بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد وأهل بيته الطاهرين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

طبيعة الطغيان ومصائر الطغاة

قال الله العظيم: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمينَ * ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)(1).

حقائق كثيرة تستبطنها هاتان الآيتان الكريمتان وبصائر منوّعة ومعمّقة تحتضنها وتفصح عنها، وسنلقي اليوم الضوء على بعض البصائر في جملة (وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا) فإن هذه الجملة تتضمن بصائر كلامية، سيكولوجية وسياسية، ولنستعرض هذه البصائر الثلاثة بشيء من الإيضاح:

1- كلامياً: سُنَّة الإهلاك فيما إذا أغلق الناس جميع الأبواب

البصيرة الكلامية: ان قوله تعالى: (وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا) الذي جاء بديلاً كلامياً معمقاً عن القول بـ(وما آمنوا) أو (ولم يؤمنوا) يكشف إلى جوار العديد من الآيات الكريمة الأخرى المناظرة، القناعَ عن المعادلة الإلهية التي تحدد مصير الإنسان والأمم وتشير إلى احدى الحدود العليا من الألطاف الإلهية بهذا الإنسان الظلوم الجهول، وهذه المعادلة: هي ان الله تعالى لا يعذب بعذاب الاستئصال والإهلاك، الأمم والشعوب الظالمة كما لا يهلك الأفراد والأشخاص الطغاة، إلا بعد إغلاق العبد / الحاكم / الأمة، كافة أبواب الصلاح والإصلاح والتوبة إلى الله تعالى، وبعبارة أخرى: ان الله تعالى لا يهلك شخصاً أو أمة إلا بعد استنفادها كافة الفرص المتكاثرة التي يمنحها الله تعالى له في طيات عشرات / ألوف المواقع أو الأحايين.

وذلك بالضبط هو واحد من أهم ما يشكل الفوارق بين الموالي العرفية وبين مولى الموالي ورب الأرباب، ذلك ان أحدنا إذا وظّف شخصاً كأمين للصندوق أو كسكرتير أو مساعد أو سائق أو خادم، فسرق من الشركة أو من المنزل، فان الكثير منا يطرده فوراً، ثم إذا تاب لا يعيده إلى موقعه، ولكن القليل منا قد يرِقّ له فيعيده إلى وظيفته إذا ندم وتاب، لكنه إذا سرق للمرة الثانية فاننا لا نقبل له عذراً حينئذٍ وستجد الأكثرية شبه المطبقة تطرده إلى غير رجعة، ولكن قد يبقى النادر ممن إذا رأى توبته يستبقيه أو يرجعه إلى وظيفته بعد طرده.. لكنه إذا سرق للمرة الثالثة.. أو الرابعة.. أو حتى الخامسة فهل تجد أحداً يستبقيه أو يعيده إلى وظيفته بعد ذلك؟، ولو زدنا عدد سرقاته كلما عاد إلى السادسة فالسابعة فالعاشرة.. فانه يستحيل ان تجد شخصاً يستبقيه بعد ان سرقه عشر مرات أو عشرين أو ثلاثين أو أربعين مرة.. وكذلك لو ضرب هذا الموظفُ رئيسَ الشركة أو المصنع فطرده ثم تاب فأعاده إلى العمل فضربه مرة أخرى، فطرده ثم أعاده لكنه عاد ليضربه من جديد.. فهل ترى من يستبقيه بعد المرة الثالثة أو الرابعة أو، غاية الأمر، العاشرة؟ كلا.. ثم.. كلا.

أبواب العودة إلى الله مفتّحة دائماً.. ولكن..

ولكن الله تعالى، كما تشهد به الآيات وتنبني عليه إحدى مسائل علم الكلام، لا يغلق باب التوبة بوجه عبده أبداً.. فلو طغى وتجبر وعصى وفعل ما فعل مرة.. مرتين.. عشر مرات.. خمسين مرة.. مائة مرة.. ألف مرة.. ثم تاب تاب الله تعالى عليه ولو بلغ ذلك عشرات الألوف من المرات طوال سنين حياته فانه تعالى لا يغلق عنه باب التوبة إلا إذا شاهد الموت عيانا (كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ)(2) وقال تعالى لفرعون: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ)(3).

والآية الشريفة – في صدر المبحث تشير إلى هذه القاعدة الكلامية والقانون الإلهي فان الله تعالى لا يهلك القرون بمجرد ظلمهم للآخرين، بل بعد إتمام الحجة عليهم أيضاً (وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ)(4) بل ولا يهلكهم حينذاك بل إنما يهلكهم بعد ان يغلقوا على أنفسهم كافة أبواب العودة إلى الرب الكريم (وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا) فإذا علم الله تعالى منهم انهم لا يؤمنون أبداً ولا يُقلِعون عن ظلمهم وعدوانهم فحينئذٍ تحل بهم قارعة مهلكة من قوارعه جل اسمه.

متى أهلك الله قوم نوح؟

وهكذا جرت سُنَّة الله في الخليقة وستبقى أبد الدهر كذلك:

فالكفار في زمن النبي نوح (عليه السلام)، لم يهلكهم الله تعالى إلا بعد:

أ- استنفادهم كافة الفرص.. وإصرارهم على غيهم وعنادهم وقطعهم كافة خطوط الرجعة إلى الله تعالى: (وَأُوحِيَ إِلى‏ نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْني‏ فِي الَّذينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتيهِ عَذابٌ يُخْزيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقيمٌ * حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَليلٌ)(5).

والغريب في قضية قوم نوح (عليه السلام)، وليس بغريب بل انها سُنَّة الله تعالى الخالدة: انه لم يهلكهم إلا أ- بعد استنفادهم كافة الفرص وعنادهم ولجاجهم بحيث لم يبق هناك احتمال واحد بالألف بل حتى واحد بالمليون، لأن يرتدعوا ويتوبوا.

ب- وبعد إنقاذ كافة المؤمنين، على مدى المستقبل البعيد المجهول، الذين يرقدون في أصلابهم، بمعنى انه لو كان في علم الله تعالى ان أحد أحفاد أحدهم أو أحد أحفاد أحفاده أو أحفاد أحفاد الأحفاد.. حتى يوم القيامة، سيكون مؤمناً يخرج من صلب هذا الرجل لما أهلكه الله تعالى، بل إنما أهلكهم بعد ان خرج كافة المؤمنين من أصلابهم إلى هذه الدنيا ولم يبق من الكفار إلا من لا يلد إلا كافراً فاجراً وقد قال تعالى: (وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً)(6).

ولماذا لم يِثُرْ الإمام علي (عليه السلام) بالسيف؟

وذلك يعد من أسرار عدم تجنب الإمام علي (عليه السلام) - القيام بالسيف في وجه القوم.. حيث اعترض بعض من يجهل المعادلة الإلهية الكلامية السابقة.. انه كيف لم يثُر علي (عليه السلام) ولم يقف بوجه القوم ويقود ثورة مسلحة وهو تلك القمة الشامخة في الغيرة والحمية والشجاعة والأنَفة إذا كان القوم حقاً قد ضربوا البضعة الطاهرة أو عصروها بين الباب والجدار فكيف إذا كانوا قد اسقطوا منها الجنين!

والسبب في ذلك يعود فيما يعود إلى تلك المعادلة الإلهية الكلية العامة.. وذلك لأن الإمام (عليه السلام) لو ثار بالسيف لقضى عليهم وقتل الكثيرين منهم، كيف لا وهو قالع باب خيبر.

يا قالـــــعَ البابِ الذي عـَـــن هَزِهِ-----عَجـــزَت أكفٌ أربعــــــونَ وأربع

كما انه القائل: ((وَاللَّهِ لَوْ تَظَاهَرَتِ الْعَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَمَا وَلَّيْتُ عَنْهَا))(7).. ولكن المعادلة الإلهية السابقة لم تكن تسمح بذلك أبداً.. إذ كان في أصلاب القوم رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ولو قتل الإمام أولئك القوم لما ولدت تلك الودائع الإلهية وقد جرت حكمة الله تعالى على ان يولدوا في هذه الحياة الدنيا.. ولذلك السبب نفسه لم يأذن الله بالطوفان إلا بعد تسعمائة وخمسين سنة، وأمر نوحاً والمؤمنين بالصبر طوال هذه السنين وتحمل شتى ألوان العذاب والإيذاء كي يزّيّل المؤمنون من أصلاب الكافرين.. وحينذاك فقط إذن الله تعالى بإهلاك الكافرين.

تفسير (لَوْ تَزَيَّلُوا) بالتنزيل

وذلك هو ما تفصح عنه الرواية التالية بأبلغ بيان.. كما وردت في تفسير القمي والصافي وغيرهما.

قال في الصافي: ((هُمُ الَّذينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً) محبوسا (أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) الهدي ما يهدى إلى مكة ومحله مكانه الذي يحل فيه نحره (وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ) القمي: يعني بمكة (لَمْ تَعْلَمُوهُمْ) لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم بالمشركين (أَنْ تَطَئوهُمْ) أن تواقعوا بهم وتبتدؤهم (فَتُصيبَكُمْ مِنْهُمْ) من جهتهم (مَعَرَّةٌ) مكروه كوجوب الدية والكفارة بقتلهم والتأسف عليهم وتعيير الكفار بذلك والاثم بالتقصير في البحث عنهم (بِغَيْرِ عِلْمٍ) أي تطئوهم غير عالمين بهم وجواب لولا محذوف لدلالة الكلام عليه والمعنى لولا كراهة أن تهلكوا ناسا مؤمنين بين أظهر الكافرين جاهلين بهم فيصيبكم بإهلاكهم مكروه لما كف أيديكم عنهم)(8) وفي تفسير الصافي (القمي: أخبر الله عز وجل نبيه أن علة الصلح إنما كان للمؤمنين والمؤمنات الذين كانوا بمكة ولو لم يكن صلح وكانت الحرب لقتلوا فلما كان الصلح آمنوا وأظهروا الاسلام ويقال إن ذلك الصلح كان أعظم فتحا على المسلمين من غلبهم (لِيُدْخِلَ اللَّهُ في‏ رَحْمَتِهِ) علة لما دل عليه كف الأيدي من أهل مكة صونا لمن فيها من المؤمنين أي كان ذلك ليدخل الله في توفيقه لزيادة الخير والاسلام (مَنْ يَشاءُ) من مؤمنيهم أو مشركيهم (لَوْ تَزَيَّلُوا) لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض (لَعَذَّبْنَا الَّذينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَليماً) بالقتل والسبي، القمي: يعني هؤلاء الذين كانوا بمكة من المؤمنين والمؤمنات لو زالوا عنهم وخرجوا من بينهم لعذبنا الذين كفروا منهم)(9) فهذا كله عن التنزيل، وأما التأويل:

تفسير (لَوْ تَزَيَّلُوا) بالتأويل

فـ(عن الصادق (عليه السلام) إنه سئل ألم يكن علي (عليه السلام) قويا في بدنه قويا في أمر الله؟ فقال: بلى! قيل: فما منعه أن يدفع أو يمتنع؟ قال: سألت فافهم الجواب، منع عليا (عليه السلام) من ذلك آيةٌ من كتاب الله تعالى، فقيل وأي آية؟ فقرأ: (لَوْ تَزَيَّلُوا) الآية إنه كان لله تعالى ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين ومنافقين فلم يكن علي (عليه السلام) ليقتل الآباء حتى تخرج الودائع فلما خرجت ظهر على من ظهر وقتله، وكذلك قائمنا أهل البيت (عليهم السلام) لا يظهر أبدا حتى تخرج ودائع الله فإذا خرجت يظهر على من يظهر فيقتله.

وفي الاكمال عنه (عليه السلام) ما في معناه بأسانيد متعددة منها قال في هذه الآية لو أخرج الله ما في أصلاب المؤمنين من الكافرين وما في أصلاب الكافرين من المؤمنين لعذبنا الذين كفروا)(10).

وهذا نص ما جاء في كتاب كمال الدين: ((عن يونس بن عبد الرحمن عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً) لو أخرج الله عز وجل ما في أصلاب المؤمنين من الكافرين وما في أصلاب الكافرين من المؤمنين لعذب الذين كفروا))(11)

وقد ظهر بذلك ان الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) لا يظهر إلا بعد تزيّل المؤمنين من الكافرين (وتزيّلوا) يعني تميزوا وزال هؤلاء عن هؤلاء أي انفصلوا عنهم ولا يكون ذلك إلا بان تخرج من أصلاب الآباء كافة نُطَف المؤمنين الذين كان مقدّراً لهم ان يولدوا من تلك الأصلاب، على امتداد الأجيال.

2- سيكولوجيا: شاكلة الطغاة

وأما سيكولوجياً: فان هذه الجملة من الآية الكريمة تفصح عن شاكلة الطغاة النفسية وانهم (وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا) أبداً وان طبيعتهم لم تكن لتتغير أبداً وانهم كانوا سيبقون مهما بقوا على ما كانوا عليه من الظلم والعدوان والتجبر والطغيان، وقد أشارت آيات عديدة إلى طبائع الطغاة والمستغنين ونظائرهم، قال تعالى: (كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى‏ * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى‏)(12) والغنى لا يختص بالغنى المالي، إطلاقاً أو ملاكاً، إذ قد يستغني عن الغير بماله، أو بقدرته أو حتى بعلمه فان الاستغناء بكل صوره مثار الطغيان.

وقال تعالى: (كَذلِكَ ما أَتَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ)(13) فهي طبيعة الطغيان التي تقتضي الاستعلاء وتكذيب الرسل وكيل التهم لهم بدل الانقياد إليهم.

ومن هنا، فان التعويل على وعود الطغاة، خطأ فاحش، ذلك ان الطغاة متى ضعفوا فانهم يطلقون الوعود إثر الوعود لخداع السذّج والبسطاء، فإذا استعادوا قوتهم، عادوا إلى سوء سيرتهم.. فهذه سيكولوجيتهم وشاكلتهم وطبيعتهم، وقد قال الإمام علي (عليه السلام): ((وَلَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ فَخُذْ بِالْحَزْمِ وَاتَّهِمْ فِي ذَلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ))(14) وكذلك الحاكم المستبد إذا وعد فإنما يَعِد ليتغفّل؟

فإذا كان الطغاة هم كما قال تعالى (وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا) وإذا كانت طبيعة الاستبداد هي الاستئثار والاستعلاء والمكر والاحتيال للبقاء في السلطة وامتصاص ثروات الشعب بألف طريقة وطريقة، فان استراتيجية التعاطي معهم يجب ان تتغير.. وذلك هو ما ينقلنا إلى المحور الثالث وهو المحور السياسي:

3- سياسياً: لا تعوّلوا على وعود الحكومات

وأما سياسياً: فان الموقف السياسي للعلماء وأساتذة الجامعات والمثقفين والأطباء والمهندسين والمحامين وغيرهم وكذلك الأحزاب والنقابات والاتحادات وكافة مؤسسات المجتمع المدني، من الحكومات الظالمة، يجب ان يتحدد على ضوء الحقيقتين الكلامية والنفسية السابقتين، فإنه إذا كانت شاكلة القوم المجرمين هي (وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا) وكانت طبيعة الظلم والعدوان فيهم متأصلة ومما لا ينفكون عنه ولا يطيقون تركه أو مفارقته، فان الاستراتيجية تجاه الحكام الجائرين يجب ان تبتني على هذا الأساس (عدم التعويل على وعودهم، أو على دعاوى صلاحهم وإصلاحهم) أبداً.

واستثمروا في الشعوب

ويجب تبعاً لذلك توجيه الاستراتيجية باتجاه الاستثمار في الناس، عامة الناس، عبر رفدهم بالفكر والثقافة ومنحهم الحصانة من ان يكونوا مطية للظالمين والجائرين والطغاة والمستبدين ومن ان تنطلي عليهم أكاذيب المسؤولين والسلاطين الذين اتخذوا (الكذب) أفضل استراتيجية لهم حتى آمنوا بأكذب ثم أكذب ثم أكذب حتى يصدقك الناس، ومن المعروف ان (توبة الذئب الموت) أي انه لا يعقل أن يتوب إلا إذا مات حقاً!!.. وكذلك الدكتاتور لا يعقل ان يتوب أبداً.

إضافة إلى ذلك فان الاستراتيجية الصحيحة هي دفع الشعب باتجاه تكثير، تكريس وتطوير مؤسسات المجتمع المدني الحاضنة لحقوق الناس.

والتزموا بالمعارضة السلمية الشاملة

وأيضاً: توجيه الشعب لكي يواجه الظالمين بالكلمة الناقدة على طول الخط وعلى مختلف المستويات وبالموقف الصريح والمعارضة السلمية عبر الإضرابات الشاملة والمظاهرات العامة السلمية.. فان هذا هو الطريق الوحيد للتغلب على استبداد الحكومات الجائرة في بلادنا والتي تسلحت بسلاح الاستقواء بالقوى الاستعمارية والإتكاء عليها.

تأكيداً: المعارضة السلمية ولا غير.. ذلك ان العنف يوّلد العنف المضاد حتى تتسلسل حلقاته إلى ما لا نهاية.. ذلك انه إذا بدأت رحلة السقوط في دوّامة العنف فانه سيكون أشبه بالمحال إيقافها إلا بعد دمار البلاد بأكملها، وربما لا يتيسر ذلك إلا بعد عشرات السنين، ولنعتبر بسوريا كمثال وليبيا كمثال آخر واليمن كمثال ثالث، على ما بينها من فوارق في الأسباب والظروف والبواعث والخلفيات.

رواندا: قتل الرئيس.. والانتقام المضاد

ويكفي ان نلقي نظرة سريعة على الأحداث الرهيبة التي جرت في رواندا عام 1994 فان قبائل الهوتو، وهم الأكثرية، مارسوا أنواعاً من الظلم بحق الأقلية من قبيلة (التوتسي).. ومن هنا انبثقت فكرة مواجهة العنف بالعنف والقتل بالقتل في أذهان أجنحة من الأقلية.. وبالفعل تسلحت المعارضة.. وتطورت.. حتى توصلت إلى ضرورة ان توجه ضربة مدوية للحكومة.. وبعد تخطيط دقيق متقن وتدريب عال وتجسس متطور استطاعوا ان يكتشفوا بعض تحركات رئيس الحكومة.. وجاءتهم الفرصة الذهبية عندما اكتشفوا توقيت ومسار حركته بالطائرة.. وهكذا تمت الاستعدادات لإسقاط طائرة الرئيس (جوفينال هابياريمانا) أثناء هبوطها في العاصمة الرواندية (كيفالي) في 6 نيسان 1994... وكذلك كان...

ثمانمائة ألف جريمة قتل واغتصاب!!

ومن الواضح ان المعارضة أحست بنشوة الانتصار الكبير المذهل.. ولكن، وكما سبق، فان العنف يولد العنف المضاد ويرتدّ مفعوله على أصحابه، إذ ان الحكومة اللاحقة وكردّ فعل همجي انتقامي أصدرت قراراً بإبادة عامة للتوتسيين، وهكذا وخلال مائة يوم فقط قتل الهوتو حوالي ثمانمائة ألف من التوتسيين، بل واغتصبوا مآت الألوف من النساء.. كما وسرقوا كل بيت بيت يمتلكه التوتسيين!..

وهنا لنفكر قليلاً: أي انتصار شكّله إسقاط طائرة الرئيس! انه الجهل والتعصب وقصر النظر الذي يصور العنف والسلاح هو الحل، مع انه اسوأ الحلول وأخطرها إن كان حلاً أصلاً!

ولنقتبس هنا بعض ما ذكرته التقارير: (أعمال عنف واسعة النطاق بدأت في 7 أبريل واستمرت حتى منتصف يوليو 1994م، حيث شن القادة المتطرفون في جماعة الهوتو التي تمثل الأغلبية في رواندا حملة إبادة ضد الأقلية من قبيلة توتسي.(15)(16)(17) وخلال فترة لا تتجاوز 100 يوم، قُتل ما يقارب 800.000 شخص وتعرضت مئات الآلاف من النساء للاغتصاب. وقتل في هذه المجازر ما يقدر ب75% من التوتسيين في رواندا).

ومزيد التفصيل: ان الصراع بدأ عام 1962 بين الحكومة التي يشكل الهوتو أغلبيتها الساحقة، والجبهة الوطنية الرواندية المؤلفة من اللاجئين التوتسيين الذين هربوا إلى أوغندا بعد ثورة الهوتو ضد الاستعمار عام 1959. (ولقد شنّ الهوتو سلسلة من الهجمات العنيفة على الجبهة الوطنية الرواندية والتوتسيين عموماً عقب استقلال رواندا عام 1962. وأدت الضغوطات الدولية على حكومة الهوتو بقيادة جوفينال هابياريمانا إلى وقف إطلاق النار خلال فترة الحرب الأهلية عام 1993، ووضعت خارطة طريقٍ لتنفيذ اتفاقية السلام بين الحكومة الرواندية والجبهة الوطنية، حيث عُرفت هذه الاتفاقية باسم اتفاقية أروشا أو Arusha Accords.

كان الهدف من خارطة الطريق تقاسم السلطة بين الجبهة الوطنية الرواندية وعددٍ من شخصيات الهوتو المحافظة، بمن فيهم أعضاء الـ «أكازو» الذين عارضوا الاتفاقية بوصفها تنازلاً لمطالب العدو.

أدت الحملة العسكرية التي شنتها الجبهة الوطنية إلى تأكيد إيديولوجية شعب الهوتو، والذين يعتبرون أنفسهم شعباً متفوقاً، ويدّعون أن الجبهة الوطنية قوةٌ خارجية دخيلة. حيث تصوّر الحكومة في الراديو ووسائل الإعلام شعب التوتسي كأشخاصٍ غير مؤمنين، يحاولون استعادة الملكية التوتسية واستعباد شعب الهوتو. بالطبع، رفض عددٌ هائلٌ من شعب الهوتو تصديق هذه الادعاءات.

إسقاط طائرة رئيس الحكومة وحملة الإبادة المضادة

أُسقطت طائرة تقل رئيس الحكومة جوفينال هابياريمانا ورئيس حكومة بوروندي سيبريان نتارياميرا أثناء هبوطها في العاصمة الرواندية كيغالي في السادس من شهر نيسان عام 1994.(18)

كانت الطائرة في الجو أعلى منزل هابياريمانا، وأنهى هذا الاغتيال بدوره اتفاقية السلام.

بدأت المذابح الجماعية في اليوم التالي للحادثة السابقة. وشرعت قوات الشرطة والميليشيات والقوات العسكرية بإعدام شخصياتٍ رئيسية من التوتسي، والقادة السياسيين والعسكريين المعتدلين من الهوتو، بسبب تخوفهم من قيام هؤلاء القادة بالاستيلاء على السلطة عقب الفراغ السياسي الحاصل.

أنشأ المسلحون نقاط تفتيش وحواجز لتفتيش جميع السكان الذين يحملون هوية روندية. حيث تحوي الهوية الروندية معلوماتٍ عن الهوية العرقية، وهو تصنيفٌ أدرجته الحكومة البلجيكية أثناء فترة الاستعمار عام 1933. ساعدت بطاقات الهوية قوات الحكومة في التعرف على التوتسيين وقتلهم.

قامت القوات الحكومية المسلحة بتجنيد المدنيين الهوتو وحثهم على حمل السلاح، أي سلاح متوفر كالمناجل والهراوات أو أي سلاحٍ حاد. كما شجعت الهوتو على اغتصاب وقتل جيرانهم التوتسي وتدمير أو سرق ممتلكاتهم).

ولقد بدأت حملات القتل الواسعة على الأساس العرقي (19) بعد ساعاتٍ فقط من مقتل رئيس الحكومة هابياريمانا(20). استولت لجنة الأزمات بقيادة تيونيست باجوسورا على السلطة في البلاد بعد مصرع الرئيس السابق، وكانت اللجنة المنسقَ الرسمي المسؤول عن المذبحة.

أصدر تيونيست باجوسورا أوامر القتل مباشرة بعد استلامه السلطة، في خطاب عامٍ له في العاصمة كيغالي. كما أجرى مكالمات هاتفية مع قادة الولايات ووزير الدفاع وقائد القوات المظلية ورئيس الحرس الرئاسي(21).

كان الحرس الرئاسي وفرق النخبة من الجيش المشرفين الرئيسيين على المذبحة في العاصمة كيغالي، بالإضافة إلى ميليشيات أخرى ساعدت في إقامة حواجز الطرقات(22). كانت الميليشات تطالب أي عابرٍ إظهار بطاقة تعريفه الوطنية، وهي البطاقة التي تحوي على معلوماتٍ عن العرق. لذا كانت القوات الحكومية تتعرف على التوتسيين وتذبحهم فوراً(23).

قامت الميليشيات أيضاً باقتحام منازل التوتسيين وتفتيشها وسرقة ما أمكن وذبح المواطنين(24). ولعب رئيس إقليم كيغالي فيل، Tharcisse Renzaho، دوراً رئيسياً في المذابح التي حصلت. فكان يطوف حواجز الطرقات ويشرف على أداء المسلحين، ويستخدم منصبه الرفيع لإقصاء المسؤولين الرسميين إن لاحظ تقاعسهم عن قتل التوتسيين.

أما في الأرياف، فقام المدنيون بارتكاب معظم جرائم القتل تلبية لأوامر القادة المحليين(25). عاش التوتسي والهوتو جنباً إلى جنب في السابق، وكان الجميع يعرف الآخر، لذا لم يكن استهداف التوتسي في الأرياف صعباً على الإطلاق(26). ينسب جيرارد برونير اشتراك الهوتو في الجرائم إلى مزيج من عدة عوامل: ايديولوجيا الأغلبية الديمقراطية(27) –أي اعتبر الهوتو التوتسيين أعداءً وخطراً على الدولة(28)، وطاعة السلطة العمياء، وعامل الإكراه –قتل أي شخصٍ يرفض إطاعة الأوامر وقتل التوتسيين، واعتباره متعاطفاً مع الأعداء.

وقد ازدادت وتيرة القتل والمذابح على يد الحرس الرئاسي وميليشيا الشباب –بدعمٍ من السكان المحليين –في أواخر شهر نيسان وأول شهر أيار. يعتقد برونير أن عدد القتلى وصل إلى 800 ألف روندي في الأسابيع الست الأولى(29). وهو معدلٌ أعلى بخمس مرات من معدل قتلى الهولوكوست في ألمانيا النازية. اقتضت الخطة قتل جميع التوتسيين الذين يعيشون في رواندا(30)، ولم يملك هؤلاء أي قوة تردع آلة القتل العنيفة سوى الجبهة الوطنية الروندية. كما قتل عددٌ لا بأس به من الهوتو على يد الحكومة نفسها لأسباب متنوعة، كالتعاطف مع المعارضة المعتدلة، أو نقل الأخبار والعمل كصحفي، أو لمجرد امتلاك المرء ملامح شعب التوتسي).

المعارضة السلمية الشاملة قادت الهند إلى أعظم انتصار على الاستعمار

وذلك على العكس تماماً من الموقف السلمي المطلق الذي اتخذه غاندي حيث رفع راية اللاعنف مقابل الاستعمار البريطاني.. ورغم كثرة جرائم الإنكليز في الهند وتنوع اعتداءاتهم على المواطنين وعلى المتظاهرين إلا ان القيادة كانت حازمة جداً في انتهاج منهج المظاهرات والإضرابات السلمية تماماً.. حتى ان نهرو (رئيس الوزراء في أول حكومة بعد التحرير) قال: كان غاندي قد أمرنا بان لا نرد على العنف بالعنف أبداً.. وكنا نخرج في مظاهرات بمآت الألوف وأكثر، وكانت الشرطة والاستخبارات وعددهم بالألوف فقط، ينهالون علينا ضرباً بالهروات.. ورغم انهم كانوا كلقمة سائغةِ في بحر المتظاهرين.. ورغم اننا كنا نستطيع ان نقضي عليهم تماماً، إلا ان غاندي كان قد أمرنا باللاعنف المطلق حتى اننا كنا نشبّك أيادينا خلف ظهورنا كي لا تنفلت أعصابنا فنضرب الشرطي الذي يضربنا بهرواته بقسوة!

وهكذا أمكن للشعب الهندي بناء أكبر ديمقراطية مستقرة منذ أكثر من سبعين سنة، ولا تزال تتطور وتتطور حتى ان بعض الخبراء الاستراتيجيين في الغرب يرون ان الهند ستتحول إلى ثاني أكبر قوة عظمى في العالم، اقتصادياً وعسكرياً، في العام 2050، الذي يقترب منا بسرعة!!

أما بلادنا الغارقة في الاستبداد.. ثم في العنف والعنف المضاد فإنها تنتقل من خراب إلى دمار ومن دمار إلى هلاك، لا سمح الله، مسجّلة مصداقاً آخر، لا سمح الله، للإنذار الإلهي الخالد (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمينَ * ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ).. (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)؟

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم
http://m-alshirazi.com

...........................................
(1) سورة يونس: الآيتان 13-14.
(2) سورة القيامة: الآيات 26-30.
(3) سورة يونس: الآيتان 91-92.
(4) سورة يونس: الآية 13.
(5) سورة هود: الآيات 36-40.
(6) سورة نوح: الآيتان 26-27.
(7) نهج البلاغة: الكتاب 45.
(8) الفيض الكاشاني، التفسير الصافي، مكتبة الصدر ـ طهران: ج5 ص 43، تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي، دار الكتاب ـ قم: ج2 ص316 .
(9) الفيض الكاشاني، التفسير الصافي، مكتبة الصدر ـ طهران: ج5 ص 43، تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي، دار الكتاب ـ قم: ج2 ص316-317.
(10) الفيض الكاشاني، التفسير الصافي، مكتبة الصدر ـ طهران: ج5 ص 43، تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي، دار الكتاب ـ قم: ج2 ص316-317، الشيخ الصدوق، كمال ‏الدين، دار الكتب الإسلامية ـ قم: ج2 ص642.
(11) الشيخ الصدوق، كمال ‏الدين، دار الكتب الإسلامية ـ قم: ج2 ص642.
(12) سورة العلق: الآيتان 6-7.
(13) سورة الذاريات: الآيتان 52-53.
(14) نهج البلاغة: الكتاب 53.
(15) "The Media and the Rwanda Genocide"، POLISMedia، مؤرشف من الأصل في 23 سبتمبر 2009، اطلع عليه بتاريخ 30 أغسطس 2010.
(16) Rwanda: How the genocide happened, بي بي سي, May 17, 2011, which gives an estimate of 800,000, and OAU sets inquiry into Rwanda genocide, Africa Recovery, Vol. 12 1#1 (August 1998), p. 4, which estimates the number at between 500,000 and 1,000,000. Seven out of every 10 Tutsis were killed. "نسخة مؤرشفة"، مؤرشف من الأصل في 9 سبتمبر 2017، اطلع عليه بتاريخ 17 ديسمبر 2017.
(17) Caplan, Gerald (13 مارس 2007)، "Rwanda's Genocide: First the Deed, Then the Denial" (PDF)، The Globe & Mail، مؤرشف من الأصل (PDF) في 25 يناير 2018، اطلع عليه بتاريخ 01 يونيو 2015.
(18) M, Mark (03 يناير 2009)، "The Rwandan Genocide: Role of the Media, Local Politics and the International Community"، مؤرشف من الأصل في 20 أبريل 2019.
(19) James, Paul (2015)، "Despite the Terrors of Typologies: The Importance of Understanding Categories of Difference and Identity"، Interventions: International Journal of Postcolonial Studies، 17 (2): 174–195، doi:10.1080/1369801x.2014.993332، مؤرشف من الأصل في 10 يونيو 2019.
(20) Melvern 2004، صفحة 165.
(21) Melvern 2004، صفحات 146-147.
(22) Melvern 2004، صفحة 164.
(23) Prunier 1999، صفحات 244 245.
(24) Prunier 1999، صفحة 236.
(25) Prunier 1999، صفحة 242 243.
(26) Prunier 1999، صفحة 243.
(27) Prunier 1999، صفحة 261.
(28) Melvern 2004، صفحة 204.
(29) Prunier 1999، صفحة 244.
(30) Prunier 1999، صفحة 247.

اضف تعليق