من المعروف إن الفقر يعد انتهاكاً فاضحًا لحقوق الإنسان، خاصة وأن العيش في الفقر لا يُعتبر قضية حتمية، وهو ناتج عن نُهُج اقتصادية غير عادلة، وسياسات دولية ترعى وتحمي قوى رأس المال وتزيد من ثرواتها من جهة، بالمقابل تزيد من وتيرة الفقر والفاقة للشعوب من جهة أُخرى، لذلك لا بد من تغيير هذه السياسات والنهضة عليها ومحاربتها حتى نستطيع التغلب على ظاهرة الفقر والانتصار للفقراء، ولهذا يهدف إحياء اليوم العالمي لمكافحة الفقر، لتعبئة المواطنين والشعوب لا بل والمسؤولين الحكوميين وغيرهم من الفاعلين من أجل القضاء على هذه المُعضلة الخطيرة لحاضر ومستقبل الشعوب في عالمنا.

في عالم يتسم بمستوى لم يسبق له مثيل من التنمية الاقتصادية والوسائل التكنولوجية والموارد المالية، لم يزل الملايين الذين يعيشون في فقر مدقع يمثلون عارا أخلاقيا فالفقر ليس مسألة اقتصادية فحسب، بل هو ظاهرة متعددة الأبعاد تشمل نقص كل من الدخل والقدرات الأساسية للعيش بكرامة، ويعاني الأشخاص الذين يعيشون في فقر من عديد أشكال الحرمان المترابطة والمتعاضدة التي تمنعهم من إعمال حقوقهم وتديم فقرهم، ظروف العمل الخطيرة وغياب الإسكان المأمون وغياب الطعام المغذي ووجود تفاوت في إتاحة الوصول إلى العدالة.

وهذا العام هو الذكرى السنوية لإعلان الجمعية العامة، بموجب قرارها 196/47 المؤرخ 22 كانون الأول/ديسمبر1992، يوم 17 تشرين الأول/أكتوبر بوصفه اليوم الدولي للقضاء على الفقر وهذا العام هو كذلك الذكرى السنوية الثانية والثلاثين للدعوة إلى العمل، ومثلت الإلهام الحقيقي لإعلان يوم 17 تشرين الأول/أكتوبر يوما عالميا لإنهاء الفقر المدقع ومن ثم اعتراف الأمم المتحدة بذلك اليوم بوصفه اليوم الدولي للقضاء على الفقر.

العدالة الاجتماعية

يبرز موضوع اليوم لهذا العام التحدي المتمثل في تحقيق العدالة الاجتماعية والبيئية للجميع. فالاعتراف المتزايد بتعدد أبعاد الفقر يعني أن هاتين المسألتين متشابكتان تشابكا لا ينفصل، فضلا عن أن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق بالكامل دون تصحيح الظلم البيئي في نفس الوقت وفي حين أُحرز تقدم في التصدي لقضية ضعف المداخيل، فأن النجاح كان أقل في ما يتصل بأبعاد الفقر الأخرى المهمة، بما في ذلك الأثر المتزايد بسرعة للبيئة ، في إطار نهج أكثر شمولية.

والفقراء الذين يعيشون في فقر مدقع هم أول من يقدمون على العمل الناجز داخل مجتمعاتهم للاستجابةً للفقر وتغير المناخ والتحديات البيئية. ومع ذلك، فجهودهم وخبراتهم غالبًا ما تُهمل ولا تحظى بالتقدير؛ حيث يُتغاضى عن قدراتهم على المساهمة بشكل إيجابي في الحلول؛ ولا يُعترف بهم بوصفهم قوى دافعة للتغيير، وأصواتهم غير مسموعة وبخاصة في الهيئات الدولية، بحسب الامم المتحدة.

نصف العالم فقراء

أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن السابع عشر من أكتوبر اليوم الدولي للقضاء على الفقر ودعت الدول إلى تخصيص ذلك اليوم بأنشطة محددة في مجال القضاء على الفقر والعوز وللترويج لتلك الأنشطة، ودعا كذلك القرار المنظمات الحكومية الدولية وغير الحكومية إلى مساعدة الدول على تنظيم أنشطة وطنية احتفالا باليوم، لدى طلبها ذلك، وأن البنك الدولي أعلن في احصائية له أن 50% من الفقراء يقطنون 5 دول فقط، موضحا أن من بين 736 مليون شخص من الفقراء فقرا مدقعا حول العالم عام 2015، كان 368 مليون شخص - أي نصفهم - يعيشون في 5 بلدان فقط، البلدان الخمسة التي لديها أكبر عدد من الفقراء فقراً مدقعاً هي (بالترتيب التنازلي): الهند ونيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وبنغلاديش، كما أنها أكثر بلدان جنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء من حيث عدد السكان، وهما المنطقتان اللتان تضمان معاً 85% من فقراء العالم (629 مليون شخص)، لذلك، فإن تحقيق تقدم مستمر ملموس نحو تحقيق الهدف العالمي المتمثل في الحد من الفقر المدقع (من يعيشون على أقل من 1.90 دولار في اليوم) إلى أقل من 3% بحلول عام 2030 سيتطلب أن يحدث الخفض الكبير في مستويات الفقر في هذه البلدان الخمسة.

كما تكشف توقعات الفقر لعام 2030 لهذه البلدان الخمسة، من المرجح أن تكون النتائج متباينة وعندما تستند التوقعات إلى البلدان التي تنمو وفقاً لمعدلات النمو السابقة (المتوسط الإقليمي على مدى السنوات العشر الماضية)، فإن الفقر المدقع في الهند وبنغلاديش يقترب من الصفر بحلول عام 2030، لكن الفقر المدقع في نيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا لا يزال مرتفعًا إلى حد بعيد، ويشير التقدم المتباين فيما بين هذه البلدان الخمسة إلى تفاوت التقدم على نطاق أوسع على مستوى العالم، فالنتيجة التي تمثل القضاء على الفقر المدقع في جميع أنحاء العالم تقريبا باستثناء منطقة واحدة، أفريقيا جنوب الصحراء، لا تقدم بالتأكيد صورة لعالم خال من الفقر، بحسب موقع اليوم السابع.

كورونا قد يدفع 150 مليون شخص إلى براثن الفقر المدقع

قال البنك في تقرير يصدره كلّ عامين عن الفقر والرفاه المشترك، إن ما بين 88 مليونا و115 مليون شخص آخرين سيسقطون في الفقر المدقع -بالعيش على أقل من 1.90 دولار في اليوم- في 2020، وأوضح التقرير أن هذا الرقم قد يزيد إلى ما بين 111 مليونا و150 مليونا بنهاية العام 2021، وكانت توقعات البنك الدولي في أبريل/نيسان في نطاق 40-60 مليون شخص، ويعني ذلك أن يعيش ما بين 9.1% و9.4% من سكان العالم في فقر مدقع هذا العام، دون تغير يذكر على نسبة 2017 البالغة 9.2%، وكانت تقديرات نسبة الفقر المدقع في 2019 حوالي 8.4%، وكان من المتوقع تراجعها إلى 7.5% بحلول 2021 قبل تفشي جائحة فيروس كورونا.

وقال التقرير إن هدف خفض النسبة إلى 3% بحلول 2030 لن يكون في المتناول ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة وملموسة على صعيد السياسات، وذكر التقرير أن الأزمة تهدد بخسائر كبيرة في رأس المال البشري بين الأشخاص المحرومين بالفعل، مما يجعل من الصعب على البلدان العودة إلى النمو الشامل حتى بعد تراجع الصدمات الحادة، وقال رئيس البنك الدولي ديفيد مالباس في بيان "الجائحة والركود العالمي قد يتسببان في سقوط أكثر من 1.4% من سكان العالم في براثن الفقر المدقع"، واصفا إياها بأنها "انتكاسة خطيرة لمسيرة التنمية والحد من الفقر".

وبحسب التقرير، فإن العديد من المنضمين الجدد إلى شريحة الفقر المدقع يعيشون في دول تعاني من معدلات فقر مرتفعة بالفعل، لكن حوالي 82% يأتون من دول متوسطة الدخل، حيث يقع خط الفقر عند 3.20 دولارات في اليوم للشريحة الدنيا من دول الدخل المتوسط، و5.50 دولارات في اليوم لدول الشريحة العليا من الدخل المتوسط، بحسب موقع الجزيرة.

تأثير كوفيد -19 على الفقر والحرمان في العراق

زهاء 4.5 مليون عراقي (11.7%) دفعوا إلى ما دون خط الفقر نتيجة لجائحة كورونا وما نجم عنها من آثار اجتماعية واقتصادية. كما تسببت في الخسائر الكبيرة في الأعمال والوظائف، وارتفاع الأسعار، في ارتفاع معدل الفقر الوطني من 20% في 2018 إلى 31.7%، مع النسبة الاضافية ممن وقعوا تحت خط الفقر والبالغة 15.8%، فإن الأطفال هم الأكثر تأثراً بالأزمة بينما كان طفل واحد من كل خمسة أطفال يعاني من الفقر قبل الأزمة، فإن النسبة قد تضاعفت تقريباً إلى طفلين من أصل خمسة أطفال أي (37.9%) مع بداية الأزمة.

إن 42% من السكان يصنفون على أنهم من الفئات الهشة، إذ يواجهون مخاطر أعلى كونهم يعانون من الحرمان من حيث العديد من الأبعاد، وليس من بُعد واحد مما يلي: التعليم، والصحة، والظروف المعيشية، والأمن المالي إن انقطاع الخدمات وتبني استراتيجيات التكيف السلبي من قبل الأسر الفقيرة، من شأنه أن يزيد الحرمان من سبل الرفاهية، وزيادة التفاوت ولا سيما بين الأطفال، بالنسبة إلى الأطفال، هناك طفل واحد من بين كل اثنين (أي 48.8%) معرض للمعاناة من الحرمان في أكثر من بعد واحد من هذه الأبعاد الأربعة يُعد الحرمان من الالتحاق بالمدارس، والحصول على مصادر المياه المحسنة، من العوامل الرئيسية التي تساهم في هشاشة الأسر والأطفال.

إن توسيع نطاق الحماية الاجتماعية وتعزيز الوصول المتكافئ إلى الخدمات الاجتماعية ذات النوعية الجيدة، مع التركيز على التعليم، والصحة، وحماية الطفل، هي توجهات سياسة مركزية للاستجابة للازمات الناجمة عن جائحة كورونا وبالنسبة إلى أطفال ومستقبل العراق ، لا بد من استجابة سريعة لحماية الأطفال من الفقر، والاستثمار لأجل تجنب أزمة التعلم، وزيادة سوء التغذية، ووفيات الأطفال، وتصاعد العنف ضد الأطفال، بحسب موقع يونيسف.

انقر لاضافة تعليق