استيقظت بيروت صباح الأربعاء على ركام المباني وقطع السيارات المحطمة، لم يعد هناك شارع يخلو من آثار الفاجعة، الغبار الذي ينتشر في الارجاء أبى مغادرة المكان يريد أن يبقى شاهداً على مصيبة ألَمّتْ بالشعب اللبناني، هذا الشعب الذي كان يتحرك ويصرخ يومياً بمختلف الاتجاهات والوسائل بحثاً عن حلول لتعقيدات وضع سياسي ينتظر اعلان الإدانة بحق قتلة رفيق الحريري واقتصاد يعاني من غياب السيولة المالية والحقت بها الازمة الصحية نتيجة تفشي وباء كورونا، لم يكن الشعب يعلم أن ما ينتظره أكبر من أزمة السيولة المالية في المصارف، فالوحش ينام بالجوار وربما يمر المواطنون بقربه يومياً دون أن يعرفوا ما يخبئ لهم يوم الرابع من آب أغسطس 2020.

كان مرفأ بيروت يخزن على ارضه2750 طناً من نترات الامونيوم تمت مصادرتها لكنها بقيت مخزنة لأسباب عدة يبدو أن أولها سوء الإدارة، إنه وقود الجحيم الذي انتظرته لبنان لساعة الألم القصوى، ساعة لم يكن لدى لبنان المال الكافي لتعويض الضحايا او توفير المأوى لهم، يبدأ العد التنازلي للمصيبة، المشهد جديد تقريبا لكنه ليس غريباً، دخان ونار في المرفأ، ربما غارة جوية معادية، وربما حريق غير مقصود، يفتح اللبنانيون كاميراتهم لتصوير حدث يعتقدون انه يصيب من يقف قرب النار فقط، خلال لحظات يصعد عمود هائل من الدخان يشبه القنبلة الذرية، تتطاير نوافذ المباني وتنقلب السيارات بمن فيها، اما من كانوا يصورون الانفجار فقد اخذتهم العاصفة بدون أي انذار، لقد احدث الانفجار زلزالاً بقوة 3.3 درجة على مقياس رختر بحسب أجهزة الاستشعار الخاصة بالمعهد الأميركي للجيوفيزياء.

النتيجة اكثر من 300 ألف انسان مشرد بحسب البيانات الحكومية وأكثر من 113 شخصا لقوا حتفهم والحصيلة قابلة للزيادة، بينما أصيب أربعة الاف شخص والرقم مرشح للزيادة، المستشفيات غصت بالجرحى ولم يعد هناك مكان يكفي فأجريت الإسعافات الاولية والمعالجة بالخارج، تزداد المصيبة أكثر فمخازن القمح احترقت ولم يعد للبنانيين ما يكفي من الخبز، الحكومة تستعجل بإصدار قرار يمنع بيعه لغير المخابز والافران، هذه الاحداث تتسارع بينما لم تكمل الساعة دورة يوم كامل، ينزل الغبار على الركام، تظهر الصور حجم الدمار الهائل في البيوت والشوارع والمراكز التجارية، وتقدر الخسائر الاقتصادية بخمسة مليارات دولار، الرقم هائل بالنسبة للدول العظمى، فما بالك بدولة مثل لبنان مصارفها خالية من المال ووضعها السياسي معقد للغاية والدول الكبرى والإقليمية تترصدها مثل الوحوش الكاسرة، هذا المشهد الذي يفيض بالألم يدفع محافظ بيروت مروان عبود الى البكاء على الهواء مباشرة وامام انظار العالم، يتحدث بحسرة "كنا يا دوب نقدر نمشي على حالنا واجتنا هالكارثة، بدنا نتمالك حالنا، بس كثير هذا على شعبنا"، يتوقف عن الحديث فتفيض دموعه مفجرة ويغص بالواقع الذي يشاهده، واقع انتجه اللعب السياسي الذي يعرفه المحافظ، والدول التي تتربص ببلاده، والشعب الذي يفقد كل شيء تقريباً.

تمر الساعات وتتكشف المشاهد اكثر، هنا رجل يسبح بدمائه، وهناك طفلة تركض مع والدتها بثيابهما الملونة بالدم، وما بينهم جثث الموتى، عاصفة الانفجار استنهضت الروح الإنسانية التي اختبأت في أماكن متباعدة نتيجة الصراعات السياسية التي نخرت أفعال الخير لدى دول المنطقة، لم يعد الامر قابلاً للسكوت، على اقل تقدير نكتب عبارات التضامن، وقفت شعوب الدول المجاورة والشقيقة وكأن الامر يعنيها مثلما هو مؤثر على كل لبناني، الشعب العراقي على رأس القائمة فهو الأكثر تفاعلاً لكونه يعرف حجم مشاعر الخوف والرعب التي تصيب الانسان نتيجة هذه التفجيرات، لقد عايش العراقيون عشر سنوات من الاعتداءات الارهابية اليومية، وما تبعها من اعتداءات وغارات جوية معادية، دموع العراقيين نزلت بنفس غزارة دموع اللبنانيين، بعضهم لم يبكي في مواقع التواصل لأنه لا يعرف الاستعراض، ولم يكتب شيئاً لكنني شاهدت الجرح ماثل في قلوبهم، يقرأون الفاتحة على أرواح الضحايا، اعلنوا الحداد بطريقتهم الخاصة.

يشعر العراقيون بحسرة وألم شديد لما يحدث في لبنان، فهناك من المشتركات الثقافية الكثير، لبنان والعراق شعب واحد، توصلهم الجغرافيا عبر الجارة سوريا، بما يشبه "هلال الألم العربي" يعتبر العراقيون بيروت متنفسهم البريء من معاناتهم، هي المدينة التي تستضيفهم في السراء والضراء، يقصدونها للسياحة، كما يقصدونها لطلب العلم، او من اجل العمل خلال سنوات الحصار الاقتصادي، الذكريات ماثلة في اذهانهم، بيروت هي الحاضرة التي يسمونها باريس الشرق، بروح شعبها وجمال مناظرها وتصاميمها المعمارية، هي التي تطبع كتبهم التي يقرؤونها في شارع المتنبي كل يوم جمعة، اليس هذا كافياً للتعاطف؟

لا ليس كافياً، فهناك ما هو أكثر، لبنان تعاني نفس المشكلات السياسية التي يعاني منها الشعب العراقي، ونحن فقط لنا القدرة على استشعار الألم اللبناني، يكتب مغردون على مواقع التواصل "كان الانفجار في بيروت كبيراً لدرجة أن العراقيين ذُهِلوا به" نحن شعب يشم رائحة البارود فيبكي لأنه تشرب بالموت المدعوم عربياً وغربياً، وهنا فقط ارادت بعض القوى شطر الجسد العراقي واحداث ندوب لا تلتئم على شاكلة تلك الموروثة في لبنان من أيام الحرب الاهلية، واطلقوا عليها مشروع "لبننة العراق" ليكمل هذا المشروع "هلال الألم العربي" حاول الشعب اللبناني الخلاص لكنه لم يستطع فك اسره من القوى الدولية والإقليمية التي تريد تمزيق جسده وإعادة رسم خارطته السياسية والاقتصادية والايدلوجية، وكأن العراق ولبنان مثل شخصين بائسين يتعرضان للتعنيف يومياً دون أي قدرة لهما للخلاص، الشعب هناك والشعب هنا، احدهما ينظر للآخر، احدهما يشعر بالم الاخر، لذلك كان التعاطف العراقي مع لبنان هو الأكثر تأثراً وتأثيرا، هنا وهناك مصيبة شعبين لا يملكان سوى المشاركة في الألم لعل هذه الوحدة تؤدي الى استخلاص الدروس والعبر وبناء دولة مؤسساتية قادرة النهوض بواقع المواطن اللبناني والعراقي على حد سواء.

قد يكون انفجار مرفأ بيروت هو ساعة الظلمة التي تسبق بزوغ الفجر، وقد تكون القشة التي قصمت ظهر لبنان، الامر مرهون بطريقة تعاطي القوى اللبنانية الشعبية والسياسية والدينية مع الواقع الجديد.

انقر لاضافة تعليق