مع تسارع الاحداث، عادت الى الواجهة احداث العنف التي رافقت المظاهرات (في تسع محافظات وسط وجنوب العراق بما فيها العاصمة بغداد) في (25/أكتوبر) وبوتيرة أكثر دموية وعنفاً على الرغم من التعهدات والتوصيات التي أطلقتها مختلف الأطراف الفاعلة بالجنوح الى سلمية المظاهرات ومن جملة هذه المواقف:

1. بيان المرجعية في النجف الاشرف المنقول عن مكتب المرجع السيد على السيستاني في يوم انطلاق المظاهرات والذي ذكر القوات الأمنية بأن "التظاهر السلمي حق مشروع وعليهم ان يوفروا الحماية الكاملة للمتظاهرين وان يتحلوا بأقصى درجات ضبط النفس بالتعامل معهم" فيما ناشدت المتظاهرين "بعدم المساس بالقوات الأمنية وعدم الاعتداء عليهم باي شكل من الاشكال وعدم التعرض للأموال العامة" مؤكدة في خطابها الى جميع الأطراف المعنية بالوضع بأن "الإصلاح الحقيقي والتغيير المنشود لإدارة البلد ينبغي ان يكون بالطرق السلمية".

كما تأسف المرجع السيد صادق الشيرازي في بيان له حول المظاهرات الاخيرة في العراق والاحداث الفجيعة التي تلتها، ان يصبح العراق اتوناً للقتلى والجرحى للمؤمنين، وأوصى سماحته الجميع بالسعي الحثيث لإيقاف هذه المجازر التي يندى لها جبين التاريخ، والحكومة والجيش والشرطة والأمن لفسح المجال للمظاهرات السلمية، والمسارعة الى تنفيذ مطالب المتظاهرين الكرام وترك المساس بهم، كما كان يصنع امير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) ايام حكومته العظيمة العادلة والفضيلة. كما أوصى سماحته الشعب العراقي الابيّ والمظلوم والمثابر، والذي عانى ومنذ العقود العديدة الأخيرة عبر الحكومات الظالمة كل حيف واستبداد وطغيان، بالالتزام في المظاهرات (بالسلمية) وبكل تأكيد، وان لا يسمحوا بكل اصرار بان يتوغل في صفوفهم من يشوهون سمعة هذا الشعب الغيور.

2. الخطاب المتلفز لرئيس الوزراء العراقي قبل ساعات من انطلاق المظاهرات والذي تعهد فيه بحماية حرية التعبير عن الرأي وضمان امن المتظاهرين من أي اعتداء او تعدي عليهم، وإصدار أوامر مشدده للقوات الأمنية بعدم حمل السلاح وضبط النفس وعدم استخدام أي شكل من اشكال العنف.

3. ما عبرت عنه التنسيقيات الخاصة بالمتظاهرين والنشطاء ومن يرغبون بالمشاركة وصفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بالمظاهرات من اجماع على سلمية المظاهرات وتحديد المطالب وعدم اللجوء الى العنف مطلقاً.

لكن الذي حصل وشاهده الجميع هو عنف ليس له مثيل شمل:

- آلاف المصابين والجرحى من المتظاهرين والقوات الأمنية والدفاع المدني.

- مسلحون وملثمون يطلقون النار على المتظاهرين والقوات الأمنية من دون معرفة الجهة التي ينتمون اليها.

- قتل لمصابين وحرق لجثث وتصفية حسابات بين أطراف سياسية وحرق لبنايات حكومية وأخرى حزبية.

- حملات تسقيط واسعة على صفحات التواصل الاجتماعي استهدفت رموز دينية وانقسامات اجتماعية وتبادل اتهامات بين أطراف سياسية وحزبية بل وشمل الخلاف المتظاهرين أنفسهم وانقسامهم بين "المتظاهرين السلميين" وبين "المندسين".

وإذا كان الجميع اثبت في أقواله بأنه يرفض اللجوء الى العنف فلماذا ابتعدت الأفعال عن السلمية بعد تتطور الأمور الى حافة الخروج عن السيطرة وأدت الى إعلان حظر التجوال وصدور أوامر قضائية باعتقال من اسمتهم الدولة بالمخربين؟

امام هذا التساؤل تنقسم الأجوبة الى ثلاث اراء:

الأول: تعمد افشال المظاهرات من قبل جهات سياسية معينة يطلق عليها "الدولة العميقة" او "كبار الفاسدين" او "الأحزاب النافذة" وغيرها من التسميات التي تدور في خانة الاستبداد والانفراد المطلق بالحكم لفئة محددة دون باقي الشعب، وتتم عملية الافشال من خلال "استخدام العنف المفرط من اجل استفزاز المتظاهرين الشباب للقيام بعنف مضاد يفرغ التظاهرات من سلميتها وشرعيتها وبالتالي تخويف الناس من الفوضى"، إضافة الى "احداث الانقسام الاجتماعي بإشعال الصراع الاجتماعي بين الفئات الاجتماعية والطبقية، (مثال سب رجال الدين والمؤسسات الدينية والعشائر)، والصراع بين العلمانيين والاسلاميين، والصراع الطائفي والقومي، والاغنياء والفقراء، فيفقد المجتمع وحدته".

الثاني: التدخلات من قبل أطراف وجهات خارجية حولت البلد الى ساحة خلفية لصراعاتها الإقليمية والدولية، وهو امر ليس بالجديد على بلد كالعراق كان عرضة لاعتداءات اجنبية وارهابية واستخبارية وتحديات امنية كبيرة منذ عام (2003) ولغاية الوقت الحاضر، ويذهب هذا الرأي الى ان سبب هذا العنف والفوضى التي رافقت الاحتجاجات هو الصراع الناتج عن هذه الأطراف ومحاولتها اسقاط الاخر على حساب تحصيل المزيد من المكاسب السياسية والاقتصادية وغيرها وزيادة فاعليته في التحكم بالمشهد الاجتماعي من خلال تحريك ادواته واللعب على أوتار تخلق الفوضى والعنف وعدم الاستقرار داخل المجتمع العراقي.

الثالث: الرأي الثالث يشير الى الغضب الجماهيري الواسع الذي تملك المجتمع الراقي بعد ان وصل الجميع الى قناعة راسخة بعدم جدية القائمين على صنع القرار السياسي في احداث أي تغيير او اصلاح حقيقي ومنذ انطلاق العملية السياسية القائمة حالياً قبل (16) عاماً، والتي شابها الكثير من النقاط السلبية والانحراف عن مسار الديمقراطية والشفافية والعدالة الاجتماعية والحريات العامة، وبالتالي تحول هذا اليأس من الإصلاح الى التعبير عن رفضهم لاستمرار عمليات السرقة الرسمية لمقدرات المواطن وارتفاع الضرائب واستشراء الفساد والبطالة وجيوش العاطلين عن العمل من الشباب وحملة الشهادات الجامعية والتخلف الصناعي والاقتصادي وتردي قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والخدمات وتهالك البنى التحتية وانعدام الحلول لمشاكل رئيسية كالسكن وغيرها من المشاكل، تحول الى حالة غضب عارمة ولدت المزيد من العنف بين الطرفين.

الخلاصة

الخلاصة فيما تقدم تتمحور حول سؤال افتراضي ينبغي ان يقف عنده الجميع للإجابة عليه وبصدق وصراحة قبل ان يصدر أياً من الاحكام المسبقة او ان يقف مع هذا الطرف على حساب الآخر او ان يخون جزء من المجتمع لسبب ما.

السؤال يقول: هل نحن قادرون على مجابهة هذا الكم الهائل من العنف (مهما كان مصدره وسببه) بزرع ثقافة السلم في كل حركة او قول او عمل نقدم عليه؟

الإجابة على هذا السؤال ينقلها واقع الحال وما جرى من تطور ملموس خلال التظاهرات التي دخلت اسبوعها الثاني في عدد من محافظات العراق والتي بينت بوضوح قدرة المجتمع العراقي على تجاوز كل الصعاب التي مر بها والنجاح في تحقيق مطالبه المشروعة من خلال تبني ثقافة اللاعنف والنجاح في ذلك كبديل حقيقي عن أي مسمى آخر يندرج تحت اعمال العنف واللجوء الى القوة والشغب واللانظام.

ويمكن اقتراح بعض التوصيات التي من شانها تعزيز قيم وثقافة اللاعنف التي جنح اليها المواطن العراقي خلال مظاهراته الأخيرة:

1. عدم اللجوء مطلقاً الى استخدام السلاح او الثورة المسلحة في تحقيق مطالب الشعب تحت أي ذريعة كانت لان العنف لا يولد الا العنف، كما ان السلاح والعنف سيعطي ذريعة للمستبدين في قمع المظاهرات وقتل الشعب من دون ان يرف له جفن، وقد أشار المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) الى هذه الحقيقية بالقول: "من المهم جداً تحييد السلاح كي لا يدخل الميدان لصالح الدكتاتور، وغالباً يمكن تحييد السلاح بابتعاد الشعب عن استخدام السلاح في إضراباته ومظاهراته، بأن تكون حركته سلمية، تتجنب العنف والشدة".

2. تعزيز ثقافة السلم والحث على اللاعنف والجنوح الى كل ما من شأنه تعزيز هذه الثقافة التي ترفع من مكانة أصحابها الى اعلى المستويات الإنسانية، سواء أكان فرداً او مجتمع، وهو ما ذكره السيد الشيرازي: "إن الجانحين إلى السلام بقوا أعلاماً في بلادهم، وفي غير بلادهم بينما الجانحون إلى العنف والخشونة والشدة والغلظة ذهبوا ولم يبق لهم أثر إلا آثار النفرة والابتعاد".

3. التركيز على الثمار والنقاط الإيجابية التي يمكن تحصيلها من سياسية اللاعنف والسلم بدلاً من حجم الخسائر الهائلة والتضحيات الكبيرة التي يمكن ان يقدمها الفرد والأمة في حال اختيار طريق العنف والقتال والقوة ومن دون تأكيد بتحقيق النجاح: "الثمار الإيجابية التي يجنيها الإنسان من سياسة اللاعنف في حياته هي محبة المجتمع لذلك الإنسان، وتقديره له، والتفاف الناس حوله".

4. ان تغليب مصلحة المجتمع (المصلحة العامة) على مصلحة الفرد (المصلحة الخاصة) هي احد اسرار نجاح الدول المتقدمة في تحقيق الرفاهية والتطور والوعي الثقافي لدى شعوبها، لذلك ينبغي ان يتحلى الجميع بهذه الصفة بدلاً من محدودية التفكير وضيق المطالب: "إسعاد الناس بحاجةٍ إلى الإخلاص وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة".

5. ضرورة تصدي الحكماء والعقلاء خصوصاً المؤسسة الدينية وقمتها التي تتجلى في مراجع الدين الاعلام، الى الاهتمام بمطالب الناس وتلبية حاجاتهم والوقوف معهم بدلا من تركهم تحت تأثير الحركات العشوائية والأفكار الانية التي قد تحكمها العاطفة والانفعال وهو ما حث عليه المرجع الراحل السيد الشيرازي بالقول: "للناس حاجات وهم يلوذون بعلمائهم ومراجعهم في تلبية الحاجات لأنهم يلتجئون إلى من يحبونهم ومن يستطيعون أن يتحدثوا معهم بحرية، وقد أكدت الشريعة الإسلامية أشدّ التأكيد على تلبية حاجات الناس".

6. ان جوهر الإصلاح هو الاخلاق، كما ان جوهر الحضارات هو الاخلاق ايضاً، بل ان الاخلاق هي جوهر كل الفضائل والمطالب المشروعة، وبها يمكن ان يتجاوز الفرد والمجتمع كل الصعاب ويصل الى طريق النجاح: "القائمون بالإصلاح إذا لم يتحلوا بمكارم الأخلاق فإنهم لا يتمكنون من تحريك الناس إلى تلك المكارم، وأخيراً يكون نصيبهم الفشل، وعليه فاللازم عليهم أن يتصفوا بأرقى الأخلاق، والأخلاق لا تأتي من دون الإيمان، فإنّ الإيمان يعطي الواقعية، والواقعية تأتي بالأخلاق"، ويقول المرجع الراحل، ان "جوهر الحضارات الأخلاق، فإذا كانت الأخلاق خيرةً كانت الحضارة خيرةً والتف الناس حولها، وإن كانت الأخلاق سيئةً كانت الحضارة سيئةً وانفضّ الناس عنها، كما أنّ الأمر ليس بالادعاء وإنما بالواقع، فالمحبة الواقعية هي التي تنبت، والفسيلة الواقعية هي التي تورق وتزهر وتثمر".

7. تحريم وتجريم كل أنواع الظلم والاستبداد والدكتاتورية واعتبارها من المحرمات التي لا يمكن تطبيقها او ممارستها داخل المجتمع انطلاقاً من الاسرة ووصولاً الى اعلى سلطة في البلد، ان تعزيز هذه الثقافة الرافضة لكل أنواع الاستبداد ستنهض بالمجتمع ليكون مجتمعاً حراً متحرراً من قيود الاستعباد والذل وبالنتيجة مجتمعا مثقفا وواعيا ومتطورا، وقد أشر السيد الشيرازي هذه النقطة وحث عليها كثيراً بالقول: "يحرم شرعاً أي نوعٍ من الاستبداد والفردية وديكتاتورية الحزب الواحد وعدم الاعتناء بآراء الآخرين ومقترحاتهم، فإن ذلك يعّد تضييعا لحقوق المسلمين".

8. ان حرية التعبير عن الرأي تتجلى في اصدق مظاهرها من خلال رفض الحاكم المستبد او النظام الاستبدادي والوقوف بوجه أي نوع من أنواع الدكتاتورية، وعلى هذا الأساس يجب ان تربى الامة في رفض الاستبداد والوقوف بوجه: "من أهم طرق زوال المستبد، هو تربية الأمة وتوعيتها، ودعوتها إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحينها تصبح مرصاداً ترصد تحركات المستبد، بدل أن تكون مصفقه له".

9. رفع الوعي الثقافي للمجتمع وخصوصاً بين الشباب المتحمس، وزرع ثقافة الدعوة للسلام وتجنب العنف وقبول الاخر وتجنب الصدام او العسكرة او أي مظهر من مظاهر العنف فان: "نتيجة لقلة الوعي وضيق الصدر يصبح الاختلاف بين الناس سبباً للتصارع والتصادم"، اما نشر ثقافة التسامح والعفو وحرية التعبير عن الرأي وقبول الرأي الاخر كلها نقاط ستساهم في نشر السلام والاستقرار داخل المجتمع.

الأفق المفتوح نحو المستقبل في العراق يستدعي القيام بحركة تقدمية إيجابية لاستيعاب طاقات الشباب وآمالهم في بناء المجتمع والاقتصاد والرفاه والتعليم والصحة، وترسيخ روح المواطنة والمشاركة المجتمعية الشاملة، بما يحقق إمكانية السلم الاجتماعي والتنمية المستدامة.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2019Ⓒ
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق