ملف الصراع المسلح في ليبيا يشهد اليوم تطورات جديدة ومهمة ربما ستسهم في انهاء سنوات من القتال بين قوات حفتر والسراج، حيث توصل اطراف الصراع وبحسب بعض المصادر، إلى اتفاق لوقف شامل وفوري لإطلاق النار، وتحقيق تقارب في ملفات مهمة خلال المحادثات التي احتضنتها مؤخرا مدينة بوزنيقة المغربية. وفي خطوة مفاجئة، أعلن رجل حكومة الوفاق الليبية فائز السراج الاستقالة من منصبه كرئيس للحكومة المعترف بها دوليا، مؤكدا على أنه يسعى لتسليم مهامه للسلطة القادمة في موعد أقصاه نهاية أكتوبر. كما يأتي قرار السراج في ظل تصاعد الاحتجاجات في شرق البلاد وغربها بسبب تدهور

ولم تشهد ليبيا أي استقرار بل صارت ساحة صراع للميليشيات المسلحة المتنافسة على السلطة هناك؛ والتي استدعت بدورها قوى إقليمية ودولية مما حول البلاد إلى ساحة نزاع إقليمي وحروب تخاض بالنيابة، ويرى بعض المراقبين ان الاتفاق الاخير ربما سيفشل مثل باقي الاتفاقات السابقة، بسبب وجود اطراف ودول خارجية ستعمل على عرقلة مثل هكذا مشاريع من اجل تحقيق مكتسبات خاصة في هذا البلد المهم.

وفي هذا الشأن فقد أعلن الفرقاء الليبيون في وقت سابق التوصل إلى اتفاق شامل حول المعايير والآليات الشفافة والموضوعية لتولي المناصب السيادية بعد جولة مفاوضات بدأت في بوزنيقة بالمغرب. وشارك في المفاوضات المجلس الأعلى للدولة، المنبثق عن اتفاق الصخيرات والموالي لحكومة الوفاق الوطني في العاصمة الليبية طرابلس، ومجلس النواب الذي يعمل انطلاقا من مدينة طبرق الساحلية في الشرق ويؤيد قوات شرق ليبيا (الجيش الوطني الليبي) بقيادة خليفة حفتر.

وجاء في البيان الختامي المشترك “هذه اللقاءات جرت في أجواء ودية وأخوية يسودها التفاهم والتوافق أسفرت عن اتفاق شامل حول المعايير والآليات الشفافة والموضوعية لتولي المناصب السيادية”. ودعا الطرفان الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لدعم “جهود المملكة المغربية الرامية إلى توفير الظروف الملائمة، وخلق المناخ المناسب للوصول إلى تسوية سياسية شاملة في ليبيا”. واشار الطرفان إلى أن “ما وصلت إليه الأوضاع في البلاد، على مختلف المستويات والصعد، من حالة شديدة الخطورة، باتت تهدد سلامة الدولة ووحدة أراضيها وسيادتها، نتيجة التدخلات الخارجية السلبية، التي تؤجج الحروب والاصطفافات المناطقية والجهوية والإيديولوجية”.

كما أكدا أن لقاءاتهما “جاءت تطبيقا لنص المادة 15 من الاتفاق السياسي الليبي الموقع بالصخيرات، وتأكيدا على مخرجات مؤتمر برلين، التي تدعم الحل السياسي، وبناء على قرارات مجلس الأمن ذات الصلة”. ويقول المغرب إن الحل السياسي في ليبيا يجب أن يكون ليبيا-ليبيا دون تدخل أو فرض أجندات. وكان الفرقاء الليبيون قد توصلوا في 2015 إلى اتفاق سلام في الصخيرات بالمغرب لكنه ذهب ادراج الرياح بعد الصراعات الأخيرة والتدخل الأجنبي في ليبيا.

الحصار النفطي

في السياق ذاته أعلن خليفة حفتر قائد قوات شرق ليبيا (الجيش الوطني الليبي) أنه سيرفع لمدة شهر حصاره الذي استمر ثمانية أشهر لمنشآت إنتاج النفط، وقال إنه اتفق مع حكومة طرابلس المناوئة على ”توزيع عادل“ لإيرادات الطاقة. يخفف استئناف تصدير النفط بعد ثمانية أشهر من الحصار الضغوط المالية المتنامية على كلا طرفي الصراع الليبي، وقد يزيل عقبة كبيرة على طريق التوصل لتسوية سياسية، لكنه من غير الواضح بعد ما إذا كان الاتفاق المعلن يحظى بدعم على نطاق أوسع.

وفي بيان وزعه المتحدث باسمه بعد بث تلفزيوني مقتضب أعلن خلاله أنه ”تقرر استئناف إنتاج وتصدير النفط“، قال حفتر ”نحن جاهزون لفتح حقول النفط لتأمين مستقبل ليبيا لمدة شهر واحد“. لكن المؤسسة الوطنية للنفط، التي تشرف على تشغيل قطاع النفط في ليبيا، قالت إنها لن ترفع حالة القوة القاهرة على الصادرات إلى حين نزع السلاح عن المنشآت النفطية. وليبيا والعديد من مؤسساتها الحكومية منقسمة منذ سنوات بين حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا في طرابلس والجيش الوطني الليبي الذي يقوده حفتر في الشرق.

لكن هناك انقسامات داخلية في كل من المعسكرين، والتي تتفاقم منذ يونيو حزيران عندما انهار هجوم استمر 14 شهرا شنه حفتر للسيطرة على طرابلس، واضطر للانسحاب إلى مدينة سرت التي تتوسط ساحل البلاد. وفي طرابلس، أصدر أحمد معيتيق نائب رئيس حكومة الوفاق الوطني بيانا بعد وقت قصير من خطاب حفتر أيضا قال فيه إنه تقرر استئناف إنتاج النفط وأضاف أن هذا سيشمل لجنة جديدة للإشراف على توزيع الإيرادات. وقال إن اللجنة ستنسق بين الجانبين لإعداد ميزانية وتحويل الأموال لتغطية المدفوعات والتعامل مع الدين العام.

وفي مؤشر على انتكاسة محتملة للاتفاق في غرب ليبيا، قال شاهد عيان في مدينة مصراتة إن عائلات مقاتلي حكومة الوفاق الوطني أجبرت معيتيق في وقت لاحق على إلغاء مؤتمر صحفي هناك. وقبل الحصار، كانت ليبيا تنتج حوالي 1.2 مليون برميل يوميا، وذلك بالمقارنة مع ما يزيد قليلا عن 100 ألف برميل يوميا في الوقت الحالي.

لكن حفتر ومعيتيق لم يتطرقا إلى تواجد الجيش الوطني الليبي وقوات أجنبية حليفة له في منشآت إنتاج وتصدير النفط، والتي تقول المؤسسة الوطنية للنفط إنه يجب سحبها لضمان سلامة موظفيها قبل استئناف الإنتاج. ويتلقى الجيش الوطني الليبي الذي يقوده حفتر دعما في الحرب من الإمارات وروسيا ومصر، بينما ساعد دعم تركي حكومة الوفاق الوطني على إنهاء الهجوم على طرابلس هذا العام.

تركيا وقرار السراج

على صعيد متصل قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن تركيا منزعجة من إعلان فائز السراج، حليف أنقرة، رغبته التنحي عن رئاسة حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دوليا بحلول نهاية أكتوبر تشرين الأول وأشار إلى أن أنقرة قد تعقد محادثات مع حكومة الوفاق في هذا الشأن. وأعلن السراج نيته التنحي في خطوة قد تزيد من حدة توتر سياسي في طرابلس في وقت يشهد جهودا للتوصل لحل سياسي للصراع في البلاد.

وقال أردوغان ”تطور مثل هذا.. سماع مثل هذه الأخبار كان مزعجا بالنسبة لنا“. وأضاف أن وفودا تركية قد تعقد محادثات مع حكومة السراج. وأضاف ”من خلال هذه الاجتماعات إن شاء الله سنحول الأمر صوب الاتجاه المطلوب“. وصرح مسؤول تركي بأن إعلان استقالة السراج كان ثاني مفاجأة في الآونة الأخيرة لأنقرة فيما يتعلق بليبيا بعد إعلان وقف إطلاق النار. وأعلنت حكومة السراج وقف إطلاق النار في 21 أغسطس آب، كما ناشد رئيس البرلمان التابع للحكومة المنافسة في شرق ليبيا بوقف الأعمال العدائية مما يعطي بارقة أمل لخفض التصعيد في النزاع الدائر بالبلد منذ انتفاضة 2011. وقال المسؤول ”نفضل بقاء السراج في منصبه لأن تحت قيادته من الممكن ظهور ليبيا موحدة قادرة على حل مشاكلها“. وتابع ”إذا ترك السراج منصبه فهناك بعض الأسماء المشاركة في العملية ويمكنها تولي زمام حكومة الوفاق الوطني. هذه بالطبع مسائل خاصة بليبيا لكن تركيا قد توفر بعض الدعم“. بحسب رويترز.

وقال السراج في كلمة نقلها التلفزيون الرسمي ”أعلن للجميع رغبتي الصادقة تسليم مهامي في موعد أقصاه آخر شهر أكتوبر.. على أمل أن تكون لجنة الحوار استكملت عملها واختارت مجلسا رئاسيا جديدا ورئيس حكومة“. وأشار إلى إحراز تقدم في الاتفاق على طريقة لتوحيد ليبيا والتحضير للانتخابات خلال المحادثات التي ترعاها الأمم المتحدة في جنيف. ولفت السراج إلى أن "المناخ السياسي والاجتماعي كان يعيش حالة استقطاب واصطفاف حادّين جعلت كل المحاولات السلمية التي نحقن بها دماءنا شاقّة وغاية في الصعوبة، ولا تزال بعض الأطراف المتعنّتة تعمّق هذا الاصطفاف وتراهن على خيار الحرب في تحقيق أهدافها غير المشروعة". وأضاف أنّ حكومته "لم تكن تعمل في أجواء طبيعية منذ تشكليها حيث كانت تتعرض كل يوم للمكائد داخلياً وخارجياً، ما جعلنا نواجه مشاكل وصعوبات جمة في أداء واجباتنا (...) ليس تهرّباً من المسؤولية لكن هذه الحقيقة". وقد يؤدي رحيل السراج إلى خلافات داخلية جديدة بين كبار المسؤولين في حكومة الوفاق الوطني، وبين المجموعات المسلحة من طرابلس ومدينة مصراتة الساحلية.

استقالة الحكومة الموازية

من جانب اخر قدّمت الحكومة الليبية الموازية ومقرها بنغازي، ثاني مدن البلاد، استقالتها عقب تظاهرات ضد الفساد وتردي الظروف المعيشية هزّت مدناً في شرق ليبيا. وقال الناطق باسم الحكومة عزالدين الفالح في بيان إن رئيس الحكومة الليبية الموازية عبدالله الثني قدّم استقالته من منصبه خلال اجتماع عقد مع رئيس مجلس النواب" ومقره طبرق (شرق). وأعلن المتحدث باسم مجلس النواب عبدالله بليحق أنه "سيتم عرض" استقالة الثني "على المجلس للنظر فيها".

وتأتي استقالة الحكومة الموازية على خلفية استياء شعبي في الشرق الليبي جراء تدهور الظروف المعيشية والخدمات، لاسيما بسبب فساد السلطة. وفي حركة احتجاج نادرة في هذه المنطقة، يتظاهر مئات الليبيين س في بنغازي مهد الانتفاضة الشعبية التي أسقطت معمّر القذافي عام 2011 - وفي مدن أخرى. وبدأت التظاهرات بشكل سلمي وسرعان ما أحرق المتظاهرون مقر الحكومة الموازية.

وفي المرج التي تبعد مئة كلم شرق بنغازي، أطلقت الشرطة الذخيرة الحية لتفريق متظاهرين اقتحموا مقر الشرطة بالمدينة، ما أسفر عن خمسة جرحى على الأقل بحسب شهود عيان. وأعربت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن "قلقها البالغ إزاء تقارير تفيد بمقتل مدني واحد وإصابة ثلاثة آخرين واعتقال عدد من المتظاهرين الآخرين بعد ما ورد من استخدام مفرط للقوة من قبل السلطات" في المرج. بحسب فرانس برس.

وتملك ليبيا أكبر احتياطات نفط في إفريقيا. ومنذ كانون الثاني/يناير، تغلق مجموعات موالية لحفتر حقول نفط وموانئ، مطالبةً بتقسيم عادل للعائدات النفطية التي تديرها حكومة الوفاق. وفاقم هذا الإغلاق الذي تسبب بخسائر بلغت أكثر من 9,6 مليار دولار بحسب آخر أرقام المؤسسة الوطنية للنفط، انقطاع التيار الكهربائي ونقص الوقود في البلاد.

الى جانب ذلك قال مسؤولون من الاتحاد الأوروبي إن دورية بحرية تابعة للاتحاد أوقفت في وقت سابق سفينة كانت تنقل وقود طائرات من الإمارات إلى ليبيا للاشتباه في انتهاكها حظر السلاح الذي تفرضه الأمم المتحدة. وتعمل البعثة العسكرية التابعة للاتحاد الأوروبي (إريني) في البحر المتوسط لمنع وصول السلاح للأطراف المتحاربة في ليبيا. وقالت البعثة في بيان إن فرقاطة ألمانية تدعمها فرقاطة إيطالية أوقفت السفينة التجارية (رويال دايموند 7) في المياه الدولية على مسافة 150 كيلومترا شمالي مدينة درنة الليبية.

وأضاف البيان أن السفينة أبحرت من الشارقة في الإمارات وكانت في طريقها إلى بنغازي في ليبيا. وتابع أن شحنتها من الوقود “ستستخدم على الأرجح في أغراض عسكرية”. وتحول مسار السفينة (رويال دايموند 7 ) إلى ميناء أوروبي لم يكشف عنه لمزيد من الفحص والتفتيش. وفرض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حظر سلاح لوقف القتال وتسهيل عملية السلام في البلاد. وينفذ الاتحاد الأوروبي الحظر عن طريق عملية (إريني).

كما كشف تقرير سابق للأمم المتحدة أن روسيا عززت دعمها اللوجستي لمجموعة فاجنر العسكرية الخاصة في ليبيا بحوالي 338 رحلة شحن عسكرية من سوريا. وأوضح التقرير أن ذلك يأتي لمساعدة مقاتلي المجموعة التي تدعم خليفة حفتر قائد قوات شرق ليبيا (الجيش الوطني الليبي). كما وجد التقرير أن تركيا والإمارات والأردن وروسيا وقطر انتهكت حظر الأسلحة المفروض على ليبيا. وأعد التقرير مراقبون مستقلون للعقوبات وقدموه إلى لجنة عقوبات ليبيا التابعة لمجلس الأمن الدولي لكن لم يتم الإعلان عنه.

انقر لاضافة تعليق