فايروس كورونا أحدث صدمة كبيرة اجتماعية ونفسية واقتصادية وسياسية، وسيكون له تأثير كبير على شكل العالم القادم لكونه صنع موجة عالمية شاملة.

برأيكم كيف سيكون العالم بعد كورونا؟ هل سيؤدي الى مزيد من الترابط او الانكفاء؟ هل سيزداد التضامن الإنساني ام ستترسخ الأنانية؟ هل ستكون هناك ثقة بالآخر ام الشك سيسيطر؟ هل سينتج نظاما عالميا جديدا ام يعود الى عصور ما قبل الحداثة؟

الدكتور خالد العرداوي:

من المبكر الحديث عن عالم ما بعد كورونا، لأن ذلك غير ممكن إدراكه بشكل كامل الان ويتوقف بصورة مباشرة على مدة بقاء الوباء ومقدار الخسائر البشرية المترتبة عليه، ومدى انتشاره، ولكن من الامور شبه المؤكدة ان العالم بعد هذا الوباء لن يكون كما هو عليه اليوم، فالاقتصاد العالمي من أكبر المتضررين من الوباء، وقد يدفع الانهيار الاقتصادي في لحظة ما الى تصاعد حجم العنف الدولي الى درجة اندلاع الحروب الكبيرة. من جهة أخرى.

التأثيرات الاقتصادية محليا، لاسيما في الدول النامية، ستكون كارثية الى درجة تصاعد معدلات البطالة والجريمة والتطرف والعنف، فضلا عن تنامي الإرهاب وتنظيماته، بسبب توافر الظروف المغذية، ولن يتمكن الاقتصاد العالمي من تجاوز تأثيرات كورونا السلبية سريعا.

اما على المستوى الصحي، فأعتقد ان كورونا يمثل صدمة للبشرية ولغرورها التكنولوجي، لذا ستعيد جميع دول العالم النظر في حساباتها، وتطور أنظمتها الصحية لجعلها اكثر استعدادا واستجابة لحالات مستقبلية شبيهة بكورونا او أشد فتكا منه.

تعليميا ستبدأ الأنظمة التعليمية عبر العالم بتطوير أدواتها، بما يجعل التعليم عن بعد أكثر كفاءة وتطورا، هي اليوم في بداية استجابتها لهذا الاسلوب، ولكن قطعا ستبدأ كل دول العالم بالاستعداد لحالات مشابهة، ولكن هذا الأمر لا يخلو من المخاطر، فهو يعتمد على استمرار شبكات الانترنيت والطاقة الكهربائية، إلا أن السؤال هو ما مصير التعلم عن بعد لو تعرضت هذه الى الانقطاع والتدمير او التعطيل؟ اعتقد سيحكم ذلك على طريقة التعلم عن بعد بالفشل. مع ذلك سيشهد النظام التعليمي عبر العالم اعادة نظر فيه ليكون اكثر استجابة للتهديدات غير المتوقعة.

ثقافيا، ستعيد كورونا نظر الشعوب بثقافاتها وتقاليدها السائدة، وسنرى عادات وتقاليد تختفي وتولد غيرها تكون أكثر تحفظا من الآخر او اكثر وقاية من مخاطر الغير، وهذا أمر جديد ربما لم تألفه البشرية من قبل، كما ستتعرض بعض الطقوس الى اعادة تقييم لجدواها او استجابتها لمقتضيات العلم والحاجات البشرية، كما سيتعرض بعض رموزها الى الاستهداف بشكل او آخر.

لكن ذلك لن يعني قطيعة عالمية بين البشر، بل سيتولد إدراك جديد ان البشر اكثر تقاربا من بعضهم، وأنهم بحاجة الى تضامن وتعاون اكثر لمواجهة التهديدات التي تواجه الجنس البشري، نعم قد يحصل تقاطع بين سياسات الهيمنة للحكومات ومشاعر التضامن بين الشعوب في هذه المرحلة الا ان النتيجة ستكون ان العالم بحاجة الى نظام عالمي يكون اكثر اهتماما بحاجات البشر الأساسية واكثر استجابة للحفاظ على سلامة الكرة الأرضية لتستمر بالعطاء لمصلحة سكانها.

يبدو ان ما نحن مقبلين عليه يتطلب اعادة النظر في الخطاب السياسي والديني العالمي ليكون أكثر إنسانية وأكثر واقعية، إلا أن الصعوبات الاقتصادية والحياتية قد تخلق ظروفا تجعل الصراع والعنف أقرب الحلول لدعاة الهيمنة والعداء مع الآخر.

معادلة صعبة حقا، ستزداد تعقيداتها مع قدوم كوارث جديدة تجعل الناس اكثر حاجة إلى أنبياء جدد او مصلحين عالميين لديهم القدرة على مساعدة البشرية في المستقبل المجهول الذي هي مقبلة عليه.

الدكتور محمد سعيد الشكرجي:

اعتقد ان العالم لن يتغير من حيث جوهر العلاقة بين الدول والقائمة على استغلال الأقوياء للضعفاء. ولكن يجب رصد التطورات فقد تحمل ما يمهد لتغيير مهم في المستقبل.

اعتقد ان أغلبية الدول ستبقى في علاقاتها على أساس المصالح، والقلة من الدول ستتجه الى الانكفاء بدون ان تنجح في ذلك فوسائل الاتصال وغيرها ستبطل محاولات الانكفاء.. الانانية ستكون الغالبة ويستمر الوضع الدولي قائم على الاحتراب.

السؤال الأخير مهم جداً: لن يحصل تغيير في طبيعة النظام العالمي الا اذا تم القضاء على النظام الرأسمالي المالي وتكييف الرأسمال الصناعي مع مطالب الديمقراطية وسعادة الشعوب، وهذه الشعوب تريد تطبيق نظام ديمقراطي بدون تلوث رأسمالي. وهذا غير متوقع الا برحمة إلهية او بظهور المهدي (ع)، نعم هناك قوى اجتماعية تنحو الى تقويض النظام الحالي، كالخضر والمدافعين عن البيئة ولكنها لن تتوصل في المستقبل المنظور الى تغيير حقيقي.. كما قلت الا برحمة الله وبحصول تغيرات طبيعية وغيرها..

الدكتور اسعد كاظم شبيب:

قراءة واقع العالم بعد وباء كورونا، يمكن تحديده من خلال الجوانب الآتية:

الجانب الإنساني: بعد ان ضرب الفايروس كل دول العالم ووصفته بعد ذلك منظمة الصحة العالمية بانه أسوء وباء عالمي، سيقدم العالم والشعبي على وجه الخصوص على التفكير جديا بتقديم خيارات الجانب الإنساني على الجوانب الأخرى لاسيما المادية منها التي فرضت نفسها في العقود الاخيرة على كل مجريات ومنها الصحي البشري، فيما تبقى الشركات العابرة للحدود المسيطرة على الشركات العلاجية والمختبرية تتاجر بأرواح البشر من اجل الكسب المادي بعد اختراع العلاجات، بل إن الولايات المتحدة تحاول في هذه الأوقات ان تحتكر اختراع علاج كورونا كمحاولة الالمان التي اعلنت عنها المستشارة ميركل.

الجانب الديني: يبرز هذا الجانب في ظل المحن الكونية التي تهدد حياة الناس ويلجأ إليه الناس بكثرة في هذا الأوقات، لكن مرحلة ما بعد كورونا سيتقدم الدين على المنظومات الأخرى لاسيما المادية والوضعية والمنظومات المناهضة للدين كالعلمانية الملحدة، وهذا الرأي يؤيده دعوات رجال الدولة والدين في اغلب البلدان ومنها الولايات المتحدة، وإيطاليا.

الجانب السياسي: قد تفرز لنا المرحلة المقبلة اذا ما استطعت المحاور الدولية ذات القوى الاقتصادية والتنموية الناهضة كالصين من هزيمة الفايروس قبل غيرها وحرف انتشار المرض في بلدانهم، اذا ان الصين على سبيل المثال اول دولة ضربها الفايروس بصورة مريعة والعالم كان يتوقع سقوط بنيتها الاقتصادية والصحية، لكن المعجزة الصينية التي حققتها الصين لغاية الآن بمدة قصيرة جدا في السيطرة على الفايروس يثبت مدى قوتها التنظيمية مؤسساتيا. وبذلك فان السيطرة على الفايروس سوف لا يعزز نموها داخليا فقط وانما تحاول الصين تصدير ذلك النجاح بصورته الشمولية إلى دول العالم الأخرى والاخص تلك التي تصنف على المحور الغربي.

الدكتور محمد مسلم الحسيني:

أهم عبرة مستحصلة من هذا الوباء هو حقيقة التناقض في الأولويات وعدم التمييز بين الواجب والمستحب. ترك المسؤول الواجب والتمسك بالمستحب وهكذا أقول:

وباء كورونا الجديد هو وباء مجتمعي بإمتياز! ينقله المجتمع وينشره الجهل ويقضى عليه بالوعي!. حينما ينهض العالم من أزمته ستراجع البشرية حالتها وتفهم حقيقتها وتدرك هشاشة وجودها وضعف كيانها!. بادئ ذي بدء، ستسأل الشعوب حكامها: أنتم المتقهقرون أمام عدو بائس غير منظور، يا من صنعتم عابرات القارات وغواصات البحر وناطحات السحاب... وحصنتم بعضكم ضد بعض فأخذتكم مجسات العظمة وغزاكم شبق الجبروت، وأنتم قادرون أن تتعايشوا مع بعضكم بروابط المودة والمحبة والإخاء! لكنكم فشلتم بالتصدي لأصغر مخلوق على الأرض فلم تنفعكم تقنياتكم التي وجهتموها على غير ما يجب ويكون...

نعم ستعلن ساعة الحقيقة وستطلب الشعوب إجابات مسؤوليها الذين كذبوا حينما تهاونوا أمام عدو حقيقي مارق أمامهم فولوا ظهورهم للحقيقة واتجهوا صوب الضلالة والوهم!. الحقائق أظهرت بأن جل إهتمام أكثر حكومات الغرب منصب على المادة والإقتصاد حتى انقلب السحر على الساحر ففقدوا أضعافا مضاعفة مقابل الحيطة والحذر.

بلدان تصنع الطائرات لكن أطباؤها لا يملكون الكمامات الوقائية أمام الوباء!! بلدان تبيع المدافع والراجمات لكنها أخفقت أن تصنع محاليل الكشف والتشخيص عن الوباء!.... بلدان أبحرت في البحث في الفضاء فوصلت المريخ لكنها تقاعست عن أن تبحث عن لقاح جاهز لعدو جديد محتمل!!... نعم سيكون لهذا الوباء دروس ومعاني وعبر وستتم مراجعة النفس ومحاكمة المسؤول وكشف الحقائق!! وحينما ستعي الشعوب ستفهم كيف تختار ممثليها!

رأيت تقاعسا عجيبا غريبا حصل للتصدي بالمراحل الأولى للوباء في أرقى دول العالم. ففهمت أن العامل المادي يعمي العيون ويشل الأفكار حتى يصبح الثمن غاليا يدفعه الأبرياء!!!.... أوربا تفاعلت بشكل خاطىء جدا أمام الوباء في التعامل الصحيح أمام ما يجب أن يحصل في المراحل الأولى للتصدي للوباء فاستشرى بها الداء وتفاعلت بعد فوات الأوان وهذا خطأ لا يبرره تبرير!.

الدكتور سليم كاطع:

الفايروس وانتشاره لا يمثل توجها معينا او جهة محددة مسبقا، بل هو فايروس يمكن وصفه بأنه عابر للحدود القومية للدول، وعابر للطوائف والقوميات والاعراف، ولم يستثن أحدا، وهو ما يؤشر الى تداعياته الخطيرة على صعيد النظام العالمي من خلال انهيار وتراجع دول على حساب أخرى، من ناحية، ويؤشر كذلك لحظة ضعف بشري بامتياز لمواجهته، إذ وقفت امكانات البشرية على الرغم من التطور والتقدم العلمي والتكنولوجي من التصدي له مجتمعة او منفردة.

إن خاصية فايروس كورونا كونه عابرا للحدود، جعلت منه تهديدا حقيقيا وخطيرا لا يستثني منه احد، وهو ما يعني بروز تداعيات لاحقة لهذا التهديد يمكن إبراز بعض منها:

١. ان بروز أزمة فايروس كورونا وانتشاره عالميا شكل انقلابا على المفاهيم والمنظومة الأخلاقية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي جاءت بها العولمة، من خلال تراجع فكرة اضمحلال الحدود القومية بين الدول واعادة تشكيل الحدود من جديد نتيجة قيام الدول بإغلاق حدودها ووقف حركة التنقل منها واليها، ووقف التبادلات التجارية بحيث أصبحت الدول معزولة عن غيرها من الدول الأخرى. ولعل تجربة الاتحاد الأوربي خير مثال على ذلك، عبر توجه دول الاتحاد نحو حدودها القومية واغلاقها.

٢. لا يمكن استبعاد إمكانية إعادة النظر في النظام الاقتصادي العالمي والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتبعة والتي ارتكزت على اعتبارات مصلحية نفعية بعيدة كل البعد عن الاعتبارات الإنسانية، والانطلاق نحو التعامل مع البشرية وفقا للمبادئ الإنسانية السامية والابتعاد عن الأنانية والاستغلال من قبل الدول الغنية على حساب الشعوب والدول الفقيرة، ولعل ذلك يؤشر في مرحلة لاحقة تراجع العولمة بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتي حولت الإنسان إلى مجرد سلعة تبادلية في السوق الاستهلاكي العالمي القائم على السباق والاحتكار والعقوبات على حساب مصلحة الإنسان والحرية والعيش الكريم.

٣. إن انغلاق الدول نحو الداخل، وغلق حدودها مع الآخرين يؤشر في المستقبل إمكانية إحلال وعودة المكانة المفقودة والاعتبار للإنتاج الوطني المحلي بدلا عن الإنتاج العالمي الذي أصبح عامل قلق وعدم ثقة من قبل الجميع، وهو ما يعني منح استقلالية اكبر للمنتج الوطني وتدعيمه مقارنة بالاقتصاد العالمي ولا سيما على صعيد الدول محدودة القدرات، عبر تنشيط امكانات ومصانع الدول داخل حدودها وتعزيز فكرة الإنتاج الوطني، مما يعني كسر حاجز الاستيراد الخارجي والاعتماد على الداخل.

٤. كشف انتشار الفايروس مدى الضعف والقصور لدى المؤسسات الدولية في مواجهة الحالات الطارئة ولاسيما الصحية منها، مما يؤشر ان الدول وقت الأزمات والمحن تعود إلى الداخل لحماية نفسها والتعامل مع الواقع من خلال اتخاذ تدابير ذاتية دون الحاجة إلى تفعيل آليات التنسيق مع الآخرين، وهو ما عكسه كيفية التعامل مع الفايروس على المستوى العالمي. كما يؤشر من ناحية أخرى ان الدول الفقيرة بحاجة إلى بناء اقتصاد متطور والحاجة إلى تنمية اجتماعية وصحية شاملة لمواجهة المخاطر الطبيعية والاوبئة حفاظا على حياة الإنسان.

الدكتور حسن السوداني:

كيف سيكون العالم بعد كورونا؟ سؤال يتم تداوله كثيرا لدى ملايين الاحياء في كوكب الارض ويسمح لدخول مئات التفسيرات بأصنافها الخيالية والواقعية وما بينهما من الدرجات اللونية! وحتى لا اذهب انا ايضا الى الانغماس في مخيال كتاب الادب التنبؤي وعلى راسهم جورج اوريل الذي استهدفه النقاد كونه من شرع جديا بتصور المستقبل عبر روايته الشهيرة العام 1984 والتي كتبها هو عام 1948 وهي رواية ديستوبية تتحدث عن عالم فاسد تسوده القيم الاستهلاكية وتقوده الاحزاب الشمولية التي تنأى بعيدا عن القيم الانسانية. الا ان قراءة المستقبل القريب خرج من دائرة التكهنات الى دائرة التخطيط المبني وفقا لحسابات التصور متعدد الاحتمالات.

ولو رجعنا قليلا للأيام التي سبقت شيوع اخبار جائحة كورونا لوجدنا تصدر اخبار اليمين المتطرف عناوين الاخبار في الدول الاوربية ناهيك عن تسيدها اصلا في الاعلام الامريكي الذي يتراسه رمز التطرف العالمي (ترامب) وترتكز اطروحات اليمين الذي يقود معظم الحكومات الاوربية اليوم على فكرة الاقتصاد القومي ومشكلة توزيعه على المواطن (الاصلي) مستهدفين بذلك نسف فكرة الهجرة والمهاجرين الذي يشكل عددهم في المجتمعات الاوربية وفقا لوسائل إعلام تناقلت بأسلوب مثير للمخاوف تقرير حديث للأمم المتحدة يشير إلى أن "عدد المهاجرين الدوليين ارتفع بنسبة 41% منذ عام 2000 ليبلغ 244 مليون على الصعيد العالمي".

في الوقت ذاته بدأت ذات القوى اليمينية من تداول مفهوم (المجتمعات الموازية) Parallellsamhälle وهو مصطلح صاغة الباحث الالماني فيلهلم هيتمير في عام 1996 لظاهرة أن المسلمين أو الأتراك يميلون إلى العيش في مجموعات منفصلة في المجتمع، ويشير المجتمع الموازي إلى مجتمع منفصل داخل مجتمع آخر، جيب مادي وثقافي، وعادةً ما يشير إلى الفئات المهمشة حسب مكان الإقامة الذين يختارون الوقوف خارج المجتمع التقليدي ونظامه المعياري، أو بالأحرى خارج "الثقافة الأوروبية الرائدة" multiculturalism ومع ذلك، قد يشير إلى الفصل الطوعي أو أكثر أو أقل قسراً لهذه المجموعة.

هذه الطروحات بدأت بالتزايد منذ عام 2012 وتتداولها صحف اليمين الاوربي مركز وممهدة لما يعرف بسياسة (البلدوزر) التي تريد هدم المجتمعات السكنية التي تعيش فيها اغلبية مهاجرة للتخلص بما يطلقون عليه بالمجتمعات الموازية، هذه الحكومات نفسها هي التي تقود هذه الدول في هذه الفترة التي تتسيدها جائحة كورنا، بمعنى اخر هي التي تملك الاقتصاد الذي يلعب الدور الرئيسي في وقت الازمات وسط تراجع بقية المكونات الحياتية الثقافية والاجتماعية والانسانية الاخرى، تلك المكونات التي تسير الاقتصاد في اوقات السلم وليس العكس، هنا تكمن الخطورة في عودة افكار مالتوس الاقتصادية السوداء التي تعرضت لنقد الكثير من الكتاب والأدباء لكنها ظلت معتمدة لفترة طويلة بين الاقتصاديين في العالم، وأدت إلى حدوث كوارث إنسانية، حيث اتخذت مبررا للإبادة الجماعية لكثير من الشعوب.

المعترضون على هذه النظرية سوف لن يصغي العالم لهم الان وهم منشغلون بالوقاية من الجائحة ذاتها وسيترك الامر فعليا لهذه القوى في تيسير الامور وهو ما يعني ان ما بعد كورنا سيكون لهذه القوى التي تركز الان على ما يلي:

التعويضات الاقتصادية للسكان المتضررين من الجائحة

تعطيل العمل في اغلب المرافق الحياتية حفاظا على سلامة الناس

حجر الناس في البيوت حفاظا على سلامتهم

غلق الحدود المحلية والدولية بحجة منع انتشار الفايروس

كل هذه النقاط تصب تماما في سياسات الاحزاب اليمينة المتطرفة وهي جزء من برامجهم الانتخابية وتبدو للقارئ انها برامج عظيمة في ظاهرها غير انها برامج خادعة ومضللة في الواقع، فكل هذه النقاط كان المواطن الاوربي قد دفعها من راتبه اصلا عبر سنوات طويلة من عمله، فمعظم الدول الاوربية تخصم نسب تتراوح بين 30 الى 48 بالمائة من رواتب الموظفين طيلة فترة عملهم وبالتالي فما يقدمونه له الان ليس الا بعض المخزونات المالية التي استقطعوها اصلا من راتبه، ومع ذلك فقد صدرت تعليمات بتسريح الاف العاملين في الكثير من القطاعات بحجة عدم وجود حاجة اليهم الان ودعمهم من صندوق التعويضات بنسب بخصومات كبيرة من رواتبهم.

في الوقت ذاته ليس هناك اي صوت معارض لهذه الحكومات لان الجهود منصبة في معالجة الوباء ولا مجال للنقاش الان!! هذا ينطبق على العالم الثالث بأسوء ما يمكن تصوره، فالحكومات هناك تعاني من شيوع الفساد بكل انواعه وهي تحكم بقبضة من حديد لقمع كل صوت يحاول كشف ذلك وجائحة كورونا اعطتهم فرصة ذهبية لتحسين صورتهم المتهرئة من الظلم والفساد وتحولهم الى ملائكة رحمة جاؤوا لإنقاذ شعوبهم.

ويبقى السؤال الاكثر اهمية هنا: هل سيكون العالم اجمل ام اسوأ بعد جائحة كورونا؟ والجواب وفقا للمعطيات اعلاه محسوم للاسوء رغم ان هذه الحقيقة لا تعجب الكثيرين ممن يؤمنوا بالنهايات السعيدة لأفلام هوليود التي مهدت عبر سنوات طوال الى هذه الفترة بكل تفاصيلها المروعة.

البرفيسور الدكتور حيدر اليعقوبي:

ظاهرة كورونا ذات دوافع سياسية إقتصادية مجتمعة أشرنا إليها من وقت قريب –اللحظات الأولى لظهورها- للتلاعب في إقتصاد العالم بدلا من إقتصاد دول..

لما أن الإقتصادي السياسي قائم على تفاعل وحاجة الأفراد والمجتمعات، مما أبتكر في الآونة الأخيرة عامل محرك ودافع للأفراد بدل المجتمعات، فصار فايروس كورونا ظاهرا على السطح. ومن الملاحظة الذكية المسمى بالمتجدد أي المبتكر عن سابقاته من الفايروسات الذي يحاكي الأفراد بدلا الجماعات.

لاشك أن الأفراد والجماعات الصغيرة اليوم بعد تمسكها بالدنيا والإنغماس بملذاتها فهي حريصة كلَّ الحرص بتشبثها بالحياة والحاجة إلى المتعة بالحياة، وهنا صار الفايروس المهدد للصحة الشخصية عامل مرعب للذات، لأنه يضيق الحريات المنفتحة، ويعطل الإستمتاع الذي طبع عليه. واضيف اليه عامل الإشاعة الهادفة الى فقدان الحياة.. والرحيل عن الارتباطات الدنيوية مما اصاب الناس جميعا حالات من الهلع اسميه (هلع الاصابة) وهذا الهلع سيقودوننا يوما إلى هستيريا جماعية.

ان هلع الإصابة الفيروسية بات يتسم من داخل الذات ومن خارجها أيضا، من خارجها تمثلت بحالات الشك والابتعاد والنفرة الاجتماعية فقطعت لدينا العلاقات التقاربية بين الأشخاص الاقارب والاخوة والجيرة..

ومن داخل الذات انتجت حالات من الخوف الارقي والوسوسة الذاتية من الاصابة بمجرد التغيرات الحادثة في الصحة العامة والبسيطة منها.

ان ذلك يساعد بالنتيجة على ارباك الذات وطبيعة الشخصية الاجتماعية فيجعلها ذات منقادة بشكل جمعي غير واع.

وهنالك امر اخر وهو الاهم من وراء هذه الظاهرة وهو التمهيد للرعب الاكبر الذي يجعل الافراد والمجتمعات منحصرة عن المواجهة وهنا ينكشف حجم المؤامرة الصحية العامة.

ومن المستغرب العلمي ان كافة الجامعات العالمية ومختبرات الفحص الطبي تشير الى العجز العلمي عن إيجاد عقار مناسب له، وهذا امر يتناقض ومنتوجاتها العلمية والتطورية التي نعرفها عنه مما يزيد شكنا النفسي والاجتماعي في تدبير هذه المخططات العالمية.

ان المضاد لهذه الظاهرة برؤيتنا العلمية هو ليس كورنا فايروس فهنالك ماهو قادم لخنوع الذات وبالتالي خنوع الشعوب، انما الايمان بالله كما صرحنا من قبل ونصرح به الان هو عامل قوي في تماسك الذات في ظل هذه الفتنة الصحية والحفاظ على النظام الاجتماعي الديني من جانب اخر، وبغير ذلك فالناس سينمطون على سلوك إجتماعي واحد يديرها من حيث لاتشعر.

الدكتور احمد عدنان الميالي:

١- ازمة كورنا تهدد الان العولمة والاقتصاد وتفتح مايمكن وصفه انتهاء سيادتها وقد ينتهي ذلك بكارثة دولية.

٢-هذه الازمة اصعب من الازمات التي خلفها سارس وإنفلونزا الطيور وايبولا والكوليرا والملاريا وغيرها من الأمراض والأوبئة التي عُرفت في العقود الأخيرة وقد تكون مخلفاتها اكثر تعقيدا وضررا من الازمة المالية التي حدثت عام ٢٠٠٨.

٣- اثبت هذا الوباء فعلا أن العالم قرية صغيرة بعد ان وضع العالم حكومات وشعوب وشركات أمام تحدٍّ تصعب مواجهته بالسرعة اللازمة، خاصة للدول ذات البنى التحتية الضعيفة وغير المجهزة بالمستلزمات الصحية وغيرها من احتياجات ومتطلبات الوقاية والسيطرة على المرض.

٤- انتشر الوباء بكل دول العالم تقريبا بشكل متسارع وبلغت الخسائر الاقتصادية الأوليّة بحدود ٥ تريليون دولار، وقد ترتفع اكثر، في ضوء عدم وجود توقعات زمنية لاحتواء الفيروس فليس هناك ادلة علمية قاطعة لكيفية مواجهة الفيروس وكيفية انحساره، مع ذلك فان هنالك إجراءات في الصين للحد منه وتقليص ضحاياه وسجلت نتائج إيجابية، إلا أنه لا يزال من الصعب القياس عليها، خاصة الانتشار السريع في إيران وكوريا الجنوبية وإيطاليا، والان في مصر والعراق ودول الخليج.

٥- هذا القلق والتحوّط ادى وسيؤدي إلى إلغاء الكثير من الفعاليات الاقتصادية والسياحية والرياضية وحتى السياسية والفنية، مما سينعكس على الأنشطة الدولية والمحلية وحتى الفردية، مما سيشكّل انعكاسات اقتصادية تؤشر إلى ظهور تغييرات قسرية ومفاجئة وداهمة على الحياة العامة.

٦- هذا يجعلنا نقارن بين النتائج التي يخلفها الوباء بشكل اقرب الى النتائج التي تخلفها الحروب، فإلغاء صلاة الجمعة في العراق وايران والعمرة في مكة و تأجيل تصفيات كأس العالم وامم اسيا من قبل الفيفا واحتمال إلغاء الألعاب الأولمبية في اليابان واعتبار المصافحة بين شخصين سلاح قاتل، لايمكن توقعها إلا في حالات الحرب وليس بسبب فيروس، بعض شعوب الدول انتقلت من الحذر إلى الهلع لدى ظهور الإصابة الأولى وبعضها لم تكترث كثيرا كالعراق مثلا والبعض ادخلها في خانة التسييس او نظرية المؤامرة ومحاولة تحميل واشنطن تبعات تصنيع هذا الفيروس واستخدامه في حرب حروب بيولوجية ضد الصين وايران..

الدكتور حسين احمد السرحان:

(على دول العالم ان تكون اكثر تضامنا لمواجهة فايروس كورونا)، بهذه العبارة افتتحت الامم المتحدة خطابها تجاه الدول في ظل مواجهة فايروس كورونا الذي وضع ملايين الناس تحت الحجر الصحي، ووصل الفايروس الى مقرات الحكومات وبدا يشكل حالة فريدة يشهدها النظام العالمي، وانكشفت فيها الأنظمة الصحية وعدم إمكانيتها في مواجهة المرض حتى في الدول المتقدمة. ارى ان التضامن سيكون سمة النظام العالمي بعد فايروس كورونا "التضامن استعدادا لازمات متوقعة"، ومع تأكيد بومبيو في مؤتمره الصحفي في اطار خلية الازمة التي شكلتها الادارة الاميركية من "ان الولايات المتحدة ستبقى على دورها العالمي"، الا ان ذلك لايعني امكانية استمرار الدور الاميركي على حاله قبل كورونا. فتكاليف المواجهة في الداخل الاميركي باتت ترتفع وتشكل عبء على الادارة الاميركية وهي بتزايد مستمر.

من جانب اخر وعلى المستوى الاقتصادي، كشف الفايروس ان الاقتصادات الليبرالية باتت بحاجة لتدخل الدولة أي دعم بعض القطاعات وفي مقدمتها قطاع الصحة وقريبا سيتطلب الاقتصاد دعم قطاع الانتاج ولاسيما مع اقرار قوانين الدفاع الوطني في دول عدة كالولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية. وهذا يعني ضرورة ان يكون دور اكبر للدولة في الاقتصاد.

Achraf Bouksim
Maroc
مقال مفيد بين فيه الكاتب فرضيات ممكنة الحدوث في المستقبل وكيف أثر هذا الفيروس في العالم لا من الناحية الإقتصادية و السياسية والإجتماعية. وبين كيف عجزت الدول العظمى كما يزعمون عن عجزهم عن إحتواء هذا الوباء لا من الناحية التدبيرية للحكومات و الناحية التوعوية للمجتمع. وهذا المقال صراحة أعجني كثيرا فاستمتعت واستفدت من قرائته. وفي الختام أوجه تحية للكاتب. حياك الله2020-03-30
انقر لاضافة تعليق