يدور حولي كعقارب الساعة ببطء ودقة، اشعر بأنه خائف ان تقع عيني عليه، ادرت وجهي نحوه فلاذ بعيدا عن ناظري.. سرت قليلا فعاد للسير خلفي بخطى ثابتة وحذر اكبر..

لم اخشى السرقة فلم يكن بحوزتي سوى قليل من المال و مفاتيح سيارتي التي ركنتها بأحد المواقف القريبة من مرقد امير المؤمنين عليه السلام، شعرت وكانه لص يطاردني، لكن ثيابه الرثة اخمدت توقعاتي حول هذا الموضوع...

اشعر بالحيرة في امره.... لو كان متسولا لما لا يأتي ويستجدي، اسرعت بخطاي قليلا.. وتوجهت الى زاوية في الطريق لأضع كيسا كنت احمله بيدي، فيه قطعة خبز وبعض الطعام كانت قد اعطتني إياه سيدة داخل الحرم وقالت لي انها للتبرك، وضعت الكيس وسرت قليلا فأحسست ان خطواته اسرعت واخذ يعدو لكني دهشت عندما وجدته اخذ الكيس قبل قطة كانت قريبة، وكانه يسبقها لينال رزقه.

ناديته ليقترب مني، فدنا بخوف ورعب فأمسكت يده التي كانت درجة حرارتها تقارب الانجماد، سالته لما يا صغيري لم تدنو مني وتخبرني بأنك تريد طعاما، لم تَكَبَدت عناء المسير خلفي من اجل ذلك.

لكن اجابته سبقتها دموع سالت على وجنتيه الممتلئات بالخدوش والتشققات واخذ يمسحها بيده المتسخة ليبدو وجهه جراء ذلك اكثر اسمرارا مما هو فيه.. فقال ان اخي يعيلني وهو مريض ولا يقدر على العمل وهو يرفض ان امد يدي لأطلب من احد، لكنني جائع وقد نفذت قواي فانا لم اكل منذ البارحة، وحالت اخي تزداد سوءا وهو لم يأكل شيئا ايضا.

سألته اين يعمل اخوك؟

فأجابني ... انه يعمل في السوق يدفع عربة لنقل البضائع.

وأين تسكنان ؟؟

-نحن ننام في نفس العربة التي يعمل بها اخي وفي بعض الأحيان نحصل على عمل في فندق او مطعم ليلا فننام في نفس المكان.

لو كان حقا مريضا لِم لُم تعمل بدلا عنه؟

-يرفض اخي ان اعمل لأنني ما زلت صغيرا

قلت له هل تستطيع ان تأخذني الى مكان اخيك.

-امسك يدي بقوة وبدأ يسحبني فسرت معه بين الازقة القديمة والمتعرجة الواقعة حول مرقد امير المؤمنين، وبعد مسافة ليست ببعيدة توقف عند عربة خشبية قديمة نوعا ما، مركونة قرب بيت قديم اشبه بالخربة، ينام فيها اخوه، جلس بجانبه، أوقظه برقة قائلا له " استيقظ فقد جئتك ببعض الطعام"

فتح عينيه قليلا واخذ الطعام منه لكن سرعان ما جال بصره نحوي فبدت عليه علامات الخوف، فطمأنه اخاه واخبره بانه يعرفني، وبعدما اكمل طعامه سالته، لم انتم هنا؟؟ اين والداكما؟

اجابني بان والداه قد توفيا منذ اكثر من سنة في احدى التفجيرات الإرهابية.

الا يوجد احد من اقاربكما يستطيع ان يتكفل برعايتكم؟

كلا فجميعهم فقراء وبالكاد يقوون على اطعام عوائلهم.

هل قام احد بمساعدتكما من قبل؟ جهة حكومية أهلية؟

كلا لم يحاول احد مساعدتنا ، واغلب الأهالي يظنون باننا لصوص.

الم تحاول ان تكسب لقمة العيش من عمل اكثر سهولة كصانع في احدى المحلات؟

حاولت ذلك مرارا لكن أصحاب المحلات يقولون لي بانهم يفضلون ان يعمل لديهم اشخاص من حملة الشهادات الجامعية، فيكون الشخص مثقف وواعي.

التفت الى كلامه ووجدته امرا صحيحا فالبطالة متفشية بشكل كبير حتى بات حملة الشهادات العليا من غير عمل.

فسألته عن مسقط رأسه؟

فأجابني انه كان يعيش سابقا مع والديه في احدى المحافظات الجنوبية.

ولِم انتقلت العيش الى مدينة النجف؟

تبسم قائلا لقد حضرت مع والدي قبل وفاته احدى المحاضرات لاحد خطباء المنبر الحسيني وكان يتكلم فيها عن امير المؤمنين وكيف انه كان يرعى الايتام حتى انه قال في وصيته للحسن والحسين قبل وفاته: الله الله في الايتام ، فلا تغبوا افواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم"،

واخذ يشرح لي ما سمعه على لسان الخطيب، وكيف ان اللائذ بقبور المعصومين سيكون بمأمن من أي شيء، فكيف بالذي يلوذ بقرب امير المؤمنين وهو كافل اليتامى واباهم ، وبعد ان توفي والداي، حملت اخي واتيت الى مدينة امير المؤمنين فسكني بقربه يشعرني بالأمان والاستقرار.

طفل فقيرا ويتيما لاذ بحماك وانت من قلت "لوكان الفقر رجلا لقتلته"، لم يجد من يمد له يد العون غيرك، عاش قربك ليشعر ان لديه اب وحامي وسند، حمله قلبه المملوء بالحب اليك فسكن بجوار مرقدك الشريف... يشعر بالراحة وهو بلا مأوى لأنه يعتبرك المأوى، يشعر بيقين قلبي بأنك ستحميه وسترعاه كما رعيت اليتامى والفقراء من قبل.

اما انا فلم استطع ان اقدم لهم اكثر من مساعدة رمزية، وسعيت جاهدا لأوفر لهما عملا افضل، يستطيعان من خلاله ان يحصلا على السكن والمأكل.

اضف تعليق


التعليقات

نبع الحياة
العراق
بارك الله فيكم و ربي ميحرم كل طفل عن والده و والدته2016-04-24