إن استقصاء مخرجات الخوف سوف تسمح للأفراد الشباب أو غيرهم، وللمجتمع برمته، بمواجهة الشعور بالهزيمة المسبقة حيال الآخر، وقد أثبت واقع الحال وفي تجارب فردية وجمعية عديدة، أن العقل الغربي لا يختلف عن عقل الآخرين ومنهم نحن بطبيعة الحال، وليست هناك مزايا (خَلْقية) تميزهم عن أفراد مجتمعاتنا وشبابنا...

الهزيمة لها عدة مناحٍ، منها الهزيمة المادية الواقعية التي تحدث لأحد طرفيّ الصراع بصورة فعلية مشهودة وملموسة، وهنالك الهزيمة المعنوية التي لا تقل في نتائجها ومخاطرها عن الهزيمة المادية، ومعظم الهزائم التي يتعرض لها الفرد والجماعة تأتي كمحصلة متوقَّعة للخوف.

فحين ينتشر الخوف بين أفراد قوة قتالية (جيش، أو تشكيل ما)، فإن الهزيمة ستلوح في الأفق القريب، على العكس من ذلك إذا كانت الروح المعنوية عالية، والشجاعة حاضرة، والإصرار على مواجهة الآخر هي الخيار الأول، فإن فرص الانهزام ستكون قليلة، وقد يتحول الأمر من هزيمة متوقعة إلى ندّية شديدة تقود إلى التعادل أو هزيمة الآخر.

فالخوف النفسي المعنوي والفعلي يشكل أهم الروافد المؤدية إلى الانهزام، والخوف حسب بعض علماء النفس مثل جون واطسون، وروبرت بولتشك، يقع ضمن العواطف الأساسية، فهناك مجموعة صغيرة من العواطف الأساسية أو الفطرية والخوف أحد هذه العواطف، وتشمل هذه المجموعة المفترضة مشاعر أخرى مثل تفاعل حاد للكرب، الغضب، القلق، الخوف، الرعب، الفرح، الذعر، والحزن.

يرتبط الخوف ارتباطا وثيقا بالتوتر، ولكن ينبغي أن نفرق بين الخوف والتوتر، والذي يحدث نتيجة التهديدات التي ينظر إليها على أنها لا يمكن السيطرة عليها أو لا يمكن تجنبها، وتخدم استجابة الخوف غريزة البقاء على قيد الحياة عن طريق توليد الاستجابات السلوكية المناسبة، لذلك فقد تم الحفاظ عليها طوال عملية التطور.

الخوف يمكن أن يُتعلم من خلال تجربة أو مشاهدة حادث مؤلم مخيف، على سبيل المثال، إذا كان الطفل يسقط في بئر ويكافح للخروج، فقد يتطور لديه الخوف من الآبار، أو المرتفعات (رهاب المرتفعات)، أو الأماكن المغلقة (رهاب الاحتجاز)، أو المياه (رهاب الماء)، ويتأثر الخوف بالسياق الثقافي والتاريخي. على سبيل المثال، في أوائل القرن العشرين، خاف العديد من الأميركيين من شلل الأطفال، وهناك اختلافات بين الثقافات حول كيفية استجابة الناس للخوف، على الرغم من أن العديد من المخاوف هي مكتسبة من البيئة المحيطة، إلا أن القدرة على الخوف هي جزء من الطبيعة البشرية.

وهناك أسباب ربما تزرع الهزيمة في روح الفرد والجماعية، ليس كنتيجة للخوف، وإنما بسبب حالة الشعور بالدونية تجاه الآخر، والحالة الأخير تحدث نتيجة حالة الانبهار التي يشعر بها الإنسان الذي يعيش بمستوى أقل 0فكريا، عمرانيا، ماليا)، ولذلك فإن الدول المتأخرة تعاني بشدة من الشعور بالدونية، ويسيطر عليها الشعور بالانبهار الشديد بحياة الآخر وتجاربه.

وهذا هو السبب الرئيس الذي جعل من النموذج الغربي مثالا لشباب من بلدان عدة من بينها بلادنا، بسبب انعدام أساسيات العيش السليم، فهناك فقر مدقع، وتعليم متأخر، وصحة مهملة وضمان اجتماعي مفقود، وخدمات مصفرة أو ضعيفة في أحسن الأحوال، وفي ظروف كهذه، لا توجد في المجتمع الغربي، سوف يكون الآخر نموذج لبعض شبابنا.

أما الخوف فهو عامل رئيس للانهزامية، فالطفل الذي ينشأ في أسرة غير متعلمة وتعاني من الفقر وصعوبة الوضع المادي، فإن هذا الطفل سوف يتعرض لأبشع أنواع الخشية والتخويف حتى لا يطالب أباه بما يكفل له حياة جيدة لأن الأب يعجز عن تحقيق ذلك لابنه بسبب حالة العوز، هنا سوف ينشأ أطفال خائفون ضعفاء في تفكيرهم وشخصياتهم، لذلك نجدهم جاهزين للتبعية لمن هو أقوى منهم، وفي هذه الحالة سيكون الانهزام من أكبر مخرجات الخوف وأشدها تأثيرا على الأفراد والمجتمعات أيضا.

هل يمكن معالجة حالة الانهزام لدى الأفراد والجماعات وحتى الدول؟، نعم بالإمكان ذلك بعد حصر الأسباب وفهمها ومن ثم وضع الأطر القادرة على احتوائها، فمواجهة الشعور بالدونية والانهزامية إزاء الآخر تصبح ممكنة في حال مواجهتها بالطرق والوسائل السليمة، وفي المقدمة منها:

- مكافحة الغزو الثقافي الوافد بكل السبل المتاحة وبالطرق التي تجعل من هذه المواجهة فاعلة ومتكافئة.

- فهم مخرجات الخوف وأسباب التبعية ووضع السبل والحلول الكفيلة بمواجهتها.

- من أكثر الأسباب التي تجعل شبابنا في حالة ضعف وتبعية للنموذج الغربي أو الآخر، فقدانهم لفرص الحياة الصحيحة، كغياب فرص العمل والترفيه والرياضة والتثقيف.

- نشر منهج العدالة الاجتماعية كسبيل لمكافحة الشعور بالانهزامية حيال الآخر، وهذا كفيل بنقل الفرد والمجتمع من خانة الخوف والتردد إلى خانة الثقة.

- زرع الثقة في شخصية الفرد والمجتمع تربويا وثقافيا، بدءاً من الأسرة صعودا إلى الدراسة في مراحلها كافة.

إن استقصاء مخرجات الخوف سوف تسمح للأفراد الشباب أو غيرهم، وللمجتمع برمته، بمواجهة الشعور بالهزيمة المسبقة حيال الآخر، وقد أثبت واقع الحال وفي تجارب فردية وجمعية عديدة، أن العقل الغربي لا يختلف عن عقل الآخرين ومنهم نحن بطبيعة الحال، وليست هناك مزايا (خَلْقية) تميزهم عن أفراد مجتمعاتنا وشبابنا، ولكن ما يجعلهم أكثر قدرة على التفوق والإبهار، تلك الظروف التي تحيط بهم، وتلك الحواضن التي تكف عن رعايتهم وتهيئة الظروف والعوامل الكفيلة بجعلهم قادرين على الإبداع والتميّز، وعد الشعور بالدونية إزاء الآخر.

هذه الخلاصة تحتم علينا مكافحة الخوف، وفهم المخرجات الصادرة منه، وتستدعي منّا (وفق خطط موضوعة من عقول متخصصة)، مكافحة الشعور بالدونية، ومحاصرة الانهزامية أمام الآخر، بأساليب علمية تربوية واقعية وفعلية في إطار خطط عملية، ترتفع بالشباب وعموم المواطنين في الثقافة والفكر والتعليم وفرص العمل ورعاية المواهب والعقول المتميزة، والتأكيد على بناء الإنسان بما يجعله في حالة متوازنة تمكنه من مقارعة الماكنة الإعلامية للثقافات الوافدة وللغزو الثقافي الذي يسعى لزرع قشور التقدم في شبابنا وسلب الجوهر التقدمي من عقولهم.

اضف تعليق


التعليقات

الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
أعجبت بالموضوع ولكن بدون تعليق
فنحن لن نعلق ثم يحجب رأينا ونشعر بالضيق2019-02-09
النبأ
العراق
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شكرنا وتقديرنا لك استاذ جمال على تعليقاتك القيمة وتفاعلك المستمر وافكارك المتميزة
مع الاعتذار لعدم نشر بعض التعليقات
بعض التعليقات قد يكون فيها تفاصيل قد لاتتناسب مع سياسة الشبكة
نتمنى منك الاستمرار في التفاعل ونرحب بك صديقا وزميلا معنا في وظائفنا التثقيفية...
مع جزيل الشكر والامتنان
النبأ2019-02-09