كان زهده (ع) هو نزع لكل عوامل النفوذ والقوة التي تحرك في الإنسان عناصر الجشع والطمع والطغيان؛ فبهذا الزهد الخالص يصبح الحاكم منسجماً مع الحق الإنساني متصادماً مع النزوع نحو أهواء الباطل؛ فالسلطة النهمة تؤدي إلى الفساد السياسي والاستبداد المطلق والعنف الدامي. وزهده قمة الواقع...

نعيش إحداثيات الحاضر ونراجع ملامح التاريخ الحي في محاولة لاستنتاج مفهومي من مصاديق حاضرة في حيويتها وأخرى مندثرة في سباتها..

العالم اليوم يعيش في حركة متلاطمة من التناقضات المتصادمة التي حولته إلى كومة متناثرة من البؤس والظلم والانحطاط، فهو عالم عنصري تتحكم فيه الأقليات عبر إبادة الأكثرية بالاستغلال والاحتكار، وهذا ما رأيناه في مؤتمر (ديربان) حيث انتصر العنصريون في مؤتمر مكافحة العنصرية خلافاً للشعارات التي ترفعها الديمقراطيات الحديثة في المساواة والعدل..

عالم يتحكم فيه استبداد الحكومات الفردية التي تلخص كل شعوبها في فرد يستبيح أنفسهم وأموالهم، واستبداد الأقليات في حكومات نخبوية متلبسة بلباس الديمقراطية تحتكر عناصر القوة والنفوذ والمال وتفرض عناصر الاستهلاك المعولم والإعلام المضلل والإباحية ذات الوجه الليبرالي على أكثرية فقيرة ساحقة..

عالم تحركه الدوافع المادية البحتة وطموح السلطة والسيطرة، فأنتج العنف والعنف المضاد؛ ليعيش العالم دوامات متراكمة من الحروب الدموية يغذيها جشع الرأسمالية المتهافتة على إنتاج القتل والدمار، ببيع أسلحتها المتطورة جداً في قتل الإنسان ودمار الأرض؛ إذ تتم التضحية بكل البشرية من أجل اقتصاد رأسمالي ينتج الاحتباس الحراري طمعاً في حفنة من المال..

كلنا نريد استرجاع التاريخ الحي الذي يرسم لنا ملامح الأمل والتفاؤل في هذه الحياة، التاريخ الذي يعيد كرامة البشر ويؤكد إنسانيتهم.. إن حياة الإمام علي بن أبي طالب (ع) قطعة زمنية نقرأها في ثرائها بقيمة زمنية تتجاوز الحسابات العادية؛ لأنها أنتجت تراثاً معيارياً كبيراً يتجاوز بعطائه تاريخ الكثير من الحضارات والأمم؛ لأن هذه الفترة الزمنية أنتجت عطاءات ميدانية كبيرة تعجز الكثير من المفاهيم الحاضرة عن استيعاب دلالاتها الحاضرة والممتدة إلى المستقبل..

فالقيمة عند الإمام علي (ع) كانت للإنسان الذي يمثل هدف الحياة؛ وبالتالي فإن كل موارد الحياة هي في خدمته، وتدور في إطار حياته الأخلاقية والاجتماعية؛ إذ لا توجد عند الإمام (ع) قيمة تمايز أخرى، كالعشائرية والعنصرية والطبقية، فيقول (ع): (الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه).

ويقول (ع) أيضاً: (الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق).

إنه حضور إنساني كبير في قلب استوعب الجميع فدافع عن الفقير والمظلوم والمسلم والمسيحي والأبيض والأسود..

يقول (ع): (والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جُلب شعير ما فعلته).

دافع عن معارضيه فأخذوا يتآمرون عليه وهم في حمايته، وهو يعلم أنهم يتآمرون عليه؛ لأنه (ع) لا يسبق الجناية بالعقاب، وبذلك رسم الإمام (ع) منهجاً سياسياً يحفظ ويحمي للإنسان حريته في التعبير عن رأيه والوصول إلى الحق باختياره، إذ لم تكن السياسة عنده (ع) إلا مبادئ أخلاقية وإنسانية ودينية، وليست وسيلة نفعية تبرر فيها الغاية الوسيلة، فلم يكن (ع) ليضحي بهذه المبادئ ولو كانت تؤدي إلى شهادته، لأنها الأصل الذي يهدف إلى امتداد القيم وترسخها في عمق ضمير التاريخ البشري.

كان زهده (ع) هو نزع لكل عوامل النفوذ والقوة التي تحرك في الإنسان عناصر الجشع والطمع والطغيان؛ فبهذا الزهد الخالص يصبح الحاكم منسجماً مع الحق الإنساني متصادماً مع النزوع نحو أهواء الباطل؛ فالسلطة النهمة تؤدي إلى الفساد السياسي والاستبداد المطلق والعنف الدامي..

وزهده (ع) قمة الواقع التطبيقي لحاكم عادل تتمثل فيه المبادئ التي تصبح رمز قوته في بناء السعادة والعدالة الإنسانية؛ يقول(ع): (أأقنع نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش، فما خُلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها تكترش من أعلافها وتلهو عما يراد بها).

ويقول (ع) أيضاً: (وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعلي ولنعيم يفنى ولذة لاتبقى نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل وبه نستعين).

لقد أثبتت معظم النماذج والأنظمة السياسية أنها غير قادرة على إيجاد انسجام اجتماعي وسياسي بين السلطة والأمة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والحفاظ على الحقوق الفردية والعامة، بل إنها قادت الناس في معظم الحالات إلى نتائج كارثية؛ إذ يفتقد معظم هذه النماذج القدرة التشريعية الكاملة باعتبارها أنظمة وضعية تتداخل فيها المصالح الفردية والحزبية في التشريع، وتفتقد القدرة على التطبيق الجيد؛ إذ مع السلطة يطغى الفرد، وتسيطر عليه الانتهازية التي تجعله يضحي بكل المبادئ من أجل الحفاظ على السلطة.

لكننا في قراءتنا لتاريخ أمير المؤمنين (ع) بدقة وموضوعية وتجرد يمكننا أن نكتشف المنهج السياسي الإنساني المنصف للجميع دون تمييز لفئة على فئة؛ فهو الذي رفض المبايعة من طريق المساومة على المبادئ، لأجل حصد الأنصار المتدافعين على المصالح السلطوية، فهو منهج إنساني يحمي المظلوم، ويدافع عن حقوق الإنسان في الأمن والحرية، ولا يمارس سياسة القوة من أجل فرض الإكراه القانوني لتحقيق الضبط السياسي في الدولة..

وفي التطبيق..

كان واضحاً..

زاهداً..

وحيداً في الحق..

لم يداهن ولم يساوم على المبادئ..

نعم، كان يمكن أن يستمر هذا النهج وهذا النموذج ويستثمره العالم الإنساني على طول التاريخ، لو وجد إنسان ومجتمع يتفهم بعمق الهدف ويستوعب غاياته ويسمو في مبادئه بعد أن يتجرد من أهواء الدونية ومصالحه الأنانية ويتنازل عن مطامعه المطلقة في السلطة والمال.

يمكن للإنسانية عندما يتراكم فيها ويرتفع المستوى الفكري، وتنضج عقلانيتها، أن تفهم بعد مرور آلاف السنين، وتناوب الحضارات، منهج الإمام علي (ع) في الحكم والحياة، إذ هو وجد في زمن لا يستوعبه وفي حدود تقصر العقول الضيقة عن فهمه.

ما أحوجنا اليوم إلى نموذج ومنهج الإمام علي بن أبي طالب (ع) لإنقاذ العالم من الانحدار السريع نحو الاستبداد والفقر والحروب والأنانية المطلقة.

* افتتاحية مجلة النبأ-العدد 62-رجب 1422/تشرين الأول 2001

اضف تعليق