أسوة بسائر الشيعة في البلاد الاسلامية، يحجم شيعة افغانستان عن الرد على مختلف اشكال العنف ضدهم، سواءً من قبل النظام الحاكم واجراءاته القمعية، او من قبل الجماعات الارهابية والتكفيرية، وربما يكون النموذج الافغاني (الشيعي) أمضّ ما نشهده طيلة العقود الماضية على مسرح العنف الدموي، فهم لم يحصلوا على حقوقهم من النظام الماركسي في الحقبة السوفيتية، وفي الحقبة الديمقراطية حيث حكم "المجاهدين" نراهم يتعرضون لأبشع الجرائم والقتل الجماعي على يد جماعات تكفيرية تدّعي أنها امتداد لحركة الجهاد ضد الاحتلال السوفيتي في ثمانينات القرن الماضي، علماً ان الشيعة، وأسوة بنظرائهم في العراق والخليج ولبنان، كانوا في طليعة المقاومة، والأوائل في التضحية في سوح المواجهة مع الغزاة والمحتلين.

في معظم البلاد الاسلامية، بل وفي معظم بلاد العالم المأزومة سياسياً وأمنياً، تندفع الشعوب لتنظيم نفسها في خلايا وتجمعات مسلحة تحولت الى مليشيات وتنظيمات مسلحة كبيرة بدعوى الدفاع عن النفس، وعن الهوية القومية والعرقية المستهدفة بغض النظر عن النتائج وما تأول اليه الحروب الأهلية من إزهاق ارواح الآلاف ودمار وخسائر فادحة ثم توقف العمل العسكري فجأة تحت المظلة السياسية!

استفزاز من الداخل وضوء اخضر من الخارج

لمجرد جلوس طالبان الى طاولة التفاوض مع الادارة الاميركية بوساطة قطرية لوضع حد للحرب الدائرة بينهما، حتى انطلق تصعيد غير مسبوق في العمليات الارهابية والدموية من هذا التنظيم باتجاه الشيعة، لاسيما في العاصمة كابول، كما لو أن اتفاقاً غير مكتوب بين الجانبين على إفساح المجال لتصفية طائفية ضد الشيعة، الى جانب بنود اخرى كان أبرزها إطلاق سراح عدد كبير من المجرمين الملطخة ايديهم بدماء الابرياء من السجون الحكومية، وهو ما اذعنت اليه حكومة أشرف غني دون نقاش.

فبدأت سلسلة من العمليات الدموية تستهدف الاطفال والنساء والمدنيين ممن يطلق عليهم "الهزارة"، وهي قومية تضم طوائف شيعية منها؛ الاثني عشرية، وهم منتشرون في مناطق مختلفة من البلاد، وتحديداً في ولاية باميان وسط البلاد، ومزار شريف في الشمال، الى جانب وجود ملحوظ في العاصمة كابول. ولعل أشد هجمات طالبان ما شهدته المراكز التعليمية للشيعة، ففي شهر تشرين الثاني ألقيت على طالبات مدرسة وثانوية الكوثر عدة قذائف أسفرت عن استشهاد أربعين، وإصابة حوالي تسعين تلميذة، وبعدها بأيام نظم طالبان هجوماً آخر على جامعة كابول عندما تسلل مجموعة من الارهابيين الى قاعات الطلاب ورشقوهم بالرصاص مما أدى الى استهداف 60 وإصابة حوالي مائة طالبة وطالبة –حسب مصادر افغانية-.

وقبل أيام داهمت مجموعة ارهابية تدّعي انتمائها الى تنظيم "داعش" مقر منظمة بريطانية تعمل بالتنسيق مع الحكومة الافغانية لإزالة الالغام، و راحوا يستخرجون الموظفين الشيعة من حوالي 120 موظف آخر، ثم يطلقون عليهم النار بدم بارد.

وعمليات القتل الجماعي تطارد الشيعة في المساجد والحسينيات والمراكز الثقافية والمدارس والجامعات، وحتى في داخل سيارات الأجرة، لا يفهم منها المتابع البسيط إلا ممارسة المزيد من الضغط على الشيعة ليخرجوا عن صمتهم وتجلدهم وصبرهم والتحول الى مليشيات مماثلة لطالبان او داعش حتى تكون المواجهة مكشوفة ومبررة، وإلا ما هي التهمة التي يوجهها التكفيريون الى الشيعة في هذه العمليات الارهابية؟ علماً أن الشعب الافغاني يتفهّم منذ الاطاحة بنظام طالبان بقرار اميركي واجتياح البلاد من قبل القوات الاميركية والمتحالفة معها، عمليات التفجير والاغتيال التي تستهدف القوات الاجنبية والحكومية بدعوى التصدّي للاحتلال، ولكن؛ ماذا عن الشيعة؟ هل إن الاميركيون هم الذين أتوا بهم من الخارج الى داخل افغانستان؟!

لاشك أن ثمة تجاذبات اقليمية ودولية في افغانستان تلقي بظلالها على وضع الشيعة بشكل عام، لاسيما من الناحية السياسية والأمنية، ولسنا بوارد الخوض في مخاوف بعض الاطراف الخليجية المؤثرة من مستقبل الشيعة في هذا البلد، ويشاطرهم الشعور نفسه؛ الجماعات الافغانية الطامحة للحكم والسيطرة مثل طالبان التي لا تريد أن تخسر المعركة وتخرج من الساحة دون الحصول على مغانم من الاميركيين والحكومة المحلية، على أنها تمثل قومية البشتون الواسعة الانتشار في جنوب افغانستان.

ومن نافلة القول؛ أن قومية البشتون هذه تمتلك مليشيا مسلحة منذ تسعينات القرن الماضي، وفي الايام الاولى لظهور ما يسمى بحكومة المجاهدين بعد الانسحاب العسكري والسياسي التام لموسكو نهائياً عام 1989، وأول تنظيم ظهر ليدافع عن هذه القومية، هو الحزب الاسلامي بزعامة قلب الدين حكمتيار، أما المنحدرين من أصول طاجيكية، فقد شكلوا حزب الجمعية الاسلامية بزعامة برهان الدين رباين الذي قضى بعملية اغتيال نفذها انتحاري، فيما كان المنحدرين من أصول أزبكية فانهم يحتمون بجنرال متقاعد ومخضرم –سنأتي على ذكره- تحول الى سياسي بارز وهو؛ عبد الرشيد دوستم ليتخذوا من ولاية مزار شريف ومناطق اخرى في الشمال المتاخمة للحدود مع جمهورية ازبكستان موطناً آمناً لهم، وكل هؤلاء لهم تنظيمات عسكرية مجهزة باسلحة ثقيلة ومعدات يعتد بها، حتى أن جماعة دوستم –كما ينقل- كانت فيما مضى تمتلك صواريخ سكو بعيدة المدى، إلا الشيعة! فانهم انتظموا في تجمع سياسي تحت اسم "حزب الوحدة الاسلامية" بزعامة عبد الكريم خليلي، المعروف عنه منذ بداية "العملية السياسية" في التسعينات، توازنه في العلاقات مع الاخرين، ومنهجه السلمي وخطابه الوطني، وكل ما تحويه الثقافة السياسية الشيعية.

وفي مؤتمر صحفي عقده خليلي يوم الاحد الماضي (13-6-2021) سُئل عما اذا كان سيضطر الشيعة لحمل السلاح لمواجهة من يهددون حياتهم بالعمليات الارهابية، قال: " لسنا دعاة حرب و لكن عندما تفرض علينا نعرف كيف ندافع عن أنفسنا"، وقد أعرب هذا الزعيم المخضرم الذي يُعد الواجهة السياسية الأقوى والأبرز لدى شيعة افغانستان، عن شديد امتعاضه من الموقف الحكومي المتفرج، والدولي المتخاذل من الاستهداف الممنهج للشيعة على يد الجماعات الارهابية والمعروفة لدى الحكومة ولدى الغربيين على حدٍ سواء، وقال: "لسنا مشاريع للذبح على الطرقات ولن نبقى مكتوفين ازاء الدماء البريئة التي تسفك كل يوم، وبالتأكيد سنتخذ خطوات عملية ومواجهة الجماعات الإرهابية بقوة السلاح".

التحالفات السياسية وشروط النجاح

ربما يكون التحالف، وسيلة مجدية لتجاوز أزمة سياسية وأمنية كالتي يمرّ بها شيعة افغانستان، إنما المهم، المواصفات والشروط المتوفرة في هذا التحالف، وما اذا كان حقاً يحقق الأمن والاستقرار لهم، أم انه يكون مجرد وسيلة لتحقيق مصالح سياسية ضيقة، فقد ذكرت المصادر الافغانية جلوس ثلاث شخصيات قيادية على طاولة واحدة للتشاور حول امكانية تشكيل تحالف عسكري يضم حزب الجمعية الاسلامية بزعامة نور محمد عطاء، والجبهة الوطنية بزعامة الجنرال عبدالرشيد دوستم، الى جانب حزب الوحدة الاسلامية بزعامة عبد الكريم خليلي بهدف مواجهة تهديدات طالبان.

من أجل أن تكون ثمة دوافع حقيقية لمواجهة طالبان من قبل المنحدرين من أصول طاجيكية (حزب الجمعية الاسلامية)، ومن هم من أصول ازبكية (جماعة دوستم)، لابد لهؤلاء تغليب المصلحة الوطنية، والمشاعر الانسانية على الروح القومية والعرقية التي تتملّك معظم افراد هذه المليشيات، الى جانب أمر هام آخر وهو الميول السياسية الى هذه العاصمة او تلك، اقليمياً او دولياً، مما يخرج التحالف من طابعه الوطني الى حيث الحرب بالوكالة كما هي مسيرة الحرب الأهلية في هذا البلد منذ حوالي ثلاثين سنة، وهذا ما يجرّ الشيعة ويقحمهم في حرب ضروس يخسرون فيها أرواحهم ليس من أجل قيم عليا مثل؛ الاستقلال والتقدم، وإنما من اجل تحقيق مصالح من هم وراء الحدود.

إن التحالفات السياسية والعسكرية لن توفر الأمن للتلاميذ الشيعة في مدارسهم، ولا المصلين في مساجدهم، والنساء في الاسواق، بل وفي بيوتهنّ، إنما يتطلب الأمر خطوات أخرى رديفة تعضد الجهد السياسي بالتحرك ثقافياً وإعلامياً لنشر الوعي بين الناس، لاسيما المواطنين المنحدرين من أصول بشتونية ممن يرسلون شبابهم للقتال في صفوف طالبان او داعش، وعندما يسأل شخصٌ أحد الآباء في قرية نائية عن موقفه من ابنه الشاب الذي يقاتل في صفوف طالبان يقول: "انه يقاتل من اجل الدين والعقيدة، ومن اجل طرد الكفار من البلاد". هذا هو العنوان العام المغروز في ذهنية المواطن الافغاني (البشتوني)، وأي عمل يقوم به هذا الشاب، فانه يندرج ضمن هذا العنوان، حتى وإن جاء الخبر الى الأب بان ابنه فجّر نفسه وسط مسجد للشيعة، او حافلة لنقل الركاب، او حتى مدرسة للاطفال، فانه لن يبتئس لأنه معبأ سلفاً ضد من يصفونهم له بـ "الكفار"، او "المشركين" ممن تحل دمائهم، بل يتقرب ابنه الى الله تعالى بقتل اطفال ونساء الشيعة.

تغيير هذه العنوان وإزالة هذه الصورة المزيفة من الاذهان تُعد الخطوة المتقدمة في طريق تحقيق الأمن والاستقرار الحقيقيين لشيعة افغانستان، فهذه العقلية والقناعة هي حاضنة الانتحاري والقاتل التي تدعمه مادياً ومعنوياً، بل وتدعو له بالموفقية في إنجاز عمله بأحسن وجه. لابد من الكشف عن الحقيقة رغم صعوبة المهمة، فهي تستحق العناء، للتعريف بأن ما يقوم به الشباب البشتوني او غيرهم من عمليات قتل ونسف وإزهاق للارواح إنما يلبي رغبات وإرادات أناس لا شأن لهم بما يعيشه الشعب الافغاني من حرمان وتخلف وتبعية، فمنذ حوالي ثلاثين عاماً والجماعات التفكيرية والمتطرفة تقتل وتفجر بفضل هؤلاء الشباب المُغرر به، فهل تغير حال المجتمع البشتوني، كأن تطورت حياتهم، واصبحوا يعيشون بين المستشفيات الحديثة، والمدارس والجامعات التي يتخرج منها ابنائهم علماء يفيدون بلدهم؟ لاشيء سوى الموت وقتل العلم والسلم والتقدم الذي يحمله الآخرون.

اضف تعليق