ربما يبدو غريبا القول لأول وهلة أن العشوائية التطورية لموجودات وظواهر العالم بنا ومن حولنا جدليا ماديا لا تأخذ لا بالحتمية التطورية، ولا بالقصدية، ولا بأهمية عامل الصدف المتتالية التي تحكم أبسط وأعقد ظاهرة في عالمنا الذي نعيشه على كافة الصعد والتنوعات الظاهرية العلنية والمستترة الخفية التي يتشكل منها عالمنا الأرضي...

ربما يبدو غريبا القول لأول وهلة أن العشوائية التطورية لموجودات وظواهر العالم بنا ومن حولنا جدليا ماديا لا تأخذ لا بالحتمية التطورية، ولا بالقصدية، ولا بأهمية عامل الصدف المتتالية التي تحكم أبسط وأعقد ظاهرة في عالمنا الذي نعيشه على كافة الصعد والتنوعات الظاهرية العلنية والمستترة الخفية التي يتشكل منها عالمنا الارضي. وهذه النظرية يتشاركها المنهجين المادي والمثالي معا.

والمادية تلزم الصدف بالضرورة التطورية التي هي تقاطع قائم على كل انتظام يقود الى قصد تطوري مستقبلي هادف بعيدا عن حقيقة أن حركة المادة وحركة التاريخ تحكمهما العشوائية والصدف التي تقّر به الماركسية جدليا كما يتوضح معنا لاحقا. وهو نفس المذهب المثالي الذي يرى أن العالم لا يحكمه قوانين تطور المادة الجدلي بل يحكمه تطور الفكر أو الوعي في الاسبقية وتحكمه قوانين الطبيعة الثابتة وغير ذلك من عوامل لا يمكن التحقق منه.

وحركة كل شيء ندركه أنما هو سلسلة لا تنتهي من عشوائية اعتباطية لا تروم تحقيق هدف قصدي تسعى اليه محكوم بقوانين طبيعية غير جدلية هي الاخرى تفقد السيطرة على انتظام التطور الذي هو في حصيلته انواع من العشوائيات والتوترات والصراعات المتناقضة الاهداف والأساليب، هنا علينا التمييز بين الوعي الذي يلزم عنه أن يكون قصديا بالضرورة الادراكية، وبين حركة التطور العشوائية التي لا يلزم عنها ضرورة قصدية تروم وصولها مسبقا.

من المسلمّات التي كنا نتصورها حقيقة مطلقة أن الصراع المادي الجدلي هو الذي يستحدث الظاهرة الجديدة بكيفية محكومية الجدل بقوانين ديالكتيكية تحكم المادة كما تحكم التاريخ (المادية التاريخية) وهي قوانين وحدة صراع الاضداد، وقانون تحول الكم الى كيف نوعي، وقانون نفي النفي للظاهرة المستحدثة باستمرار مخلية طريقها أمام جدل ديالكتيكي جديد يعتمل داخله تناقض بين ما يطلق عليه سلب وايجاب لا يتوقف ألا بإزالة الموجب ضده السالب الذي يمثّل القديم بالظاهرة في منعها من الانحلال التطوري في أنهاء انحلال ظاهرة قديمة يستبدلها قانون الجدل بظاهرة أخرى مستحدثة جديدة تنبثق عنها تعقبها وتليها. هذا على الاقل الجدل بصيغته التي بدأت كلاسيكيا بهيجل وانتهت مستقرة بماركس.

وبهذه المنهجية التطورية تحدث التغيرات التي تتم بمعزل عن أرادة الانسان أو تدخله فيها الا في حال أتيحت الفرصة أمام الارادة كعوامل موضوعية مساعدة تدخل على عملية تسريع الصراع والتضاد الداخلي بما يحسم التناقض في ولادة الجديد المتطور. وهنا يكون دور الارادة الانسانية فقط في تداخلها مع جدل التناقض الاجتماعي في تطور المجتمع على صعيد التفاوت الطبقي وليس على صعيد جدل الصراع في المادة غير الحيّة.

النقد المثالي الذي يتناول الجدل المادي بالنقد المنهجي الايديولوجي - الفلسفي أن ولادة الظاهرة الجدلية الجديدة ليس شرطا أن يلازمها تطورا متقدما في تلك الظاهرة، بمعنى ليست هناك قصدية هادفة ملزمة تجعل كل ما ينبثق عن جدل متضاد بين سلب وايجاب يحقق هدفا مرسوما سلفا يعمل الجدل تحققه ويتخلق عن صراع الاضداد فيه، بمقدار ما تكون الظاهرة المستحدثة الناتجة عن الجدل يتخلق عنها ظاهرة أخرى تطبعها العشوائية والتشتت والتوترات المتضادة والصدف كما في الظاهرة القديمة التي سبقتها دونما تحقيقها تطورا جديدا.

ولا يجزم حسب المنظور المنهجي المثالي الجدل بالضرورة حدوث طفرة نوعية متقدمة في تطور خطّي تاريخي الى أمام.. الجدل المادي الكلاسيكي في المادية التاريخية يذهب الى أن صراع أضداد مرحلة تاريخية معينة يحتم بالضرورة انبثاق حالة جديدة متطورة لاحقة تاركة القديم وراءها كحتمية تلازم كل تطور جدلي. والجديد المستحدث جدليا ليس عشوائيا تحكمه الصراعات والتوترات والتناقضات التي تعمل على استحداث انواع عديدة من الجدل. بمعنى الجدل لا ينبثق عنه بالضرورة نقلة تطورية تراكمية وليست نوعية مستقرة لا تستهدفها الصدف ولا تتناوشها العشوائية من كل حدب وصوب.

لو نحن تماشينا مع هذا المعنى التطوري المادي التقليدي باعتباره منهجا علميا اجتماعيا صحيحا فهو يكون بالضرورة ملبيا اربع مواصفات تجريبية في تطور الظاهرة، هي عدم العشوائية، والزامية الحتمية، وتحقق القصدية، والغاء الصدف، في بلوغ الهدف المرسوم المطلوب سلفا، هذه الميزات هي ليست قوانين منهجية ديالكتيكية ولا هي نواتج فاعلية عمل قوانين طبيعية تحقق التقدم التطوري بالحياة. التي تنبثق عن أي جدل مادي يتقدم الى أمام بنقلات على طريق تحقيق الطفرة النوعية التي هي نقلة تكون حصيلة انتقالات جدلية متعاقبة على طول مسار تاريخي طويل من التراكم التطوري الكمّي. بمعنى الجدل لا يحقق طفرات نوعية مصاحبة لكل ظاهرة جدلية الا بعد المرور بمراحل عديدة من جدل الانتقالات والتحولات التطورية المتصارعة التي تقوم على الكم التراكمي وليس على الكيف(النوع) كطفرة.

أصبح الاعتقاد اليوم ليس هناك حتمية تاريخية طبيعية تلزم الجدل الديالكتيكي بقصدية هادفة بوجوب وصوله لها وتحققها، وهو ما يمثل نفس المنحى المثالي الذي يقر بعشوائية التطور وينكر الجدل أن يكون هو المنهج الطبيعي الذي يعتبر المادة او الواقع تقود الفكر وتطويعه لها وهذا هو المنهج المثالي تماما الذي يعزو التحولات التطورية في الحياة برمتها تقوم بها قوانين طبيعية لا يتاح للإنسان التداخل بها والتحكم بها ولا وجود لقوانين جدلية مستقلة تقود الى تطرات تسمى قفزات نوعية. وكل تطور لا يكون نظاميا خاليا من العشوائية غير المنضبطة سواء تم بمنهج جدلي مادي أو بمنهج قوانين غير جدلية طبيعية.. فالنتيجة تكون واحدة على صعيد عدم حصول تطور نوعي.

من المفارقات الغريبة أنه بمقدار عدم أنكار الماركسية للصدف العشوائية التي تحكم عالمنا في تطوره التاريخي الذي هو في حقيقته التي تنكرها الفلسفة المثالية ايضا ولا تقر بها أن الصدف سلسلة من العشوائيات المتكررة المتوالية التي لا يحكمها ترابط سببي يقودها تحقيق قصدية هادفة مرسومة سلفا. كما لا توجد هناك ضرورة الزامية ترافق الصدف وصراع الاضداد في تحقيقها قفزات تطورية نوعية.

بمعنى أن الجدل المادي أصبح اليوم لا يلغي عشوائية المسار التطوري وهو مالا تنكره المادية الماركسية وكذلك لا ينكره المنهج المثالي، فكل جديد ينبثق من رحم القديم لا يحمل نظامية وقصدية هادفة يحققها التطور بل يتخلق عن الجدل وقوانين الطبيعة ظواهر مستحدثة يشوبها ايضا العشوائية والصدف والصراعات والتوترات غير المنضبطة لتبدأ مرحلة جديدة من نشدان التغيير والتبديل وهكذا..أذن كيف يحصل التطور في الاشياء على صعيد المادة من جهة وعلى صعيد المادية التاريخية من جهة اخرى؟

كيف يتطور العالم من حولنا؟

السؤال ماهي الاسباب التي تجعل المادية التاريخية بحسب الفهم الماركسي تقود الى أمام بمنهج خطّي منتظم لا تعرقله الصدف ولا عشوائية المسار ولا حتمية موهومة تحقق الهدف التطوري المنشود؟ هل ما يحصل من تطور في عالمنا عشوائيا سواء يحكمه الجدل المادي أم لا يحكمه حسب المنهج المثالي ويصادر ارادة الانسان التي تساير وتعمل بكل جهد على تسريع التطور الحاصل بالحياة كعامل موضوعي مساعد لا ينتج عنه نقلة تجديدية نحو الامام؟ بمعنى بأية اسباب ولا نقول قوانين يحصل التطور بالحياة والتاريخ في ظل تعطيل كل من قوانين الجدل وقوانين الطبيعة التي يلتقي عندها منهجي الجدل المادي، والمنهج الطبيعي في قراءتهما المتباينة في تفسيرهما حصول التطور؟

من المعلوم في حال اقرارنا الجدل هو عشوائية من المسار التاريخي الذي لا تحكمه قصدية ذاتية، من الممكن تعويضها بالعامل الموضوعي ارادة الانسان الذي يساعد التضاد الداخلي الجدلي أن يتطور أسرع بما يخدم الارادة الانسانية في تحقيق الهدف المنشود من عملية التطور التي تحضر الارادة بصفة عامل موضوعي خارجي مساعد في تسريع التناقض الجدلي الداخلي وليس عاملا يتداخل مع القوانين التي تحكم التطور. ارادة الانسان في حصول هدف التطور لا تكون قانونا يحكم التضاد والصراع في انتاج وتخليق الظاهرة التجديدية المطلوبة.

بهذا المعنى تبقى الارادة الانسانية هي عامل تسريع موضوعي خارجي يوازي القوانين التطورية ولا يتمكن من التحكم بها والسيطرة عيها. عليه يكون ناتج أي تطور بالمادة أو التاريخ لا يلبي رغبة الانسان كما يريد، لذا نجد كل القوانين التطورية المتفق عليها سواء اكانت جدلية أم قوانين طبيعية لا جدلية لا ينتج عنها بالضرورة حالة تطورية خالية من العشوائية والتضاد المستمر والصراع الذي لا يختلف كثيرا عما سبق لهذه المرحلة التطورية أن غادرته.

وهذا التوصيف المنهجي المادي ترفضه المثالية التي تعتبر تجريبية الافكار وامتحانها يجعل من التصورات النظرية صادقة صحيحة أم زائفة لا معنى لها. بالإضافة الى أن الارادة الانسانية لا تكون عاملا مساعدا في تسريع التضاد والصراع الداخلي الا فقط على صعيد تطور المراحل التاريخية اجتماعيا على مستوى صراع الطبقات الاجتماعية وليس على صعيد ديالكتيك المادة غير الحية التي يكون تضاد الجدل التحوّلي فيها خاصية ذاتية لا يمكن للإنسان المداخلة معها.

يبدو غريبا أن الماديين الماركسيين (ينكرون الحتمية التطورية ويستبعدون الصدفة أيضا، ويتبنون عوض ذلك التطور الذي تحكمه قوانين لها سيطرة كاملة على مجموع صيرورة الكل)، دونما توضيح ماهي تلك القوانين التي يقصد بها غير قوانين الجدل الماركسي وهذا تناقض مبدئي في النظرية الماركسية بخصوص الجدل.

هذا يقودنا تأكيد أن الجدل لا يقود الى تطور خطي ملزم لتقدم التاريخ الى أمام على وفق المبدأ الكلاسيكي صراع الاضداد الطبقي الذي تتبناه المادية التاريخية. ولا يحقق للمثالية البديل الذي تعتمده في انكارها قوانين الديالكتيك الذي يقود الى تطور مرسوم الاهداف والغايات سلفا.

القوانين العامة والتطور

ما هي القوانين العامة التي تحكم صيرورة الكل التطورية بدلا من قوانين الجدل الديالكتيكي؟ في غياب جدوى قوانين الديالكتيك التطوري وفي غياب جدوى تساؤل ماهي القوانين العامة التي لها سيطرة كاملة على الكل ولا نعرف ماهي ولا نعرف مصدرها؟ الا اذا تقاطعنا مع التفكير المادي بتطرف وتضاد غير مألوف ولا مسموح به أطلاقا أن نقول القوانين الطبيعية التي تحكم العالم وكل الوجود من حولنا هي قوانين مصدرها ميتافيزيقي هو الله لا دخل لااردة الانسان بها، وهذه القوانين التطورية التي نجهلها هي تشبه القوانين الطبيعية العامة التي تحكم الطبيعة في ثباتها النظامي.

وعندما نقول قوانين طبيعية ثابتة أنما المقصود بها تلك القوانين الكونية مثل قانون الجاذبية والزمان وقوانين الفيزياء التي تحكم سيطرتها على الطبيعة، ويتعالق بثبات هذه القوانين الطبيعية قوانين متغيرة تطورية غير مكتشفة للإنسان تقود نحو التطور غير الغائي كون الطبيعة وقوانينها المتعالقة بها لا تمتلك وعيا بذاتها ولا وعيا بالموجودات التكوينية لها المتعايشة مع بعضها كما ولا تمتلك عقلا تفكيريا يتحكم بمسار وعمل تلك القوانين التي تحكم الطبيعة واشيائها.

وهذا الاستنتاج الذي ذهبنا له يقاطع كلا من المنهج المادي والمنهج المثالي على السواء في عجزهما توضيح ما هي الاسباب وما هي الكيفية التي يتطور بها العالم بموجوداته المادية والتاريخ من حولنا. اذا قلنا أن الارادة الانسانية هي صمام الامان في تنظيم حركة التاريخ العشوائية فهو ليس كافيا، من غير وجود عوامل خفيّة تفعل فعلها التطوري داخليا تحكم المادة والظواهر الاجتماعية بدفع موضوعي مساعد هو الارادة الانسانية. الارادة الانسانية تدخل كعامل موضوعي في تسريع تضاد جدلي قائم داخليا في المادة أو في الظاهرة، بمعنى الارادة لا تخلق الجدل بالأشياء وأنماء تقوم تهيئة ظروف تسريعية مؤاتية في تفعيلها الجدل الذي يعتمل داخليا في صراع مستدام داخل ظاهرة مجتمعية يتوجب تغييرها. بهذا الخصوص يطرح الماديون لا شيء يبقى خالدا باستثناء حركة المادة، من حيث هي مادة تحمل قوانين تحولها أنها لا تفنى ولا تستحدث نفسها من عدم لكنها تبقى مادة تحكمها حركة مستمرة دائبة.

الوعي المادي

تعتبر المادية الماركسية (الوعي أو العقل ما هو الا ظاهرة تابعة، هو نسخة انعكاس صورة فوتغرافية للمادة حسب تعبير لينين، كما لا يعترفون بوعي لا يرتبط فيزيائيا بجسم لذا فالمادة هي الاصل وتبقى المعطى الاول، أما العقل أو الوعي ليس هو الذي يحكم المادة ويقودها، وأنما المادة هي التي تحكم الوعي وتوجهه، وبذا يكون علم النفس الماركسي علم مادي وحتمي معا)

ولنا المداخلات التوضيحية والنقدية التالية:

- الوعي ليس هو العقل كما ورد التعبير عنه في العبارة، كما ولا ينوب الوعي عن العقل، من حيث أن العقل (مادة) بيولوجية هي الدماغ ومحتوياته العضوية مصدر تفكير العقل وعنه يأخذ الوعي صفة التفكير، والوعي ليس مادة رغم حقيقته أنه نتاج تفكير الدماغ المادي، والوعي هو نسخة كاربونية من تفكير العقل التجريدي، لكنما يبقى الفرق بينهما لا يقبل الخطأ على صعيد اختلاف البيولوجيا بينهما.

- صحيح المادة وجود يسبق الفكر والوعي والعقل، فالمادة وجود مستقل بالعالم الخارجي، لكن فاعلية أسبقية المادة على الوعي والفكر لا يمنحها تفويضا بوصايتها أنها هي تقود الفكر والعقل وليس العكس، المادة كوجود مستقل هي مصدر الفكر، لكن الفكر هو الذي يقود المادة وليس هو يختلقها وجودا ويتحكم بها. كما لا سلطة مهيمنة للمادة على الفكر.

- المادة هي واقع مستقل خارج إدراك العقل له، لكن المادة لا تصنع العقل كموجود تابع لها. فالعقل بتعريفه البايولوجي هو مادة ايضا وليس تفكيرا مجردا فقط عن عضويته في الجسم كدماغ بما يحتويه من مكونات هي الاخرى عضوية مثل المخ والمخيخ والنخاع المستطيل وشبكة الجملة العصبية. ولا ترتبط المادة بالعقل سوى بالإدراك من جانب واحد هو إدراك العقل للمادة وليس إدراك المادة للعقل فالمادة والطبيعة لا تدرك الاشياء.

- المادة بمقدار ماهي مصدر انعكاس الفكر عنها، لكنها عاجزة عن قيادة الفكر والوعي والعقل. كون العقل مادة مفكرة واعية ذكية تعي ذاتها وتعي الموجودات وعالم الاشياء والظواهر من حولها. بخلاف المادة غير الحيّة التي لا تمتلك عقلا ولا تعي تكويناتها ولا المحيط ولا تعي علاقتها بالإنسان.

- عليه يكون العقل هو وعي مادي يقود المادة ومواضيع تفكيره ولا ينقاد لها وتقوده هي كمواضيع أدركها، والمادة التي لا تمتلك عقلا أنما هي تكون مصدر أنعكاس أفكار الادراك العقلي لها، لكنها لا تعي ذاتها ولا تعي المحيط كما لا تعي علاقة الارتباط الادراكي لها بالعقل الانساني.

- ويعتبر الماديون الماركسيون المادة غير العاقلة غير العضوية تخضع لقوانين ميكانيكية – قوانين فيزيائية ثابتة تجريبية علميا – لا تخضع لها المادة الحية التي تحكمها قوانين حتمية وسببية جدلية.

في أسطر سابقة كنا أشرنا الى أن جدل الديالكتيك قد تكتسب الحتمية والسببية في التنظير الايديولوجي المادي الماركسي، لكن يجد غالبية المفكرين المثاليين أن الحتمية والسببية هما من القوانين الطبيعية التجريبية التي تدرك عقليا وليسا من قوانين الجدل التي تعتمل داخل المادة أو بين صراع الطبقات بما لا يخضع للإدراك المباشر التجريبي كما هو الحال في تجارب القوانين العلمية الثابتة.

عشوائية التطور

من الغريب أن نجد الجدل الماركسي يذهب الى (أن العالم ليس له هدف ولا معنى اذا اردنا الدقة في التعبير، وهو يتطور على غير هدى تطورا أعمى خاضعا لقوانينه الدائمة الثابتة، ولا يوجد شيء ثابت لا يخضع للتطور الجدلي، وليس هناك ما هو خالد باق الى الابد سوى المادة).

كنا ذهبنا في أسطر سابقة أن الجدل الماركسي هو تطور خطي أفقي يحكم التاريخ قصديا وليس عشوائيا أعمى بخلاف القوانين الطبيعية التي تحكم التطور بلا هدف وقصد مسبق، كما وتلزم قوانين الجدل الفاعلة فيه الظاهرة التطورية المستحدثة كناتج جدلي أنها عملية تجاوز للقديم الذي انبثقت من رحم الصراع المتضاد داخل ذلك القديم الذي أستولدها.

السؤال الذي لابد منه ما الفرق بين قوانين الديالكتيك التي تحكم المادة والتاريخ بضمنه الحياة التي نعيشها التي يقول بها الماركسيون حين يجدون التطور الحاصل ناتجها، وبين القوانين الطبيعية التي تقول بها الفلسفات المثالية هي تحكم التطور؟ اذا أخذنا بضوء ما طرحناه سابقا أن كل تطور حاصل بأي شكل من اشكال قوانين الطبيعة أو قوانين الجدل كلاهما يلتقيان بنتيجة واحدة هي أن التطور الحاصل على كافة الصعد والمستويات هو تطور عشوائي أعمى لا يحكمه هدف معين سلفا يروم الوصول له وتحقيقه.

أذن بأي المعيارين المنهجيين نرجح قوانين التطور الجدلي على قوانين الطبيعة في انتهائهم الى حصيلة واحدة يلتقيان بها أن ما ينبثق عن التطور هو حالة من العشوائية واللامعنى؟ ومن له القدرة وبأية وسيلة يخلع نظام التطور العشوائي في جعله يتقدم دوما الى أمام بدلا من استهداف التشتيت الفوضوي له؟ هل هي ارادة الانسان أم شيئا آخر يجعل من عشوائية ناتج التطور نظاما يقود الى استحداث أنماط تطورية جديدة؟

اذا ما ذهبنا الى أن المادة هي الموجود الوحيد الخالد الذي لا يفنى في وجوده كطبيعة ازلية تحكمها قوانين طبيعية ثابتة لا تخضع لمنهج التطور الجدلي، ولا لقوانين وضعية يستطيع الانسان خلقها بالسيطرة عليها، فالمحصلة اننا نجد انفسنا امام حقيقة أنه ليس هناك تطور يناقض ويقاطع قوانين الطبيعة الثابتة التي تتحكم بكل شيء، كما لا تخضع لقوانين الجدل الذي يقود الى عشوائية تطورية، وان نظريات المنهج المادي والمنهج المثالي عاجزين عن أحكام السيطرة على نواتج أي تطور عشوائي يصبح معنا أن لغز التطور الذي يحكم الحياة المادة والتاريخ أمر مشكوك في حدوثه وحصوله بغياب تحقيق نتائجه في التطور المنتظم غير العشوائي.

المادية والميتافيزيقا

يرى الماديون الجدليون أن العالم الارضي الذي نعيشه وحدة كلية هي الحقيقة الوحيدة ولا شيء خارجها. أي كل ما يتعلق بقضايا الميتافيزيقا وسردية الدين منها على وجه التحديد لا علاقة تربطها بهذا العالم المادي المتجانس في جوهره الذي تحكمه قوانين محكمة داخلية كوجود قائم بذاته هو مجمل الطبيعة التي تحكمها القوانين الطبيعية الخاصة بها، ولا يدرك التطور بدلالة ما قبله ولا يمكننا تفسير ظواهره بدلالة ما بعده خارجيا. والقوانين العامة التي تحكمه في علاقاته الداخلية بما يحتويه من موجودات هي قوانين مستمدة من حركة محتوياته المستمدة من طبيعته التكوينية.

وكل الاشياء خارج موجودية هذا العالم لا قيمة حقيقية لها وليست جديرة بالاهتمام. لكن الاستثناء الذي يمكن تثبيته وعدم مجاوزته، أن هذا العالم رغم استقلاليته ألا أنه جزء من عالم كوزمولوجي يؤثر به، فمثلا ارتفاع درجة الحرارة على الارض وتعالقها السببي بالكوزمولوجيا فيزيائيا لا يمكن التغافل عنه. كذلك العديد من القوانين الفيزيائية مثل قانون الجاذبية وقانون تعالق الزمان والمكان التي لا يمكن انفكاك تأثيرها على العالم الارضي.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق