمه "الشارع الذكوري" ؛ لان جزءً من معاناتهن هو الرجل. فلم يكن تمكينهن في الجوانب الاقتصادية بالتوظيف، او توفير فرص العمل، يتناسب طردياً مع نموهم المعرفي او الثقافي. فما تقبضنه من رواتب وأجور، يتم صرفه في " المولات" للحاجات الكمالية في الغالب، وليس الى شراء كتاب، وتكوين مكتبة صغيرة في البيت. تعالج هموم العقل، كما هو صندوق الصيدلية المنزلي الذي يعالج جروح البدن. فالنمط الاستهلاكي المغري، هو أشد وقعا في نفوسهن، وهذا التقصير منهن مرتبط بتقصير الرجل اتجاههن ايضا، وخصوصاً المثقف .

ومرة اخرى، لو قربنا قليلاً عدسة التحري عن التفاصيل على هذا الشارع، لاتضحت لدينا مشاهد اضافية لا تخلو من اثارة!. فمثلاً عدد "مختصي" السياسة، والاقتصاد، وغيرهم - ممن ذكرتهم أعلاه- يتواجدون في يوم الجمعة كحال بقية الناس، إلا انهم تغلب عليهم "النرجسية"، فهم يفضلون الجلوس مع نضرائهم المتحزبين، أو الظهور أمام الكاميرات الفضائية متفيهقين، ولا يشاركون الملتقيات النقاشية "الحرة" التي تقام في (القشلة) أو اماكن "حرة" غيرها؛ لانها تكشفُ حقائقهم أمام العامة. علماً أن من يقوم بهذه المبادرات ينتمون- جلّهم - الى منظمات المجتمع المدني، والتي منها واجهاتٌ تخفي وراءها أحزاباً تمولها من وراء الكواليس. فالمشكلة مركبةٌ "تكعيب" بين هذه الجهات الثلاث، مختصين متحزبين، ومثقفين مزيفين، ومنظمات جلها مسيسة، هم كلهم مثقفون .. ولكن !؟، كل منهم يحتكر جمهوراً معيناً، ويحضون بتغطية ونفوذ اعلاميين، فلو عرفنا أيضاً ان هؤلاء المختصين هم اساتذة في جامعاتنا العراقية، ويقومون بين الحين والاخر بالمشاركة في ندواتٍ، وورش عمل "علمية" داخل وخارج كلياتهم؛ لعرفنا لماذا وصل المستوى التعليمي عندنا لهذا الحال، طالما أن انتماء الاستاذ الحزبي يحجب حقائقاً او يخرسها. وبسبب تسييس التعليم، وتسنم الكثير منهم درجات علمية كـ " د " او "أ.م.د " ، او مناصب ادارية عالية في مفاصل الوزارة(كالتعليم، والتعليم العالي)، لم يبق للاساتذة المستقلون مكاناً يليق بهم، فتم أقصاءهم من الوسط العلمي، الى أدوارٍ هامشية لا تذكر، فمنهم من فضل السفر الى الخارج(استنزاف وهجرة العقول)، وآخرين آثروا البقاء مغلوباً على أمرهم . ولم يبق إلا قلة قليلة من المثقفين الحقيقيين، يتواجدون هنا وهناك، من ذوي ضمير الوطن المعذب، يشاهدون أدواراً هزلية على مسرح الفن الهابط .

عند ذلك تنجلي غوامض الامور التي تستعصي الفهم. حينما نراقب حركة المجتمع الغير متسقة، مع التيار العاصف من العولمة وانفتاح الفضاء، وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي، التي نفذت الى لب افراد شبابنا، وأبقت القشور على حالها، في منظر يدعونا الى التأمل، والاستقصاء، والبحث الجاد عن الحلول، وان لا يكتفي المستقلون - الاكفاء بدورهم السلبي، بل عليهم أن يشركوا ابناء الوطن، الى قاع هرمه، في التحول المثمر لحياة أفضل، في النقد البناء، وغربلة الامور، لتمييز حقيقها من زيفها، كي يعرف المواطن البسيط ما له وما عليه، من أجل خلق جيل يرسم مستقبلاً مشرقاً، يسعنا جميعاً، ذاك هو الغد الذي كلنا يحلم به.

...............................................................................................
• الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق