جان فيرنر مولر

برينستون - مع تفاقم أزمة فنزويلا، يشير المحافظون في الولايات المتحدة وغيرها بابتهاج إلى كارثة التشافيزية للتحذير من مخاطر "الاشتراكية". ونظرا لتصدع حزب بوديموس اليساري في إسبانيا وخسارة حزب سيريزا في اليونان لشعبيته بشكل مضطرد منذ عام 2015، فإن حتى المراقين المحايدين ربما يخلصون إلى أن "المد الوردي" للشعبوية اليسارية يقترب من الانحسار التام.

لكن مثل هذه التقييمات تخلط بين ظواهر سياسية لا تجمع بينها أي روابط قوية. والبرنامج الوحيد الذي زعم أنه يمثل "الشعب" على وجه القصر، في حين أعلن عدم شرعية كل معارضة لما يسمى "اشتراكية القرن الحادي والعشرين" هو التشافيزية، التي تشكل في واقع الأمر تهديدا واضحا للديمقراطية. لكن التشافيزية تمثل إيديولوجية يسارية خاصة أقحمت على إطار يشترك فيه جميع الشعبويين.

في نهاية المطاف، يقدم الشعبويون من اليسار واليمين أنفسهم بوصفهم الممثلين لشعب متجانس وفاضل وكادح. وهم يصورون جميع المنافسين الآخرين على السلطة على أنهم فاسدون، وكل المواطنين الذين لا يدعمونهم على أنهم خونة. وسياستهم ليست مناهضة للنخبوية فحسب، بل إنها تعادي التعددية أيضا.

في المقابل، ينبغي لنا أن نفهم الأشكال المعاصرة الأخرى من الشعبوية اليسارية المزعومة على أنها محاولات لإعادة اختراع الديمقراطية الاجتماعية. وتُدار هذه الجهود ضمن حدود التعددية الديمقراطية (وإن كانت بعض هذه المحاولات تقاوم التعددية الديمقراطية على نحو مثير للقلق: فكان حزب سيريزا مذنبا بمحاولة تقويض استقلال المحاكم ووسائل الإعلام الحرة). وحيثما نجحت هذه المحاولات واحترمت قواعد اللعبة الديمقراطية، فقد تمكنت من خلق اختيارات جديدة للمواطنين، فاستعادت بالتالي حِس التمثيل السياسي الذي فُقِد.

كانت ردة الفعل الانعكاسية إزاء هذه الأحزاب متمثلة في رفضها تلقائيا باعتبارها "مناهضة للنظام"، وهي بالتالي تشكل جزءا من المشكلة. لكن وجهة النظر الكسولة هذه تعيدنا إلى الوراء، تماما كما يفعل الرأي القائل بأن "الشعب" في كل مكان يطالب بأشكال أكثر استقطابا وعاطفية من السياسة. وقد حققت هذه الأحزاب والحركات مكاسب سياسية وانتخابية، ليس لأنها "شعبوية"، ناهيك عن كونها راغبة في تقويض الديمقراطية، ولكن لأنها تقدم شيئا يساريا بلا جدال.

يطرح الرواد من مفكري اليسارية الشعبوية اليوم بعض الادعاءات حول استراتيجيتهم السياسية. فهم يزعمون أولا أن الشعبوية تملأ الفراغ الذي تركه اليسار التقليدي عندما تقارب مع اليمين لإنتاج شكل من أشكال السياسة وصفته في أوائل القرن الحادي والعشرين المنظرة السياسية شانتال موف، وهي مستشارة حزب بوديموس وحزب "فرنسا الأبية"، بأنه "ما بعد الديمقراطية". وعندما تبني الديمقراطيون الاجتماعيون في مختلف أنحاء الغرب وسطية الطريق الثالث ــ أو "التاتشرية بوجه إنساني" ــ لم يعد أمام المواطنين فرصة حقيقية للاختيار. وقد لاحظت موف أن الفارق بين الأحزاب السياسية الرئيسية لم يكن أعظم من الفارق بين البيبسي والكوكاكولا.

ترى موف أن الشعبوية اليمينية (جان ماري لوبان في فرنسا ويورج هايدر في النمسا، على سبيل المثال) كانت "صرخة أطلقها الشعب" ضد الافتقار إلى الاختيار. كانت المذكرات المثيرة للمشاعر التي نشرها عالِم الاجتماع الفرنسي ديديه إريبون في عام 2009 بعنوان "العودة إلى رانس" من أفضل الكتب مبيعا في أوروبا لأنها جزئيا أوضحت بشكل مثالي الديناميكية التي كانت موف وغيرها يحاولون تشخيصها. في حين كانت والدة إريبون ذات يوم تدعم الشيوعيين، فإنها الآن تصوت لصالح الحشد الوطني اليميني المتطرف بقيادة مارين لوبان (الجبهة الوطنية سابقا) احتجاجا على الاشتراكيين الذين تحولوا اليوم إلى نيوليبراليين.

ومع ذلك، يستطيع المرء أن يتفق مع تشخيص اليساريين الشعبويين دون أن يقبل ادعاءهم الرئيسي الثاني: وهو أن أفضل استجابة لأزمة التمثيل اليوم تتلخص في تأطير السياسة في هيئة نزاع بين المواطنين من جميع الطوائف ومجموعة صغيرة من أنصار حكم القِلة (الأوليجاركية)، أو "la casta". ينطوي هذا التأطير ضمنا على فكرة مفادها أن المواطنين ــ مثل والدة إريبون ــ أصابهم الضجر من أي شيء مرتبط باليسار التقليدي ويبحثون عن نهج جديد. أو على حد تعبير حزب بوديموس: "إذا كنت راغبا في إنجاز الأمر على النحو اللائق، فلا تفعل ما يفعله اليسار".

خلال أزمة اليورو، عمل اليساريون الشعبويون على تطوير "استراتيجية مستعرضة" تتمثل في اختصار الطريق عبر الانقسامات الإيديولوجية التقليدية، على افتراض أن المواطنين منفتحون على إلقاء اللوم على الأوليجاركية المالية عن محنتهم. وكانت الفكرة تتلخص في اجتذاب ليس اليساريين فحسب، بل وأيضا أنصار الأحزاب الشعبوية اليمينية، من خلال انتحال موقف يساري في الممارسة العملية، وإن لم يكن كذلك بالاسم. وعلى هذا، كان الأمل أن يتوقف الناخبون عن إلقاء اللوم عن مشاكلهم على المهاجرين إذا جرى توجيه أصابع الاتهام إلى رأسمالية التمويل على أنها الجاني الحقيقي.

ولكن مهما كان الانتقاد الموجه إلى رأسمالية التمويل مبررا، فهل أصاب اليساريون الشعبويون اليوم في اعتقادهم بأن استحضار "الشعب" من شأنه أن يحشد المواطنين، وخاصة العمال، وأن استخدام لغة يسارية متجددة لن يؤدي نفس الغرض؟ إذا قبلنا أن الأمر يتطلب عقد انتخابات أو عدة انتخابات لاختبار هذه المسألة تجريبيا، فإن البيانات حتى الآن لا تدعم النهج الشعبوي/القومي.

على سبيل المثال، في الانتخابات الرئاسية الفرنسية في عام 2017، تخلى جان لوك ميلينشون من حزب فرنسا الأبية عن خطابه العام المعتاد الأممي الذي يدور حول الطبقية، وتبنى لغة "الشعب". وفي مسيراته الانتخابية، اختفت الرايات الحمر وظهر العلم الفرنسي؛ وحل النشيد الوطني الفرنسي محل نشيد الأممية الاشتراكي. ولكن في حين كان أداء ميلينشون طيبا في استطلاعات الرأي وكاد يصل إلى الجولة الثانية، يلاحظ عالِم الاجتماع الفرنسي إيريك فاسين أن حزب فرنسا الأبية لم ينتزع سوى 3% فقط من ناخبي الجبهة الوطنية.

الواقع أن ميلينشون ليس اليساري الأوروبي الوحيد الذي خلص إلى أن "الاستراتيجية المستعرضة" تتطلب الانحراف نحو القومية. فقد شكلت سارا فاكنكنيخت من اليسار في ألمانيا حركة الهدف منها توحيد أتباع مختلف أحزاب اليسار، وفي الوقت ذاته اجتذاب الناخبين من حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف. ولكن حتى الآن كانت السمة المميزة الوحيدة لحملتها بعنوان "انهضوا!" هي معارضتها للحدود المفتوحة.

وقد تفضي هذه الاستراتيجية إلى نتائج عكسية بسهولة. بل ومن المرجح أن تؤدي إلى تعزيز موقف الشعبويين اليمينيين من خلال قبول فرضيتهم بشأن سياسات الهجرة، مع إقصاء اليسار الدولي النزعة في ذات الوقت. ويبدو أن هذه هي نفس النتيجة في إيطاليا، حيث يقود حزب الرابطة اليميني المتطرف، وليس شريكته الكبرى في الائتلاف حركة الخمس نجوم، أجندة الحكومة.

وكما أشار فاسين، فبدلا من استهداف العمال الذين قد يكون انجذابهم إلى الشعبويين اليمينيين مدفوعا بمعارضة الرأسمالية الجامحة أو لا يكون، ينبغي لليساريين أن يركزوا على الممتنعين عن المشاركة في الانتخابات والذين يمكن إعادتهم إلى صناديق الاقتراع، ذلك أنهم ربما يبحثون عن سياسات مستوحاة من مُثُل التضامن الاجتماعي وليس القومية العائدة إلى الساحة من جديد.

لقد نجح اليسار عندما عرض بدائل واضحة فيما يتصل بمسائل مثل سياسة الإسكان والتنظيم المالي، وليس عندما استحضر "الشعب" (ناهيك عن "الأمة"). ولنتأمل هنا على سبيل المثال جيريمي كوربين زعيم حزب العمال البريطاني، وبيرني ساندرز، النائب المستقل الذي قاد حملة أولية ديمقراطية مفاجئة ضد هيلاري كلينتون في الانتخابات الرئاسية عام 2016، والذي يعتزم خوض الانتخابات مرة أخرى في عام 2020. الواقع أن ما تقترحه هذه الأرقام ليس "الاشتراكية"، بل تشير إلى خليط ديمقراطي اجتماعي قد يجتذب كل من سئم من البيبسي، والكوكاكولا، وكل الأشكال النيوليبرالية الفوارة الأخرى المعروضة.

* جان فيرنر مولر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة برينستون وزميل في معهد العلوم الإنسانية في فيينا، كتابه الأخير: ما هي الشعبوية
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق