مقدمــــة

إن محاولة فهم طبيعة النفس البشرية، من ناحية خيرها وشرها، مهمة معقدة، ليست يسيرة. أضف إلى ذلك أن مساعدة البشر على تغيير تلك النزعات والخصال السيئة التي تتصف بها كثير من النفوس هي أيضاً ليست بالمهمة السهلة. كما أن عملية التغيير لا تتم على أسس نظرية بالوعظ المجرد فحسب، إذ لابد أن يقترن ذلك بالممارسة العملية، اعتماداً على الفضيلة والقدوة الحسنة. لكن ذلك لا يقوم إلا القليل من البشر، منهم إمام المتقين علي بن أبي طالب(ع)، حيث يتضح هذا من خلال خطبه ووصاياه وكتبه، التي تجمع بين الوعظ المجرد، والممارسة العملية، متمثلة بموقعه في قيادة الأمة الإسلامية، التي أعطته زخماً عالياً في الإحاطة الواسعة في فهم طبيعة النفس البشرية.

المراد من طبيعة النفس البشرية

طبيعة النفس البشرية، هي السجية والخليقة التي جُبل عليها الإنسان. والطبع في علم النفس هي مجموعة مظاهر الشعور والسلوك المكتسبة والموروثة التي تميز فردا ً من آخر(1). وهذه الطبيعة تختلف في تكوينها وتتلون من نفس إلى أخرى، حتى في النفس الواحدة، فمنها الخيرة، النقية، البريئة ومنها الخبيثة، الشريرة، الرديئة. فالطبيعة، إذن، تمثل السلوك الظاهري للإنسان، وهي الصفات المميزة لشخصية الفرد. غير أن هذه الصفات والسمات، تتجسد بها الأفكار الداخلية للإنسان، ومشاعره وأمانيه، التي تسمى سريرة الإنسان، وهي ما يضمره هذا الإنسان وما يكتمه وما يحتفظ به في داخله، في باطنه من خير وشر أو خبث ورداءة، أي أنها تمثل باطن الإنسان وإذا صلحت السريرة، استقام الإنسان، أما إذا فسدت السريرة، تخبط الإنسان وفسدت النية.

لذا نجد الإمام يمدح ويثني على الذي صَلَحَت سريرته، وحسنت خليقته:" طوبى لمن ذل في نفسه، وطاب كسبه، وصَلَحَت سريرته، وحسنت خليقته ". طوبى: الحسنى والخير. ذل في نفسه: ترك الزهو والكبرياء. وطاب: زكا وطهر. كسبه: مورد رزقه. والمراد: حسنت نواياه، فهو لا يضمر لأحد شرا ً (2). كما يؤكد الإمام أن حُسن الخلق أفضل صاحب يصحبه الإنسان. هذه الخصلة، ضمن مجموعة خصال ذكرها عليه السلام:" ولا عقل كالتدبير، ولا كرم كالتقوى، ولا قرين كحُسن الخلق، ولا ميراث كالأدب..." (3).

مما سبق، نجد أن أمير المؤمنين قد أوضح بجلاء، العلاقة التي لا تنفصم بين باطن الإنسان وظاهره. فتصرفات الإنسان وأفعاله وسلوكه هي انعكاس لأفكاره ومشاعره وأمانيه، وما يكنه في نفسه، سريرته، فيقول: " من أصلح سريرته أصلح الله علانيته" (4). إذن هذه العلاقة الوثيقة، هي بين الجزء المخفي لسلوك البشر، سريرتهم، متمثلا ً بدوافعهم واحتياجاتهم النفسية، وبين الجزء الظاهر، العلني، وهو تصرفاتهم وأفعالهم. فالدوافع المخفية، إذن، هي التي تشكل المحركات الرئيسية لسلوك الإنسان، من أفعال حميدة، وتصرفات مشينة.

وتتجلى علاقة الباطن بالظاهر، والداخل بالخارج، في عملية إصلاح الإنسان لنفسه وسلوكه بأداء ما كلفه الله من أوامر ونواهي، الذي سيكون باعثا ً نفسيا ً لمنعه عن المعاصي، التي بدورها ستنعكس في أسلوب التعامل مع الآخرين. هذا، ما يشير له الإمام في القصار من كلماته:" من أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح أمر آخرته، أصلح الله له أمر دنياه، ومن كان له من نفسه واعظ، كان عليه من الله حافظ " (5). إذن، طالما تكون المقدمات صحيحة، التي تدعو للفضيلة والعمل الصالح، فإنها بالتأكيد ستؤدي إلى نتائج صحيحة، سليمة أيضا ً. هذا يعني، أنه كلما كانت عقيدة الإنسان سليمة ونواياه حسنة، محبا ً للخير، ابتعد عن الرذيلة والشر والأنانية، وعن التكالب على الدنيا، وابتعد أيضا ً عن الخداع والغش والعنف والكراهية والحقد والحسد ونحوها.

كما أكد الإمام على أن تكون العلاقة بين أعمال الإنسان الظاهرية وسريرته الداخلية، متماثلة، متطابقة، لا أن تكون متعارضة متنافرة. فإذا كانت أعمال الإنسان وسلوكه طيبا ً حسنا ً فإن ذلك يكون نابعا ً من سريرته الطيبة. وفي المقابل، إذا كانت أفعاله سيئة، فإنها تكون صادرة عن سريرة سيئة: "وأعلم أن لكل ظاهر باطنا ً على مثاله، فما طاب ظاهره طاب باطنه، وما خبث ظاهره خبُث باطنه " (6). ولكن إذا كانت سريرة الإنسان سيئة فإنها تؤدي إلى الفرقة والصراع، كما يقول الإمام في التحذير من الدنيا:" وإنما أنتم أخوان على دين الله ما فرَّق بينكم إلا خبث السرائر وسوء الضمائر" (7).

أضف إلى ذلك، فإننا نجد في ثنايا نهج البلاغة، تحليلا ً عميقا ً لطبيعة النفس البشرية، بخاصة علاقتها بأداء الطاعات من ناحية، وبنزوعها نحو المعاصي من ناحية أخرى. فطاعة الله وتنفيذ أوامره ونواهيه، غالبا ً ما يحصل معها مخالفة لهوى نفس الإنسان وما تميل إليه. ولا شيء من معصية الله إلا وهو موافق لما تشتهيه هذه النفس. لذلك يدعو الإمام بالرحمة والخير والنعمة والاحسان والمغفرة للإنسان الذي يقمع شهوته وهوى نفسه، لأن النفس أمّارة بالسوء: " واعلموا أنه ما من طاعة الله شيءٌ إلا يأتي في كره، وما من معصية الله شيء إلا يأتي في شهوة، فرحم الله رجلا ً نزع عن شهوته، وقمع هوى نفسه، فإن هذه النفس أبعد شيء منزعاً، وإنها لا تزال تنزع إلى معصية في هوى" (8). بعد التعرف على المُراد من طبيعة النفس البشرية، سنذكر المؤثرات العملية الأساسية الناجمة عنها من سلوك وتصرف الإنسان، والمقاييس الدقيقة لعمل الإنسان.

1. سلوك الإنسان وتصرفاته

السلوك الإنساني، يعني سيرة الإنسان، مذهبه، اتجاهه، تفكيره، ومجمل تصرفاته وأفعاله التي يتجه بها إلى وجهة معينة، مُعبرة ً عن شتى جوانب طبعه الأخلاقي، منحصرة ً في جانبين أساسيين. جانب خير، حسن، ايجابي، وجانب شر، سيء، سلبي. ففي نهج البلاغة، نجد الإمام علي يدعو بقوة إلى ممارسة الجانب الأول، جانب الفضيلة والسلوك العادل، بإتباع الحق والصواب والاستقامة، والنزاهة والإخلاص، رافضا ً في الوقت ذاته الجانب الثاني، جانب الرذيلة، جانب الخداع والمكر والكذب والغش والسرقة والمصانعة والمداهنة والنفاق والرياء، ونكث العهد.

ومن المعروف، أن صفات الإنسان وتصرفاته الأخلاقية، ليست جميها بالقضايا التي تولد معه، وإنما هي أشياء يكتسبها مع مرور الزمن، بخاصة في المراحل الأولى للنضوج العقلي للطفل. لذلك يركز الإمام على هذه المراحل التي تتقبل الخير والشر، قبل أن يشب هذا الطفل ويقسو قلبه، إذ يقول في وصيته لولده الحسن: " وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية: ما ألقي فيها من شيء قبلته، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبُك، ويشتغل لبك"(9). وعلى هذا الأساس، يتعلم الإنسان أن هناك أشياء مباحة يمكن عملها، وأخرى محضورة عليه الامتناع عنها، ومن ثم يحدد ما هو صحيح، وما هو خطأ، وما هو حق وما هو باطل، وما هو الواجب اتجاه الاخرين، واتجاه نفسه.

ومن هذا المنطلق، نجد الإمام في نهج البلاغة، يُعلّم ويَعِظ ويوحي وينهى ويطالب أنصاره والناس الآخرين، الالتزام بمبادئ السلوك السوي العادل السليم. فهو، على سبيل المثال، يبين في خطبته الغراء، أن الإنسان العاقل يبتعد دائما ً عن الطرق المنحرفة، سالكا ً الطريق المستقيم، رافضا ً مغريات الدنيا، متبصرا ً طريقه:" فاتقوا الله عباد الله تقية ذي لب شغل التفكر قلبه،... وتنكب المخالج عن وضح السبيل، وسلك أقصد المسالك إلى النهج المطلوب، ولم تفتله فاتلات الغرور، ولم تعم عليه مشتبهات الأمور ". تنكب: مال عنه. والمخالج: الطرق الملتوية. وسلك أقصد المسالك: سار في الطريق المستقيم الذي يؤدي بسالكه إلى الجنة. تفتله: تصرفه. والغرور: الخداع. لم تعم عليه: لم تلتبس عليه. ومشتبهات الأمور: مشكلاتها (10). كما أن الإمام، يضع دلالات خاصة، كي يستطيع الإنسان أن يميز بين القضايا التي تلتبس عليه. فمثلا ً، الظالم له علامات ثلاث: " للظالم من الرجال ثلاث علامات: يظلم من فوقه بالمعصية، ومن دونه بالغلبة، ويظاهر القوم الظلمة ". يظلم من فوقه بالمعصية: لأن معصية من وجبت طاعته ظلم. ومن دونه بالغلبة: وهي التعدي على الناس وأموالهم، وهضم حقوقهم، وهو الظلم الذي لا يغتفر لارتباطه بحقوق الآخرين. ويظاهر القوم الظلمة: يعاونهم(11).

وللسيرة العادلة، المستقيمة، تبعات، غاية في الأهمية، ذكرها الإمام، منها، الانتصار على الخصوم والمناوئين: " بالسيرة العادلة يُقهر المناوئ " (12). والعاقبة السليمة، وهي رضا الله للاستقامة في السلوك، والهلاك لمن انحرف:" لقد حملتكم على الطريق الواضح الذي لا يهلك عليها إلا هالك" (13).كما ينجم عن السلوك المستقيم حصول المرء على الحياة الأبدية والعيش الهنيء والنعيم الدائم:" قومٌ والله ميامين الرأي، مراجيح الحلم، مقاويل بالحق، متاريك للبغي، مضوا قدما ً، على الطريقة وأوجفوا على المحجة، فظفروا بالعقبى الدائمة والكرامة الباردة ". ميامين الرأي: مباركين، آراؤهم سديدة. مراجيح الحلم: حلماء، لا يستخفهم جهل الجاهلين. مقاويل بالحق: يقولون الحق. متاريك للبغي: يجتنبون الاعتداء على الناس. أوجفوا: أسرعوا. على المحجة: على طريق الاستقامة والنجاة. العاقبة: آخر كل شيء وخاتمته (14).

ويربط الإمام، ربطا ً قويا ً بين دور التربية، وطبيعة سلوك الإنسان وتصرفاته، لذا يقوم بعملية مماثلة رائعة بين سلوك الإنسان، وبين النبات وما يثمره. فكما أن النبات يحتاج إلى غذاء من مياه وتربة، وهذه متنوعة، التي سينجم عنها بالضرورة ثمرا ً متنوعا ً حلوا ً ومرا ً، فإن الإنسان كذلك، ما يحصل عليه من تربية وتعليم، صالحا ً أو طالحا ً سيؤثر ذلك على سلوكه وأفعاله:" واعلم أن لكل عمل نباتا ً، وكل نبات لا غنى به عن الماء، والمياه مختلفة، فما طاب سقيه، طاب غرسه، وحلت ثمرته، وما خَبُث سقيه، خَبُث غرسه، وأمَرَّت ثمرته " (15). ثم يبين لنا أبو الحسن العلاقة بين سلوك الإنسان وإيمانه، فالعلاقة بين السلوك، طيبُه وسيئُه، وبين الإيمان، ودرجة صدقه، علاقة وثيقة، متبادلة، فكل منهما يدل على الآخر، فإذا كان الإيمان صادقا ً، خالصا ً لله، فالأعمال صالحة، وإذا كانت الأعمال صالحة مقربة لله، فإن الإيمان يكون صادقا ً لله، كما يبين ذلك الإمام عند مخاطبته أهل البصرة:" فبالإيمان يُستدل على الصالحات، وبالصالحات يستدل على الإيمان"(16).

2. المقاييس الأساسية لعمل الإنسان

ذكر الإمام، عددا ً من المقاييس الدقيقة لأفعال الإنسان، مرتكزة على أعماله الصالحة التي تتطابق مع ما أمر به الله تعالى، وما جاء في الشرائع السماوية. لذلك حين وصف، الإمام علي عليه السلام، الإسلام، ذلك الوصف الرائع، بيّن حقيقته وغايته، فقد ارجعه إلى أصل واحد هو العمل الصالح، فهو يقول:" لأنسبن الإسلام نسبة ً لم ينسبها أحد ٌ قبلي. الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل الصالح"(17).ثم يوضح لنا أبو الحسن، أن قدر الإنسان ومنزلته ومكانته تكمن في ما يقوم به ويحسنه من قول وعمل وسلوك وتصرفات وعلم ومعرفة، لأن هذه جميعا ً مقاييس عملية لقياس قيمة الإنسان، ومن ثم وضعه في مكانه الصحيح:" قيمة كل امرئ ما يحسنه " (18). هذه الحكمة البليغة يقول عنها الشريف الرضي، جامع خطب الإمام وكلامه: وهذه الكلمة التي لا تصاب لها قيمة، ولا توزن بها حكمة، ولا تُقرن إليها كلمة.

ونظرا ً لأهمية العمل الصالح، فقد بين الإمام أنه، هو، من أولئك القوم الذين تتعلق قلوبهم بالآخرة، وأجسادهم بالعمل الصالح والطاعات:" وإني لمن قوم لا تأخذهم في الله لومة لائم... قلوبهم في الجِنان وأجسادهم في العمل " (19). ثم ذكر الإمام، شرط الحصول على الآخرة، وهو العمل، ولكن هذا العمل أيضا ً له مواصفات محددة، لذلك أوضحها عندما أجاب رجلا ً سأله أن يعظه:" لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير العمل... يقول في الدنيا بقول الزاهدين ويعمل فيها بعمل الراغبين... يحب الصالحين ولا يعمل عملهم... يقصر إذا عمل... ومن العمل مُقلّ " (20).

مما سبق، تتضح أهمية هذا المقياس، لكن الواقع الفعلي يشير إلى الابتعاد عن هذا المقياس في عملية التقييم، فالإنسان الذي يتخذ الغش والكذب والخداع والمداهنة والتملق ونحوها، في عمله، هو الذي ترتفع مرتبته في المجتمعات المتخلفة والأنظمة الاستبدادية الظالمة.

.....................................
المصادر والمراجع
(1) محمد خير أبو حرب، المعجم المدرسي، وزارة التربية، دمشق، 1985 م، ص 636.
(2) علي محمد دخيل، نهج البلاغة للإمام علي، دار المرتضى، بيروت، 2003م، ص 123.
(3) المصدر السابق، ص 653.
(4) المصدر السابق، ص 742.
(5) المصدر السابق، ص 644.
(6) محمد عبده، نهج البلاغة للإمام علي، مؤسسة الأعلمي، بيروت،1993م، ص 308.
(7) المصدر السابق، ص 249.
(8) نهج البلاغة/دخيل، مصدر سابق، ص 302.
(9) المصدر السابق، ص 509.
(10) المصدر نفسه، ص 113.
(11) المصدر نفسه، ص 721.
(12) المصدر نفسه، ص 684.
(13) المصدر نفسه، ص 206.
(14) المصدر نفسه، ص 204.
(15) نهج البلاغة/عبده، مصدر سابق، ص 309.
(16) نهج البلاغة/دخيل، مصدر سابق، ص 262.
(17) نهج البلاغة/عبده، مصدر سابق، ص 654.
(18) المصدر السابق، ص 642.
(19) المصدر نفسه، ص 413.
(20) نهج البلاغة/دخيل، مصدر سابق، ص 667.

اضف تعليق