ارامكو هي بداية لنهاية جماعة عبد الملك الحوثي، هذه الجملة لخصت ردة الفعل السعودي ازاء قيام جماعة انصار الله قصف اهم واكبر موقعيين نفطيين تابعتين للشركة الوطنية فيها هما مصفاتي بقيق وخريص شرقي السعودية، حيث قامت الجماعة بتوجيه عشرة طائرات مسيرة نفذت أكبرِ الهجمات في العمق السعودي بضربات مباشرة ودقيقة.

عقب هذا الهجوم اخذت التساؤلات والتخوفات تطرح في عالم النفط والسياسية خاصة وان المنشأتين المستهدفتين تنتجان اكثر من ثمانية ملايين برميل نفط يوميا ما يشكل غالبية انتاج السعودية.

ويمكن للسعودية ان تستشرف من هذه الهجمات انها امام تحد كبير وانها تواجه قوة لا تزال عصية على التحالف الذي تقوده منذ عام 2015، ومن هنا فأن ما قامت به جماعة الحوثي سيعمل على تأجيج الاوضاع في المنطقة وتزيد من حدة التوترات التي يرغب الكثير في التخفيف من نبرتها.

الهجوم قوبل بالتنديد من قبل بعض العواصم العربية وكذلك الاوربية وكأن المخطئ الوحيد في هذه المعادلة هم الحوثيين متغافلين عما تقوم به السعودية من مجازر انسانية بحق المدنيين، فلماذا المجتمع الدولي ينظر للحقيقة بعين واحدة؟.

ومع اتساع بنك الاهداف الحوثية فأن السعودية تأمل ان تكون هنالك عودة عربية الى الخطوط الامامية من المعركة بهدف اعادة هيبتها المفقودة وقوتها الواهية التي اخذت بالتراجع بشكل واضح لدى من يراقب مجريات الاحداث منذ تشكيل التحالف العربي ولغاية الآن.

ولم تكن امريكا غائبة عن مسرح الاحداث فقد وجه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أصابع الاتهام صوب ايران بالوقوف وراء الهجمات على معملين لتكرير النفط في السعودية، مستبعدا أن تكون الهجمات انطلقت من اليمن.

بينما لم يتوانى الايرانيون عن الرد فجاء اسرع من المتوقع على لسان وزير الخارجية محمد جواد ظريف الذي اتهم واشنطن بالافتراء واللجوء إلى الحد الأقصى من الكذب بعد فشل سياسة الضغوط القصوى.

فلو افترضنا ان ايران هي بالفعل من اطلقت تلك الطائرات المسيرة فلماذا تكتفي السعودية بالحديث هنا وهناك وعلى المحطات الاعلامية؟ ولماذا لا تقدم على اجراءات من شأنها تقويض الدور الايراني في المنطقة وفي اليمن تحديدا؟.

فتوالي شن الهجمات على الاراضي السعودية يمكن ان يسهم وبشكل حقيقي بتوازن قوى الردع الذي تريد جماعة انصار الحوثي تحقيقه جراء تكثيف الغارات عن طريق الطائرات المسيرة، فبينما كانت تراهن السعودية ومنذ تشكيل التحالف العربي على الحسم العسكري السريع، نراها فشلت بذلك بشكل غير قابل للتشكيك، والتجأت بعد ذلك الى معركة النفس الطويل التي تفوق بها الجانب اليمني والدلائل على ذلك كثيرة نأخذ على سبيل المثال قصف مطار نجران وغيرها من المواقع المهمة وآخرها موقعي النفط.

التصريحات الامريكية تأتي ربما لسببين الاول هو لتبرير حالة الضعف الذي يشهده التحالف العربي والمدعوم امريكيا، واخفاء عدم مد يد العون لحليفتها في المنطقة المملكة العربية السعودية والامارات وغيرها من الدول العربية، اما الثاني فهو يمكن ان يكون الرد الامريكي على هذه الهجمات هو لايجاد عامل ادانة آخر لايران التي لا تزال ترفض الجلوس معها على طاولة النقاش مالم تقوم الاخيرة برفع العقوبات المفروضة عليها والالتزام بالاتفاق النووي المبرم بين الطرفين.

ادعاء المسؤولون الامريكيون بان ايران هي من تقف وراء الهجمات ماهو الا محاولة للخروج من حالة الاحراج امام السلطة السعودية والشعب ايضا، ذلك ان السعودية دفعت ولا تزال تدفع مليارات الدولارات لشراء الاسلحة الامريكية المتطورة لضمان عدم خرق اجوائها لكن شيئ من هذا القبيل لم يحصل فترى الهجمات الحوثية تتوالى ولا تستطيع ايقافها بأي شكل من الاشكال.

وللهجوم ايضا ابعاد اقتصادية كونه تسبب بإيقاف انتاج بكمية تقدر بنحو 5,7 ملايين برميل يوميا يمثل نصف إنتاج المملكة، ويعادل قرابة ستة بالمئة من إمدادات الخام العالمية، في الوقت الذي تستعد فيه أرامكو لطرح أولي عام لأسهمها في البورصة من المتوقع أن يكون الأكبر في العالم.

واتخذ البرنامج الاصلاحي الذي نادى به ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الدخول الى البورصة العالمية احد اهم الركائز لتنويع الاقتصاد العالمي، لكن هذا الحلم بات امر يصعب تحقيقة في ظل التراجع بكميات الانتاج التي تمر بها المملكة.

ولم يخرج العراق هذه المرة من حلقة الاحداث الدائرة في المنطقة فقد روجت بعض المؤسسات الإعلامية ان الهجوم كان من البلد الشقيق العراق بينما ترفض بغداد هذا الادعاء وتقول انها لن تسمح لان يكون العراق جزءا في الصراعات الاقليمية والدولية على حد سواء.

رب ضارة نافعة، من المتوقع أن يدفع الهجوم بطائرات مسيرة على منشأتين إحداهما أكبر معمل لتكرير الخام في العالم، أسعار النفط للارتفاع بنحو خمسة وعشرة دولارات للبرميل، وتشير توقعات اخرى ايضا الى تجاوز سعر البرميل الواحد ال100 دولار ما يشكل فرصة اقتصادية امام الدول المنتجة للنفط لم تكن في الحسبان.

هذا الارتفاع مقرون بمدى قيام الدول المنتجة للنفط في الاعتماد على مخزونها الاستراتيجي او الالتجاء الى النفط الصخري الباهض التكلفة، في وقت افادت فيه ارامكو أنها ستلجأ لمخزوناتها النفطية لتعويض عملائها، لكن يمكن للحادثة أن تهز ثقة المستثمرين مع اقتراب موعد طرح جزء من أسهم المجموعة للاكتتاب العام الأولي.

في المقابل قالت الحكومة العراقية وعبر وسائل الإعلام الرسمية ان الميزانية الاتحادية لعام 2020 تعاني من عجز يصل الـ72 تريليون دينار، ما يمثل انتكاسة في الواقع الاقتصادي، فالميزانية وضعت بعد احتساب سعر البرميل بــ53 دولار امريكي، لكن ووفق الاحداث الجارية فأن الاسعار قد تتجاوز الضعف وهنا يجب استثمار هذه الطفرة المفاجئة في الاسعار وتوفير كميات كبيرة من الاموال التي تعول على استحصالها من صندوق النقد الدولي الذي يجعل مقدراتها الاقتصادية تحت تصرفه.

في بعد اخر للحدث، يرى مراقبون انه رغم الدعم العلني القوي الذي أبدته ادارة ترامب للسعوديين، ورغم تركيزها على تسليط "القدر الأكبر من الضغط" على إيران، ففي الحقيقة ترسل واشنطن رسائل متباينة إلى طهران.

فيبدو أن ترامب راغب في اجراء لقاء مباشر مع نظيره الايراني على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكان الرئيس الأمريكي قد فصل منذ فترة قريبة مستشاره للأمن القومي، جون بولتون، الذي كان من كبار الدعاة الى تغيير النظام الحاكم في إيران.

في الحقيقة أن إيران، وحلفائها الحوثيين، يخوضون حربا كلاسيكية للضعيف ضد القوي، "حربا هجينة" كما تصفها كتب العلوم الاستراتيجية. هذه الحرب تستقي الكثير من التكتيكات الروسية - كاستخدام النفي والوكلاء والحروب الالكترونية والإعلامية.

تعرف طهران أن ترامب، بكل ما معروف عنه من غطرسة وتهديد وتقلب، يريد أن يخرج الولايات المتحدة من الصراعات العسكرية وألا يدخلها في صراعات جديدة. وهذا يسمح للإيرانيين بتسليط "ضغوط قوية" خاصة بهم.

أما الخطر الحقيقي فيتمثل في أن أي خطأ في التقدير قد يؤدي إلى حرب شاملة، وهو أمر لا يريده أي من الأطراف.

انقر لاضافة تعليق