ان ثقافة حمل السلاح مُتجذرة فى الولايات المتحدة، ولا تزال جهود تعزيز قوانين حمل السلاح تثير الانقسامات، تطورت الحركات الفاشية الجديدة في القرن 21 من العداء للمسلمين إلى معاداة كل الغرباء بحسب الكاتب الأسترالي جيف سبارو الذي نشر كتاب "الكراهية على الإنترنت ومذبحة كرايست تشيرتش".

ويضيف سبارو أن "الحرب الغربية المستمرة ضد الإرهاب أدت لتطبيع خطاب معادٍ للمسلمين يستنسخ تقريباً كل العلل التقليدية لمعاداة السامية"، ويتابع "اعتنق جيل جديد من السياسيين والأحزاب والشخصيات الإعلامية علانية كراهية الأجانب وكراهية الإسلام، لكنهم في معظم الأحيان، تجنبوا ثقافة العنف المرتبطة بالفاشيين الحقيقيين"، واعتبر سبارو في المقال الذي نشره في صحيفة الغارديان البريطانيةأن تطبيع العنصرية من قبل السياسيين الشعبويين وغيرهم يسهل عمل الفاشيين.

"جئت اليوم لأزف إليكم خبرًا سارًّا، لقد انتهى الهجوم الذي استمر لثماني سنوات على حقوق ملكية السلاح"

بهذه الكلمات خاطب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – بعد 99 يوما من توليه الرئاسة- أعضاء "الاتحاد القومي للبنادق"، مشيراً كما يبدو إلى فترة سلفه باراك أوباما، الذي اعتاد انتقاد قوانين حمل السلاح، ومطالبة الكونجرس بتغييرها.

لكن مطالبات أوباما لم تكن مطالبات لدرجة دفعته بعد أكثر من 15 مرة طالب فيها بتقييد "حق امتلاك السلاح" للتعبير عن إحباطه بعد حادث إطلاق نار جماعي بقوله: "لقد أصبح هذا روتينيًّا، التقارير روتينية، وسينتهي ردي هنا في هذا المنبر إلى أن يكون روتينياً أيضاً، لكننا نعرف أن هناك طرقًا لمنع ذلك، لقد تمكنت دول مثل بريطانيا وأستراليا من صياغة قوانين تقضي على عمليات إطلاق النار الجماعية رداً على حادث واحد من ذلك النوع".

في كل مرة يقع حادث إطلاق نار صادم للمجتمع الأمريكي يتجدد الجدل حول قوانين السلاح، وحوادث إطلاق النار الجماعية تكاد تكون حدثًا يوميًّا عند الأمريكيين، لكن "الاتحاد القومي للبنادق" يخرج منتصراً في كلّ مرة تقريباً على من يرغبون بتقييد عملية اقتناء الأسلحة، والذين هم في الواقع أغلبية الشعب الأمريكي.

فالاتحاد الذي يُعد من أقوى جماعات الضغط السياسي في البلاد؛ يعرف جيداً كيف يوجّه إنفاقه السنوي الذي يبلغ 250 مليون دولار، ليحظى بنفوذ سياسي يصل إلى نجاح أربعة من كل خمسة مرشحين يدعمهم في انتخابات الكونجرس، وإضافة إلى ذلك، فقد ضمن "اتحاد البنادق" نفوذاً أكبر بوصول أحد حلفائه إلى البيت الأبيض، وهو الرئيس الحالي دونالد ترامب، الذي موّل الاتحاد حملته الانتخابية بأكثر من 30 مليون دولار.

ارتفعت بالفعل أعداد ضحايا إطلاق النار في عهد ترامب، الذي يصف نفسه بـ"المدافع الأشرس عن حق الأمريكيين في حيازة السلاح"، وشهدت فترته الرئاسية حتى الآن أربعة من أعنف 10 حوادث إطلاق نار جماعي في تاريخ البلاد، أحد تلك الحوادث هو الأعنف على الإطلاق؛ بواقع 58 قتيلًا وأكثر من 500 مصاب، وبعضها يُعد من الأكثر مأساوية، مثل حادث إطلاق طالب سابق بمدرسة ثانوية النيران على زملائه في المدرسة التي طُرد منها لأسباب تأديبية، ليسقط 17 قتيلًا، وهو الحادث الذي دفع ترامب للدعوة إلى تسليح معلمي المدارس لمنع وقوع تلك المجازر، كما دفع المخرج الأمريكي مايكل مور إلى وصف "اتحاد البنادق" بأنه تنظيم إرهابي يفوق إرهابه تنظيم داعش.

من يتحكم في فوضى العالم؟

ارتفعت الأصوات المطالبة بتقييد امتلاك الأسلحة، بعدما بدأ الأمر يأخذ منحى جديدًا، متمثلًا في صعود موجة دولية لحوادث إرهابية يقوم بها متطرفون بيض مدفوعين بأفكارٍ يمينية متشددة ضد المهاجرين فقد سلّط الإعلام الضوء على ذلك "الإرهاب الأبيض" بعد حادثة مسجدي نيوزيلندا، التي أسقطت نحو 50 قتيلًا في عملية بثت مباشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وكانت مصدر إلهام لأحد مرتكبي عمليتي إطلاق النار على مهاجرين من أمريكا الوسطى واللاتينية في ولايتي تكساس وأوهايو فيما مضى.

يرى العديد من الباحثين في شؤون الإرهاب أوجهَ تشابه مثيرة للقلق، بين صعود الدولة الإسلامية وظهور الإرهاب القومي الأبيض، الذي شوهد مؤخرًا في المذبحة التي وقعت في إل باسو (مدينة أميركية في ولاية تكساس).

وقال ويل ماكانتس، وهو خبير بارز في هذا المجال: إن "أوجه التشابه مذهلة" وتزداد هذه المشتركات بروزاً مع كل هجوم جديد، يقول الخبراء إن أوجه التشابه أبعد ما تكون من الصدفة يتبع الإرهاب القومي الأبيض تطوراً شبيهاً لتقدم النزعة الدى تنظيم داعش، بطرق واضحة لشرح السبب في تزايد الهجمات فجأة بشكل متكرر ومميت.

في كلتا الحالتين، هناك أيديولوجية مشؤومة تتنبأ -وتعدُ بالإسراع- بصراع حضاري يهلك العالم هناك عنف مسرحي وعشوائي سيؤدي -على ما يُعتقَد- إلى هذه المعركة النهائية، لكن غالبًا ما يفعل أكثر من مجرد منح القاتل وميضًا قصيرًا من التفويض، وكسب الانتباه للقضية.

هناك مجندون بدوافع ذاتية، يجتمعون في الزوايا المظلمة لوسائل التواصل الاجتماعي، ويحركون تطرفهم وبالنسبة إلى هؤلاء المجندين، قد تكون الأيديولوجية الرسمية، ببساطة، مثل منفذ/ وسيلة تعبير للاتجاهات الحالية نحو الكراهية والعنف، ما تزال الاختلافات، بين القوميين البيض والدولة الإسلامية، واسعة فبينما استفاد قادة الدولة الإسلامية من حماسة أتباعهم في حكومة قصيرة العمر، فإن القومية البيضاء الجديدة لا تملك قيادة رسمية على الإطلاق.

كيف يتواصل ويتنامى الإرهاب الأبيض؟

تحدث "المانيفستو" عن غزو ذوي الأصول الإسبانية أو اللاتينية للولايات المتحدة وخصوصا ولاية تكساس الجنوبية المجاورة للمكسيك وتضمن أيضًا خطة لفصل أمريكا إلى مناطق بناء على العرق، وحذرت من أن الأشخاص ذوي البشرة البيضاء سيتم استبدالهم بالأجانب.

أسفر هجوم إلباسو في تكساس الذي نفذه الشاب الأبيض باتريك كروزيوس (21 عاما)، عن مقتل 20 شخصًا وإصابة العشرات وذلك في المدينة التي يسكنها عدد كبير من أصحاب الأصول اللاتينية، تحقق الشرطة من أجل التأكد من الشاب كروزيوس هو من كتب فعلا هذا "المانيفستو"، وقال قائد شرطة إلباسو جريج آلان "لدينا الآن مانيفستو من هذا الشخص يشير إلى حد ما إلى وجود ارتباط بجريمة كراهية محتملة".

يهاجم المانيفسو الذي يتكون من حوالي 2300 كلمة، بحسب وسائل إعلام محلية أمريكية، المهاجرين وجاء فيه أنه إذا "تم التخلص من عدد كاف من الناس، سيكون طريقنا إلى الحياة سيكون مستدام بشكل أكبر"، تكشف حادثة تكساس عن التزايد الكبير في أعداد الهجمات التي يقودها أصحاب البشرة البيضاء، والمبنية على أساس كراهية الأجانب والمهاجرين والمختلفين في الدين أو العرق، كما تُذكر بهجمات أخرى نفذها أفراد من ذوي البشرة البيضاء مثل هجوم المسجدين في نيوزلندا وآخر في كاليفورنيا، التي كانت جميعها كانت ناجمة عن كراهية للآخر واعتقاد بتفوق العرق الأبيض.

يحمل المانيفسو اسم "الحقيقة المزعجة"، وبها استلهم كاتبه أفكاره من أفكار الإرهابي منفذ هجوم المسجدين في نيوزلندا والذي قتل 51 شخصًا وذلك الهجوم في نيوزلندا نشر منفذه مانيفسو آخر يروّج لتفوق العرق الأبيض ونظرية تحمل اسم "الاستبدال العظيم" وفي مانيفستو تكساس جاء "أؤيد مطلق النار في كرايست تشيرش والمانيفسو الخاص به. الهجوم هو مسئولية غزو اللاتينيين لتكساس".

نقطة التحول

رصد تحقيق نيويورك تايمز حوالي 30 هجومًا نفذهم المتطرفين من أصحاب نظرية السيادة البيضاء بداية من عام 2011، وتحديدا هجوم النرويج الإرهابي، وأبرز الهجمات كانت هجوم نيوزلندا وآخر في تورنتو بكندا عام 2018، وهجوم ميونخ وآخر استهدف كنيسة تشارلستون عام 2015، والأخير استهدف مسيحيين أفارقة في الولايات المتحدة.

لكن في الفترة من 2011 إلى 2017، ذكرت نيويورك تايمز أن هناك 350 هجومًا لأصحاب نظرية السيادة البيضاء في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، وقال جيه إم بيرجر، ناشر كتاب "التطرف" والباحث في شئون الإرهاب الإلكتروني، إنه يعتقد أن منفذ هجوم النرويج كان نقطة تحول "لأنه كان نوعا من الدليل على مدى التأثير الذي يمكن أن يسببه فرد واحد" وأضاف في حديث سابق لنيويورك تايمز: "قتل الكثير من الناس بنفسه في وقت واحد، وضع حدا لما يمكن أن يقوم به فرد واحد".

كل الهجمات التي نفذها متطرفين من أصحاب البشرة البيضاء ومناصري نظرية التفوق العرقي، استهدفت بالأساس المسلمين والمهاجرين والأقليات الأخرى في الغرب، وباتت الهجمات مستمرة مع الاستلهام من الجرائم السابقة، وسط خطاب الكراهية المتزايد ضد المهاجرين، وصعود الشعبوية واليمين المتطرف.

الأمريكيون أكثر المدنيين تسلحًا حول العالم

الحقيقة أيضًا أن ترامب قد طالب عدة مرات بوضع قيود على شراء الأسلحة، لكن هذا الجدل حول حق امتلاك السلاح في الولايات المتحدة يمتد إلى أكثر من 200 عام، كما يمتد عمر "الاتحاد القومي للبنادق" نفسه إلى نحو قرن ونصف، لذلك ربما يكون من المهم إلقاء نظرة عامة على بعض الإحصائيات المرتبطة بتاريخ العنف المسلح في الولايات المتحدة حتى تتضح الصورة الأكبر، والنظر في تاريخ الاتحاد، وحجم نفوذه وتأثيره السياسي، وعلاقته بموجة "الإرهاب الأبيض" حتى خارج الولايات المتحدة، يمتلك المواطنون الأمريكيون – الذين يمثلون نسبة 4% من عدد البشر- نحو 46% من الأسلحة التي يمتلكها مدنيون حول العالم، بمعدل 120 سلاحًا ناريًّا لكل 100 مواطن، أي أكثر من ضعف معدل الدولة التالية في القائمة، وهي اليمن التي تمر بحرب أهلية، وينتشر فيها السلاح بمعدل 53 سلاحًا لكل 100 مواطن، وتبلغ أعداد مبيعات السلاح داخل الولايات المتحدة نحو 14 مليون قطعة سلاح جديدة كل عام، محققة أرباحًا تتجاوز 11 مليار دولار.

وخلال الفترة ما بين 2001 و2011 كان متوسط عدد قتلى حوادث إطلاق النار 11385 قتيلًا للسنة الواحدة، بينما كان متوسط قتلى العمليات الإرهابية خلال الفترة نفسها، حوالي517 قتيلًا كل عام وإذا خرجت تفجيرات 11 سبتمبر (أيلول) التي أسقطت نحو 3 آلاف قتيلًا من المعادلة؛ يصبح المعدل السنوي لضحايا الإرهاب في أمريكا 31 قتيلًا، أما الرقم الأكثر صدمة على الإطلاق، فهو أن عدد قتلى حوادث إطلاق النار في الولايات المتحدة خلال الخمسين سنة الماضية يصل إلى 1.5 مليون قتيل، متفوقًا على عدد ضحايا جميع حروبها – بما فيها حربان عالميتان وحرب أهلية طاحنة- والذي لا يتجاوز 1.2 مليون قتيل.

مركز النبأ الوثائقي يقدم الخدمات الوثائقية والمعلوماتية
للاشتراك والاتصال annabaa010@gmail.com
او عبر صفحتنا في الفيسبوك (مركز النبأ الوثائقي)

......................................
المصادر
- DW
- جيرون
- مصراوي
- الجزيرة
- العربية
- فالصو

انقر لاضافة تعليق