بقلم: كاتارينا بيستور

نيويورك ــ بعد مرور ثلاثة أشهر منذ شنت روسيا حربها الثانية ضد أوكرانيا في غضون عشر سنوات، استقال المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر أخيرا من منصبه كرئيس لمجلس إدارة شركة روسنفت، شركة النفط الروسية الجامعة التي تمتلكنها الدولة. ولكن برغم أن شرودر شغل هذا المنصب منذ عام 2017، فإن تشابكاته مع قطاع الطاقة المربح في روسيا أقدم كثيرا وأشد ترويعا.

في الثامن من سبتمبر/أيلول من عام 2005، عندما كان لا يزال في منصبه مستشارا لألمانيا، أبرم شرودر صفقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتن لتمديد خط أنابيب للغاز الطبيعي تحت بحر البلطيق. ولأن هذا المشروع من شأنه أن يسمح للكرملين بقطع شحنات الغاز الطبيعي عن أوكرانيا، وبولندا، ودول البلطيق، فقد كان مثيرا للجدال منذ البداية.

الأسوأ من هذا أن شرودر خسر الانتخابات الفيدرالية في عام 2005 لصالح أنجيلا ميركل بعد عشرة أيام فقط. ثم تولت ميركل منصب المستشار في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني، وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، عُـرِض على شرودر منصب في مجلس إدارة شركة جازبروم، شركة النفط الروسية العملاقة المملوكة للدولة التي كان من المفترض أن تتولى تمديد وتشغيل خط الأنابيب. على الرغم من ردود الفعل العنيفة في الداخل والخارج، لم يتردد شرودر طويلا قبل أن يقبل العرض.

يُـعَـد اختبار "الشم" في عموم الأمر أفضل مؤشر لاستكشاف التضارب في المصالح، وفي حالة شرودر، تحدث الرئيس المشارك لحزب الـخُـضر الألماني بلسان كثيرين عندما قال إن "الرائحة كريهة". أوردت بعض تقارير أن شرودر يكسب 600 ألف دولار سنويا مقابل خدمته في مجلس إدارة شركة روسنفت وحدها، وقد تشبث بمناصبه حتى عندما شنت روسيا حربا عدوانية جديدة ضد أوكرانيا وأجبر بلده على تحمل فاتورة الاعتماد على الطاقة التي ساعد في خلقها. في تجاهل لكل الانتقادات، قال شرودر لصحيفة نيويورك تايمز في إبريل/نيسان: "أنا لا أُقِر بأي ذنب".

نظرا للحاجة إلى "أنت مذنب"، أوصى البرلمان الأوروبي المفوضية الأوروبية الآن بوضع شرودر على قائمة عقوبات الاتحاد الأوروبي، جنبا إلى جنب مع غيره من الأوروبيين الذين ظلوا تابعين لشركات روسية مملوكة للدولة. وفي التاسع عشر من مايو/أيار، ألغت لجنة الميزانية في البوندستاج (مجلس العموم الألماني)، امتياز ما بعد شغل منصب المستشار الذي سمح لشرودر بإدارة مكتب كامل الموظفين، والذي يُـعَـد منحة تكلف دافعي الضرائب الألمان أكثر من 400 ألف يورو (429 ألف دولار أميركي) سنويا، مع أقل القليل من الأشراف الواضح على كيفية إنفاق هذه الأموال. ولا يزال من المرجح أن يأتي المزيد من ردود الفعل، بما في ذلك ــ ربما ــ طرد شرودر من الحزب الديمقراطي الاجتماعي.

الواقع أن شرودر مثال سيء بشكل خاص لمشكلة أكبر كثيرا: الباب الدوار بين السياسة والأعمال. لقد استقال العشرات من المواطنين الأوروبيين من مجالس إدارات شركات روسية عندما أقدمت روسيا على غزو أوكرانيا في فبراير/شباط، وبينهم مستشار سابق للنمسا، ورئيس وزراء إيطالي سابق، ورئيس وزراء فنلندي سابق.

إن تحديد ما إذا كان من اللائق، ومتى يكون من اللائق، أن يسعى ساسة سابقون إلى الحصول على فرص عمل مربحة مسألة ذات أهمية جوهرية للأنظمة الديمقراطية. مع ذلك، من اللافت للنظر أن قِـلة من البلدان لديها قواعد صريحة بشأن هذه المسألة. برغم أن العديد من البلدان تُـلزِم الموظفين العموميين بالتخلي عن مناصبهم في الأعمال التجارية أو عزل حصصهم أثناء وجودهم في مناصبهم، فإنها تلتزم الصمت بشأن ما يعتبر سلوكا لائقا بعد أن يترك المسؤول منصبه.

يقدم قانون منظمات الأعمال بعض التلميحات المثيرة للاهتمام في ما يتصل بمعالجة هذه القضية. يعتبر مديرو الشركات وأعضاء مجالس الإدارة أوصياء، وتخضع تصرفاتهم لمعايير الرعاية والولاء. في الكلمات التي لا تُـنسى والتي جاءت على لسان رئيس المحكمة العليا الأميركية بنيامين كاردوزو من حقبة ثلاثينيات القرن العشرين: "الوصي ملتزم بشيء أكثر صرامة من أخلاق السوق. ليس الصدق وحده، بل شكليات الشرف الأكثر حساسية هي إذن التي تشكل معيار السلوك". من خلال فرض مبادئ "الولاء الكامل" فقط، كما اقترح كاردوزو، تُـصبِـح المحاكم قادرة على منع "التآكل المفسد" وضمان تناغم سلوك الأوصياء المؤتمنين مع "مستوى أعلى من ذلك الذي اعتاد عليه عامة الناس".

لم يكن تحذير كاردوزو موضع انتباه واهتمام دائما. أصدرت المحاكم قرارات استثنائية على أساس كل حالة على حِـدة، وفي بعض الأحيان أعفت الهيئات التشريعية فئات كاملة من واجبات الوصي المؤتمن من المسؤولية، على الأقل إذا كانت الشركة راغبة في ذلك. بموجب قانون ديلاوير (القانون المفضل لتأسيس الشركات في الولايات المتحدة)، بوسع الشركات أن تعفي مسؤوليها ومديريها من المسؤولية عن استغلال فرصة عملهم في الشركات لمصلحتهم، شريطة أن تجعل مواثيق الشركة التي يعملون بها هذا الخيار واضحا.

لكن في حالة عدم موافقة مجلس إدارة أي شركة، لا يجوز للمديرين أن يستفيدوا شخصيا من أخذ شيء يخص الشركة. تأسس هذا المبدأ في قضية ترتبط بشركة بيبسي كولا في عام 1939. عندما علم تشارلز جوث، رئيس شركة الحلوى "لوفت" بشأن الفرصة للحصول على وصفة بيبسي السرية، لم يتردد في اغتنامها. لكنه لم يفعل ذلك لصالح شركة لوفت حيث كان يعمل كوكيل، بل لصالح شركته الخاصة. ودون أن يخبر أي شخص، استخدم موارد شركة لوفت وطاقمها من العاملين لإنتاج مشروب جديد.

لم ينج سلوك جوث من اختبار الشم في المحكمة. ومثله كمثل جوث، خلط شرودر بين التزاماته كموظف عمومي ومصالحه المالية الخاصة. فقد شغل وظيفة مربحة في شركة استفادت من قراراته كمستشار. ومن الواضح أن حقيقة كونه خارج المنصب العام عندما قبل عرض شركة جازبروم عديمة الصِـلة. لا تنتهي واجبات الوكيل في اللحظة التي يترك فيها منصبه. بل إنها تمتد في الزمن لصالح صاحب الأمر، وهو في هذه الحالة الشعب الألماني.

إن السلوك الخاطئ إذا ارتكبه المؤتمن في عالم الأعمال من غير الممكن أن يُـعَـد لائقا إذا ارتكبه سياسي أو أي وصي عام آخر. في الأغلب الأعم، يجب أن تنطبق فكرة كاردوزو حول "الشيء الأكثر صرامة من أخلاق السوق" على الساسة بقدر أكبر من القوة.

ربما يكون من الواجب على المستشار الألماني أولاف شولتز أن يعيد النظر في الجهود الشخصية التي يبذلها لحماية شرودر من أن يضاف إلى قائمة عقوبات الاتحاد الأوروبي. في قضية شركة بيبسي، اضطر جوث في النهاية إلى تسليم أسهم شركته الخاصة إلى شركة لوفت، أو صاحب الشأن الذي تضرر بسبب إخلال جوث بواجباته. وعلى هذا، لا يبدو من قبيل الخيال أو غير المعقول حرمان مستشار سابق من فوائد الثروات الشخصية التي جمعها من خلال انتهاك ثقة الناس الذين تعهد بخدمتهم.

* كاتارينا بيستور، أستاذ القانون المقارن في كلية الحقوق بجامعة كولومبيا، مؤلفة كتاب "قانون رأس المال: كيف يخلق القانون الثروة وعدم المساواة
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق