بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد وأهل بيته الطاهرين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)(1).

وقال جل اسمه: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمينَ * ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)(2).

(المصلحة العامة) سلاح المستبدين

إنّ أحد أهم أسلحة المستبدين والظالمين والمجرمين، على مر التاريخ وعلى أوسع نطاق، هو سلاح الكبريات المخادعة والكليات المضلّلة، وأهمها على الإطلاق هو سلاح الأهم والمهم وسلاح المنفعة الخاصة والمصلحة والعامة، كمبرّر للظلم الذي يمارسونه في حق العامة أو الخاصة.

ونعني بالكبريات المخادعة القضايا الكبروية العامة التي لا يشك في صدقها في حد ذاتها أحد، وذلك كقاعدة (الأهم يقدم على المهم) وقاعدة (المصلحة العامة متقدمة على المنفعة الخاصة) ولكن المغالطة تكمن أولاً في تطبيق هذه الكبريات على المصاديق والصغريات وثانياً في تحديد المرجعية في تشخيص مدى انطباق الكبرى الكلية على هذه الحالة الخاصة المصداقية.

وههنا نجد أجلى مصاديق تلبيس إبليس وأوضح مظاهر سياسة التجهيل التي تمارس بحق عامة الناس، حيث يستنجد أئمة الضلال بشعارات عقلائية براقة وبمستقلات عقلية مسلّمة باعتبارها قواعد عامة، لتبرير قرارات شخصية تماماً وانتهازية وميكيافيللية مائة بالمائة.

ومن أوضح الشواهد على ذلك اتهام الحكومات للمعارضة بأنواع التهم، وقبل ذلك محاولات الكفار لتسقيط الأنبياء عبر شعار: (وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى‏ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبينَ)(3).

و(قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَليمٌ * يُريدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَما ذا تَأْمُرُونَ)(4).

و(قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنينَ)(5).

و(كَذلِكَ ما أَتَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ)(6).

و(عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ)(7) فالسحر، ككبرى كلية، دجل والكذب، كقاعدة عامة، مبغوض، لكن المغالطة كل المغالطة تكمن في تطبيق الكبرى على الصغرى ومحاولة إضلال الناس عبر تصوير حملة راية الحق مبطلين...

العثمانيون: المملكة إرث لأبنائنا، والإخوة نقتلهم قربة إلى الله!

ولقد سبقت الإشارة إلى نماذج من العثمانيين حيث جرى ديدن الكثير من سلاطينهم على قتل إخوتهم متذرعين بذريعة المصلحة العامة، ونضيف: وان الأغرب أن بعض المؤرخين والحواشي، وربما جرى على لسان بعضهم، اعتبروا قتل خلفاء العثمانيين لإخوتهم أنموذجاً مشرقاً من (التضحية السامية) لأجل مصلحة العباد والبلاد؟ وهكذا تُحوَّل أعظم جريمة إلى عمل من أعمال القديسين!! ويكفي ان نقتطع النص الآتي الذي يعبر عن هذه المخادعة الشيطانية: (كان التقليد القائل بأن «المملكة هي ملك مشترك للعائلة الحاكمة» قد استمر منذ عادات الأتراك السياسية الأولى حتى لما بعد دخولهم الإسلام، واعتاد بعض الحكام الأتراك أن يقسم ممتلكاته على أبنائه الأمراء من أجل تجنب حصول حرب أهلية، ومع ذلك فإن هذه الممارسة كانت الطريق لإضعاف الدولة، ومهّدت الطريق لإسقاطها. ولحسن الحظ، تعلم العثمانيون من هذه التجارب، ولقد ضحوا بأنفسهم من أجل الدولة والشعب، وشربوا السمّ المرير بأنفسم، كان هذا السم المرير هو إعدام أفراد العائلة من أجل «المصلحة العامة»، والتي عرفت باسم «قتل الإخوة») - انتهى.

ولنلاحظ سلسلة المغالطات والأكاذيب والكبريات المخادعة:

- (المملكة هي ملك مشترك للعائلة الحاكمة)!

- ولذلك فإن من الصحيح ان يقسم السلطان البلاد بين أبنائه كما يقسم الإرث بين الوراث! وطبقاً لهذه النظرية، قام صلاح الدين الأيوبي بتقسيم البلاد الإسلامية الشاسعة بين أبنائه فأعطى كلّاً منهم مجموعة من الدول الإسلامية فَجَعَل إمارة دمشق لابنه الأفضل نور الدين علي، وجَعَلَ ولاية مصر لولده العزيز عثمان، وإمارة حلب لولده الظاهر غازي غياث الدين... وهكذا.

- وان تقسيم البلاد بين الأبناء هو لمصلحة البلاد والعباد، كي لا تحدث حرب أهلية فيما إذا أعطي أحدهم الحكم وحرم الآخرون من السلطنة! مع ان إعطاء كل ولد حكومة يمنحه القوة والعزيمة لكي يحاول احتلال سائر البلاد.

- وحيث اكتشفوا ان هذا الطريق خاطئ لذلك قرروا التضحية العظمى عبر قتل السلطان لكافة إخوته من أجل المصلحة العامة! وهكذا، وبشعوذة مذهلة، يتحول المجرم إلى قديس!

وقد سبق ان (مراد الثالث فور توليه السلطنة، أمر بقتل إخوته الخمسة، بينما أذهل محمد الثالث الجميع عندما أمر بقتل 19 من إخوته عبر خنقهم قبل دفن أبيه)(8)!

والغريب ان هؤلاء السلاطين بعد قتلهم كافة إخوتهم لم يرتووا بل قرروا تعذيب الأمراء الباقين، وإن لم يكونوا إخوة يخشى منهم، عبر نظام (القفص) والذي كان يعني عزلهم في جناح خاص أ- ومنعهم من الخروج إلى العالم الخارجي أبداً، ب- ومنع أي شخص كان من الدخول عليهم. ج- بل ومنعهم من الزواج بشكل مطلق. د- بل وفوق ذلك كانوا (بقوا عرضة في أي وقت لأن يدلف عليهم بعض الجند ليخنقهم بوتر، وهو ما أشاع بين هؤلاء المحبوسين الاضطرابات النفسية، إلى حد أن السلطان سليمان الثاني، حين دخل عليه رجال الدولة لتوليته السلطنة، أخذ يتوسل إليهم ألا يعبثوا معه، وأن يعجلوا بقتله بدلًا من تعذيبه بانتظار الموت كل يوم!)(9).

وصفوة القول: ان (الكفاءة) عندهم كانت تتلخص في (القوة) كمنطق الغاب تماماً، بل الغريب ان نجد نفس هذا المنطق يحكم كافة المستبدين، حيث ان زيداً إذا أمسك مقاليد الأمور رأى، ومعه حواشيه وأعوان الظلمة وأبواق السلاطين، ان له الحق في ان يسحق عمراً، والعكس صحيح تماماً، فكل من أمسك زمام الحكم يرى (قوته) المبرر تماماً لقمع المعارضين والناقدين بل ومطلق الآخر.

ماذا يحدث لو منح الله حق التشريع للبشر؟

ومن ذلك وغيره مما سيأتي نستكشف السبب في ان خالق الكون تعالى لم يمنح هذا الإنسان حق التشريع وتشخيص الصغريات ومصدقة الكبريات في الجزئيات، بل تصدى جل اسمه لتحديد أحكام المصاديق والمفردات مباشرة وحدّد مرجعيات محددة في مناطق الفراغ.. ولو انه تعالى خوّل الناس التشريع على حسب معادلة الأهم والمهم فيما يتصورونه أو على حسب معادلة المصلحة العامة فيما يعتقدونه لوجدت التغييرات المدهشة الآتية:

- الأفضل من الصلاة هو التأمل الذاتي (Meditation) لأن الهدف إذا كان هو ذكر الله فإن التأمل البوذي يحقق هذا الغرض بشكل أفضل!

- ولا حاجة إلى الزواج أبداً بل تكفي فيه المعاطاة والمراضاة!

- والمباغي والمخامر والمقامر، يجب ان تكون مسموحاً بها مادامت تدرّ على الاقتصاد، عبر الضرائب التي تجبى منها، وارداً ضخماً! وقد استدل رئيس وزراء إيراني أسبق لسماحه للمخامر في البلاد، بذلك!

- ويجوز القصاص قبل الجناية، لأنه يحتمل ان يشكل الجناة خطورة ما يوماً ما على النظام الحاكم!.

- كما وتجوز السرقة من الأغنياء ماداموا يمتلكون فائضاً من الأموال، ولنسمها تلطيفاً لوقعها بـ(المصادرة الثورية) أو لنسمها بـ(الضريبة الحكومية)!

إن الله تعالى بعلمه المحيط كان يعلم بان التشريع، ومن ضمنه تشخيص مصاديق الأهم والمهم، لا يصح ان يوكل إلى البشر، وإلا لوجدتهم:

- يجوّزون (التعذيب) و(التمثيل) بل ويوجبونه إنطلاقاً من الأهم والمهم.

- ويجوّزون إبادة أعراق أو مذاهب أو حتى مدن كاملة كناكازاكي وهيروشيما، بألف عذر وعذر.

- ويجوّزون قتل البريء، استباقياً، وكما سبق، لأجل المصلحة العامة.

- ويبرّرون للمغول، تدمير دول كاملة، ولمغول العصر تدمير ليبيا وسوريا (يؤازرهم في ذلك جهل الحكام واستبداداهم) وسرقة ثروات البلاد بأكملها، الهند زمن الاحتلال البريطاني مثالاً والمستعمرات الفرنسية في أفريقيا مثالاً آخر.

لماذا لم يمنح الله تعالى البشر حق التشريع؟

والسر في ان البشر لا يصح تفويض أمر الأهم والمهم إليهم هو ان البشر محاطون من كل الجهات:

- بالأهواء والشهوات، والقوة الشهوية والقوة الغضبية، والحسد والكبرياء والعجب والغرور والبخل والجبن وسائر الرذائل الخلقية، كلّ في بُعد أو أكثر بقدر ما أو أكثر، مما يفقدهم المقدرة على إصدار الأحكام السليمة والحياد الضروري عند اتخاذ القرارات الكبرى.

- وبالمصالح الشخصية والقبلية والفئوية والحزبية.

- وبضغوط الحواشي والأصدقاء والأقرباء واللوبيات الضاغطة.

- وبالمسبقات الفكرية والخلفيات السيكولوجية والعقد المستحكمة.

- وأيضاً: بالجهل ببعض أو بكافة المعطيات وجهات التزاحم والمقتضيات والموانع والعوائق والعوامل المضادة، وبالعلل الطولية والعرضية، والآثار بعيدة المدى، ومن هنا تختلف قرارات البشر في القضية الواحدة، فيحكم فيها شخص بان المصلحة تكمن في هذا الجانب ويحكم فيها آخر بان المصلحة تكمن في الجانب الآخر.

ومن هنا وضع الشارع الأقدس خمسة أسقف لا يصح لكبريات المنفعة والمصلحة العامة والأهم والمهم ان تتجاوزها وهي (الحق) و(القانون) و(الشورى) و(اتفاق العقلاء من كافة الملل والنحل) إضافة إلى سقف (المرجعية ذات المواصفات الملائكية) وسيأتي في البحث القادم الكلام عن هذه الأربعة بتفصيل بإذن الله تعالى.

وعوداً على بدء فإن البراهين متكثرة على ان الإنسان مهما سما وعلا، فانه لا يصح ان يفوّض إليه التشريع وتشخيص مفردات الأهم والمهم والمنفعة الخاصة والمصلحة العامة، ولقد أشرنا إلى الحكام المستبدين كنموذج على التلاعب المذهل بالكبريات العقلائية لتبرير جرائمهم الشيطانية، وسنشير الآن، وفي البحوث القادمة، إلى نماذج من الحكومات الديمقراطية التي يفترض فيها ان تحكم الشعب بالشعب وان تكون للشعب من الشعب، لكنها عملياً لا تتجاوز كونها نسخة أخرى، قد تكون ملطفة أحياناً وقد تكون شديدة القسوة أحياناً أخرى، من الحكومات المستبدة الجائرة.

افتعال الندرة وإتلاف ملايين الأطنان من الأطعمة!

فإن من المعروف ان الغرب يُتلِف سنوياً ألوف الأطنان من المواد الغذائية والمحاصيل الزراعية، ويكفي ان نعرف ان أميركا أتلفت في بعض السنين حوالي ثلث كافة المنتجات الغذائية والتي قدرت قيمتها بحوالي مائة وستين مليار دولاراً! ولو فرضنا ان كل كيلو من الطعام قيمته، كمعدل، دولار واحداً فذلك يعني إتلاف مائة وستين مليار كيلو من الطعام أي عشرين ضعف أعداد كافة البشر على فرض انهم بلغوا الـ8 مليارات نسمة!

بين الأسباب الواقعية والأسباب المفتعلة

والمأساة ان التبريرات التي تبدو منطقية لهي جاهزة دائماً، فقد برروا ذلك بفقدانها المعايير الجمالية! كما برروا ذلك بان الوفرة توجب الرخص وهذا مما يضر بالمزارع الأمريكي، عكس الندرة النسبية التي توجب ارتفاع القيم!

لكن الواقع مختلف عن ذلك تماماً؛ فان الواقع هو ان فرض المعايير الجمالية في المنتجات الزراعية ما هو إلا ستار يخفي خلفه (جشع السوبرماركتات الضخمة) التي تريد ان تجني أرباحاً طائلة لا تحصل عليها إلا مع افتعال الندرة، والواقع هو انها هي المنتفع الأكبر من الندرة المفتعلة وان إهدار المحاصيل وإتلافها أمر قد فرض قسراً على المزارعين وان الكميات المتلفة كميات هائلة من المحاصيل الزراعية تبلغ أحياناً الـ25%، ولم تكن وليدة رغبة المزارعين أبداً.

والحكومة الأمريكية، كسائر الديمقراطيات، بات معروفاً للكل، انها تخضع للوبيات الضاغطة، وان المرشح سواء أكان من هذا الحزب أم ذاك يفتقر إلى دعم الشركات العملاقة واللوبيات الفاعلة في انتخابه أولاً ثم في إعادة انتخابه، ولذلك فانه يضطر (لكي يصل إلى الكونغرس) بان يستجيب لطلبات تلك الجهات، وليست معايير المصلحة العليا للشعب إلا شعارات تخفي خلفها قرارات تتخذ لصالح جماعات الضغط المختلفة، بل لقد بات من المعروف ان السياسة المالية التوسعية أو التضييقية وكذلك السياسة المالية النقدية بقسيمها تخضع لا للمعادلات الاقتصادية بل للضغوط الحزبية وغيرها.

وماذا تقول الغارديان؟

ولنقتطف هنا مقتطفات مما ذكرته صحيفة الغارديان الرصينة المعروفة(10)

(ووجدت غولدنبيرغ أن الكثير من الغلال يهدر بسبب «المعايير الجمالية».

وقالت إن جاي جونسون، وهو متعهد توريد خضراوات وفواكه طازجة، شرح لها بالقول إن المحاصيل «يجب أن تكون مثالية وإلا فسوف ترفض». ونتيجة لذلك، يتخلص العديد من المزارعين وقائيا من قسم كبير من محاصيلهم حتى يقتصدوا في أكلاف النقليات).

(وأكد هذه المعلومات لغولدنبيرغ مزارع البطاطا في كاليفورنيا وايد كيرشمان بقوله: «في بعض الأحيان نطرح 25% من المحصول أو نطعمه للمواشي).

(وحسب غوردون، فإن عنصراً رئيسياً في إهدار المحاصيل مرتبط بمسألة أرباح السوبرماركات. وقال غوردون في مقابلة مع غولدنبيرغ: «إذا خفضنا أنت وأنا هدر المحاصيل الطازجة بنسبة 50% كما يريدنا وزير الزراعة توم فيلتشيك ان نفعل، فعندئذ سينخفض هامش أرباح السوبرماركات». فهل يعني ذلك أن هذه مسألة افتعال ندرة محاصيل؟. حسب غولدنبيرغ، من الممكن فعلاً أن تكون هذه هي الحال).

وفوق ذلك فان ذلك كله يفرض قسراً على المزارعين (وقد قال مزارعون وسائقو شاحنات أجريت معهم مقابلات، وطلبوا عدم ذكر أسمائهم، أنهم شاهدوا محاصيل ترمى لأسباب واهية، ولكنهم قرروا عدم الاعتراض على قواعد وأنظمة وزارة الزراعة خوفاً من أن تقاطعهم شركات السوبرماركات الكبرى النافذة.

بكلمات أخرى، السوبرماركات الكبرى، وليس المستهلكون، هي التي تفرض المعايير البغيضة التي تطبق عبر كل سلسلة الإمداد).

ولكن لماذا لا يعترض المزارعون؟ (خوفاً من أن تقاطعهم شركات السوبرماركات الكبرى النافذة) و(قال مالك شركة نقليات لغولدنبيرغ أنه حتى إذا أراد مزارعون تحدي سوبرماركات، فلن تكون لديهم فرصة تذكر للنجاح. وقال: «لا نستطيع شيئاً. لأننا إذا حاولنا اللجوء إلى القانون، فسوف يقاطعوننا ولن يشتروا شيئاً منا. فهل يمكننا ان نخسر مبيعات سنوية بقيمة 5 ملايين دولار بسبب خلاف على شحنة واحدة قيمتها 8 آلاف دولار؟»).

وذلك كله إلى جوار المآت من الشواهد الأخرى يكشف عن ان تشخيص صغريات المصلحة والمفسدة، ومفردات الأهم والمهم لو أحيل إلى البشر حتى في الديمقراطيات العريقة، لكانت النتيجة سلبية تماماً حيث يساء استخدامها حينئذٍ بشكل مذهل سواء أكان ذلك نتيجة الإطماع أم نتيجة الضغوط أم نتيجة الجهل كما سبق.

عقلاء الغرب يحتّجون

وقد بدأت تتعالى في الغرب نفسه الأصوات التي تحتج بشدة على إهدار المحاصيل الزراعية؛ لأسباب عديدة إنسانية واقتصادية.

فمن الأسباب الإنسانية: ان هذا الفائض كان المفروض ان يرسل إلى الفقراء والمعوزين والجوعى في البلاد الفقيرة ولو عبر إعطائه للجهات الخيرية المتطوعة بدل ان يحرق ويتلف في الصحاري والبيداء! ألا يتشدق الغرب بحقوق الإنسان؟ فأين حقوق الإنسان إذاً؟.

ومن الأسباب الاقتصادية – الإنسانية: ان افتعال الندرة يضر بعامة المستهلكين (وهم عشرات الملايين) إذ ترتفع الأسعار حينئذٍ بشكل كبير، لمجرد ان ان تنتفع أقلية من السوبرماركتات العملاقة التي (تحتكر) حرفياً شراء وبيع المحاصيل الزراعية، في الوقت الذي لا ينتفع فيه المزارعون إلا بشكل طفيف.

ومن الأسباب الإنسانية – الاقتصادية ان إحراق المحاصيل يوجه أكبر الأضرار للبيئة، ويكفي ان نقتبس النص اللاحق من الغارديان أيضاً: («خبراء الغذاء يقولون إن هناك إدراكاً متزايداً لحقيقة أن الحكومات لا يمكنها أن تكافح بفعالية الجوع أو التغير المناخي من دون تقليل إتلاف محاصيل. وهذا الإهدار يساهم بنسبة 8% من تلوث البيئة في العالم، أي أكثر من مجموع مساهمة الهند وروسيا»). وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم
http://m-alshirazi.com

....................................
(1) سورة العصر: الآيات 1-3.
(2) سورة يونس: الآية 13-14.
(3) سورة هود: الآية 27.
(4) سورة الأعراف: الآية 109-110.
(5) سورة يونس: الآية 78.
(6) سورة الذاريات: الآية 52.
(7) سورة ص: الآية 4.
(8) الدرس (346) والجدير ذكره ان النصوص المذكورة في هذا الدرس والدرس السابق مقتبسة من مقالين: الأول بعنوان (قتل الإخوة الذكور.. الجريمة التي قنّنها محمد الفاتح) والثاني بعنوان (تاريخ قتل الإخوة في الإمبراطورية العثمانية).
(9) ومن المهم التنبيه إلى ان بعض مناصري الامبراطورية العثمانية ينكرون بعض ما ذكر من جرائم سلاطينهم، ولكن لأن أمكن لهم ان ينكروا بعضها فان بعضها الآخر من الشهرة التاريخية بحيث لا يمكن لأي عاقل ان ينكرها أبداً، ويكفينا ان نطلع على أسماء عدد من مشاهير المؤرخين الذين سجلوا تلك الأحداث (ويبقى آخر دفاعاتهم-وأسهلها عليهم-هو ادعاؤهم بأن "هذا كلام مدسوس مكذوب دسه المُعادون للدولة العلية أعادها الله"، والرد عليهم أن هذه الوقائع ذكرها مؤرخون أتراك ثقال أمثال يلماز أوزتونا وخليل إينالجيك، أو مؤرخ عثماني الهوى هو محمد فريد بك، أو مؤرخ متخصص في التاريخ التركي ومتعاطف-لكن بغير تعصب-مع الدولة العثمانية مثل الأستاذ الدكتور محمد سهيل طقوش، أي أن هذه المعلومات المذكورة، من كتابات رجال يُفتَرَض أن يكونوا ثقات عند المتعاطفين مع العثمانيين.. فإن افترض العثمانيون الجدد سوء نوايا من يهاجمون الدولة العثمانية، فهل يمكنهم افتراض سوء نوايا هؤلاء السالف ذكرهم؟).
(10) بتاريخ 25 أغسطس 2016.

اضف تعليق