التربية لها ابعاد عميقة متجذرة في أعماق الانسان نفسيا وجينيا، فما لايدركه الابوان في تلك اللحظة القاسية سيصبح سلوكا متوارثا تتناقله الأجيال كحتمية غير قابلة للتغيير.

فممارسة سلوكيات قاسية في التربية، مثل العقاب الجسدي أو التلاعب النفسي بالألفاظ، يمكن أن تقدم مجموعة إضافية من التعليمات بشأن كيفية قراءة الجينات، ما يعني أن الجسم قد يُطور طفرات تُسبب الإصابة بالأمراض في المستقبل. كما أن الغضب المتكرر أو الضرب أو الصراخ في وجه الطفل، يمكن أن يؤثر على هياكل دماغه في مرحلة المراهقة. فالطلاب الذين تعرضوا لتجربة تربوية قاسية وعنيفة في الصغر، كانوا الأكثر قابلية لتطوير سلوك عدواني، كما ان العديد من البالغين الذين تعرضوا للضرب في طفولتهم يتدنى لديهم احترام الذات، وتظهر عليهم علامات الاكتئاب والقلق، ويصبحون عنيفين ولديهم مشاعر سلبية تجاه والديهم.

فقد أشارت دراسة جديدة إلى احتمال أن تؤدي التربية الصارمة إلى برمجة الاكتئاب في الحمض النووي للطفل.

وأفادت بأن القسوة في تربية الأطفال تحرمهم من فرصة استيعاب الانضباط الذاتي ويمكن أن تغير الطريقة التي يقرأ بها الجسم الحمض النووي لهم ما يزيد من "المخاطر البيولوجية" للإصابة بعدد من الأمراض في مرحلة المراهقة وما بعدها.

وانتهت الدراسة التي أعدها باحثون من جامعة لوفين في بلجيكا، ونُشرت نتائجها في المؤتمر الأوروبي لعلم الأدوية العصبية والنفسية، إلى نتائج أكثر خطورة لاستخدام القسوة تتعدى سلامة الصحة النفسية، خاصة أن في تربية الأطفال سواء من قبل الأب أو الأم تؤثر في تكوينهم النفسي وتجعلهم أكثر ميلاً للانزواء أو ممارسة العنف.

وقال الباحثون إن "الأبوة الصارمة" قد تتحكم في السلوك مؤقتاً، لكنها لا تساعد الطفل على تعلم اتخاذ القرارات أو إصلاح الأخطاء.

واكتشف الباحثون أن ممارسة سلوكيات قاسية في التربية، مثل العقاب الجسدي أو التلاعب النفسي بالألفاظ، يمكن أن تقدم مجموعة إضافية من التعليمات بشأن كيفية قراءة الجينات، ما يعني أن الجسم قد يُطور طفرات تُسبب الإصابة بالأمراض في المستقبل.

وأعلن الباحثون أن لديهم بعض الدلائل على أن هذه التغييرات نفسها يمكن أن تعرض الطفل النامي للاكتئاب، كما أن لديهم مجموعة من الإثباتات التي تؤكد أن تلك التغييرات لا تحدث إذا حصل الأطفال على تربية داعمة.

وتقول الدراسة إن ممارسة التلاعب النفسي على الطفل أو معاقبته بقسوة أمور يمكنها أن تغير من طريقة قراءة جسده لحمضه النووي.

ويعتقد الخبراء أن هذه التغييرات قد تترسخ فعلياً في الحمض النووي للأطفال الذين ينظرون إلى أهاليهم على أنهم قساة أو صارمون، مما يزيد من خطر إصابتهم بالاكتئاب في وقت لاحق من حياتهم.

وفي معرض تقديمها لهذه النتائج في مؤتمر الكلية الأوروبية حول علم الأدوية النفسية والعصبية في فيينا، قالت الدكتورة إيفلين فان آشي "اكتشفنا أن ما يمكن اعتباره تربية قاسية، أو تلك التي تتضمن عقاباً جسدياً وتلاعباً نفسياً، يمكنها أن ترسخ في الحمض النووي مجموعة جديدة من التعليمات حول طريقة قراءة الجينات". وأكدت أن "هنالك بعض المؤشرات إلى أن هذه التغييرات نفسها يمكنها أن تخلق استعداداً لدى الطفل الناشئ للإصابة بالاكتئاب لاحقاً"، مشيرة إلى استبعاد حصول ذلك "عندما يحظى الأطفال بتربية تتميز بالتشجيع والدعم".

وأضافت الدكتورة إيفلين "في هذه الدراسة، حللنا دور التربية القاسية، لكننا وجدنا أيضاً أنه من المرجح أن يؤدي أي توتر كبير إلى تغييرات في مثيلة الحمض النووي، بالتالي، فإن التعرض للتوتر خلال الطفولة قد يؤدي إلى ميل عام نحو الإصابة بالاكتئاب في وقت لاحق من حياة الشخص عبر تغيير طريقة قراءة الحمض النووي"، لكنها أيضاً ركزت على "وجوب التأكد من صحة هذه النتائج في نموذج اختبار موسع بشكل أكبر".

ولغرض الدراسة، اختار الباحثون من جامعة لوفن في بلجيكا 21 طفلاً أفادوا بحصولهم على تربية جيدة، حيث يدعمهم الوالدان مثلاً ويعطونهم مساحة للتحرك باستقلالية. ومن ثم أقيمت مقارنة بين هؤلاء الأطفال، و23 طفلاً آخرين أفادوا عن خضوعهم لتربية قاسية تتميز مثلاً بممارسة التلاعب النفسي، والعقاب الجسدي والصرامة الشديدة. تراوحت أعمار جميع الأطفال بين 12 و16 عاماً.

ووجدت الدراسة، التي لم تخضع لمراجعة الأقران بعد "peer-reviewed"، أن عديداً من الذين كانوا عرضة للتربية الصارمة أظهروا إشارات أوّلية كامنة [لا يمكن الكشف عنها بالفحص التقليدي] للإصابة بالاكتئاب.

كما درس الباحثون نسبة المثيلة، وهي عملية طبيعية تحدث حين يضاف جزيء كيماوي إلى الحمض النووي، ويغير بالتالي طريقة قراءة الجسم للتعليمات الموجودة في الحمض النووي، حيث وجدوا أنها تزداد كثيراً لدى الأشخاص الذين أفادوا عن تعرضهم لتربية صارمة.

وقالت الدكتورة فان آشي "استندنا في مقاربتنا على بحث سابق أجري على توائم متطابقين، حيث وجد فريقان مستقلان أن أحد التوأمين المشخص بالإصابة باكتئاب حاد لديه نسبة أعلى من مثيلة الحمض النووي في القسم الأكبر من مئات آلاف نقاط البيانات، مقارنة بتوأمه السليم".

وأضافت الدكتورة فان أشي التي تعمل حالياً في جامعة مونستر في ألمانيا أن "الحمض النووي يبقى على حاله لكن هذه المجموعات الكيماوية الإضافية تؤثر على طريقة قراءة التعليمات الصادرة عنه. فالأفراد الذين أفادوا عن خضوعهم لأساليب تربية أكثر صرامة أظهروا ميلاً نحو الاكتئاب ونعتقد أن هذا الميل أصبح مبرمجاً في حمضهم النووي عبر تغييرات متزايدة في المثيلة".

"وندرس الآن إمكانية قطع الشك باليقين من خلال ربط هذه الحالة بتشخيص الاكتئاب في وقت لاحق من الحياة وربما استخدام هذه الزيادة في تحولات المثيلة باعتبارها مؤشراً يمكن أن يوفر تحذيراً مسبقاً عن الأشخاص الذين قد يكونون عرضة أكبر للإصابة بالاكتئاب نتيجة أسلوب تربيتهم".

تأثير التربية القاسية على دماغ الطفل

وحذرت دراسة اخرى من أن الغضب المتكرر أو الضرب أو الصراخ في وجه الطفل، يمكن أن يؤثر على هياكل دماغه في مرحلة المراهقة.

ووجد الباحثون أن الأطفال الذين نشأوا على "التربية القاسية''، طوروا قشرة فص جبهية ولوزة مخية أصغر - وهما بنيتان دماغيتان تلعبان دورا رئيسيا في التنظيم العاطفي وظهور القلق والاكتئاب.

وما يثير القلق، أن هذه الممارسات الأبوية القاسية شائعة، وتعتبر بشكل عام مقبولة اجتماعيا في جميع أنحاء العالم، وفقا للفريق.

ويأمل الباحثون أن تشجع النتائج الآباء على تنفيذ تدابير أقل قسوة عند التفاعل مع أطفالهم.

وفي الدراسة، سعى باحثون من جامعتي مونتريال وستانفورد، إلى النظر في تأثيرات التربية القاسية على أدمغة الأطفال.

وقالت الدكتورة سابرينا سوفرين، التي قادت الدراسة: "إن الآثار تتجاوز التغيرات في الدماغ. أعتقد أن المهم هو أن يفهم الآباء والمجتمع أن الاستخدام المتكرر لممارسات الأبوة القاسية يمكن أن يضر بنمو الطفل. نحن نتحدث عن تطورهم الاجتماعي والعاطفي، وكذلك عن نمو عقولهم".

واستخدم الفريق بيانات من أطفال خضعوا للمراقبة في مستشفى CHU Saint-Justine، منذ ولادتهم هناك في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

وقُيّمت ممارسات الأبوة والأمومة ومستويات قلق الطفل ومسح الدماغ سنويا، بينما كان عمر الأطفال بين عامين وتسع سنوات.

وكشفت النتائج أن الأطفال الذين تعرضوا لمستويات أعلى من الأبوة القاسية، طوروا قشرة جبهية أمامية ولوزة مخية أصغر.

وأوضحت سوفرين: "هذه النتائج مهمة وجديدة. إنها المرة الأولى التي يتم فيها ربط ممارسات الأبوة القاسية التي لا ترقى إلى مستوى سوء المعاملة الجسيمة، بانخفاض حجم بنية الدماغ، على غرار ما نراه في ضحايا أعمال الإساءة الخطيرة".

ويأمل الباحثون أن تشجع النتائج الآباء على تنفيذ استراتيجيات الأبوة والأمومة الأقل شدة للمضي قدما.

تؤثر على تعليم الطفل

كما توصل باحثون بعد دراسة عينة تكونت من 1000 طالب إلى أن النسبة التي تعرضت منهم لتربية تضمنت التعنيف في الصغر، كانوا الأكثر قابلية لتطوير سلوكيات عدوانية في فترة المراهقة، وهو الأمر الذي ربطه الباحثون بتحصيل دراسي سيء مع بلوغ الطالب 21 عاماً من العمر.

وهدف الباحثون في هذه الدراسة لإيجاد سلوكيات بعينها قد تؤدي إلى تدني المستوى التعليمي للأطفال الذين تعرضوا لتربية قاسية، ولهذا الغرض، قام الباحثون بفحص وتحليل معلومات 1060 طالب أمريكي ومتابعتهم من مرحلة الصف السابع وصولاً إلى عمر 21 عاماً. وخلال مدة الدراسة طلب من التلاميذ القيام بالتبليغ عن: أي نوع من التربية القاسية قد يتعرضون له، طبيعة تفاعلهم الاجتماعي مع أقرانهم، سلوكهم الجنسي. وتم تحليل الأداء الدراسي لكل منهم عند بلوغه 21 عاماً تبعاً للدرجات التي قاموا بتحصيلها في سنوات دراستهم السابقة.

وقد وجدت الدراسة أن الطلاب الذين تعرضوا لتجربة تربوية قاسية وعنيفة في الصغر، كانوا الأكثر قابلية لتطوير سلوك عدواني تحديداً في الصف الحادي عشر، وبتربية قاسية نعني: إساءة جنسية متكررة ومستمرة، ضرب، سرقة، وغيرها من أنواع الانحرافات السلوكية. كما وجد أن السلوكيات السلبية التي تطورت لدى التلامذة أثرت سلباً على أدائهم الدراسي مع بلوغهم سن 21 عاماً.

وافترض الباحثون أن ما يحصل من الممكن تفسيره على أنه رغبة الأطفال في الحصول على حاجات لم يوفرها لهم الأبوين وجو العائلة العنيف الذي عاشوا فيه، وهذا قد يشمل التفاعل مع الأقران بطرق غير سليمة مثل سلوكيات انحرافية وجنسية في مرحلة عمرية مبكرة، بالإضافة للجوء لإشباع الحاجات الجنسية كأمر تتفوق أولويته في حياتهم على الدراسة والتعليم.

ويشير القائمون على الدراسة إلى أن هناك العديد من الأساليب التي من الممكن اتباعها لتصحيح ما يحدث وتحسين الحالة النفسية والسلوكية للأطفال الذين يتعرضون لتربية قاسية مثل: التعليم والعلاج الجماعي، استخدام أساليب تعليمية تعتمد التطبيق لا التلقين أو الأساليب التقليدية، بعض البرامج التعليمية التي توفر تربية جنسية سليمة ومخصصة لهم.

وأضاف أحد القائمين على الدراسة "غالباً، هذه هي الدراسة الأولى من نوعها التي تحلل تأثر الأداء الدراسي للطفل على مدى فترة طويلة يتم فيها متابعة الطفل يوماً بيوم ولسنوات، اعتماداً على عوامل مثل: علاقاتهم بأقرانهم، سلوكهم الجنسي، الانحراف".

مفاهيم خاطئة

فيما يلي بعض المفاهيم الخاطئة لدى مقدمي الرعاية بشأن التربية والتأديب، بحسب موقع منظمة اليونيسيف:

كلنا تم ضربنا ونحن أطفال ولم يؤثر ذلك علينا سلبًا...

الحقيقة: في حين أن البعض منا قد يكون محظوظًا لتأثره بشكل طفيف بالضرب وهو طفل، فإن العديد من البالغين الذين تعرضوا للضرب في طفولتهم يتدنى لديهم احترام الذات، وتظهر عليهم علامات الاكتئاب والقلق، ويصبحون عنيفين ولديهم مشاعر سلبية تجاه والديهم.

أظهرت جميع الأبحاث على الضرب نتائج سلبية له على الأطفال. فالضرب يزيد من احتماليات المشاكل العقلية والنفسية، والسلوك الإجرامي، وتعرض الطفل للانتهاك الجسدي من قبل الآخرين في المستقبل، والآثار السلبية على نمو دماغ الطفل، وتدني احترام الذات والثقة بالنفس.

الضرب والصراخ يعلم الأطفال التصرف بشكل أفضل

الحقيقة: الضرب والصراخ يرعبان الأطفال ويضغطان عليهم بما يؤثر على مهاراتهم في التعلم، وقد يتصرفون على نحو أفضل لفترة قصيرة جدًا ولكن على المدى الطويل قد يصبحون عدوانيين وتعساء.

الضرب والصراخ يؤثران على ثقة الأطفال بالوالدين والقرب منهما على المدى الطويل، وهذا يؤدي بهم إلى إخفاء مشاكلهم عن الأهالي في المستقبل بدلًا من مشاركتها معهم للحصول على مساعدتهم.

الضرب هو الصورة الوحيدة للعنف في التربية

الحقيقة: على عكس ما يظن البعض، الضرب ليس الصورة الوحيدة لاستخدام العنف في التربية، فهناك:

العنف النفسي/العاطفي: مثل إهانة الطفل وانتقاده بشكل سلبي وتخويفه واستخدام الألفاظ الجارحة معه والزج به في الشجار بين الأهالي.

الإهمال: مثل عدم تلبية احتياجات الطفل الجسدية والنفسية وعدم حمايته من الخطر وحرمانه من الإحساس بالأمان.

الحزم يعني أن أكون قاسيًا: أن أصرخ في أطفالي وأضربهم

الحقيقة: الحزم لا يعني العنف، ولكن يعني وضع حدود وقواعد واضحة والالتزام بها.

تتطلب أساليب تربية الأطفال الفعالة توازنًا بين وضع قواعد أسرية والالتزام بها وبين إظهار الحب والعطف.

أنا أضرب أطفالي أو أصرخ فيهم منذ فترة طويلة، فات أوان استخدام أسلوب مختلف

الحقيقة: نحاول دائمًا أن نقوم بالأفضل لأطفالنا. ولكننا في بعض الأحيان لا نعرف كيف نقوم بذلك.

على الرغم من أنه من الأفضل دائمًا أن نبدأ في وقت مبكر، فقد أظهرت الأبحاث أن الأهالي الذين يبدءون في تطبيق أساليب التربية الإيجابية في أي مرحلة يرون تأثيرًا إيجابيًا كبيرًا على سلوك وشخصية أطفالهم.

اضف تعليق