شيخ المسجد ونجم السينما

من كتاب خواطري عن القرآن

(وَبَشّرِ الّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ كُلّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رّزْقاً قَالُواْ هَـَذَا الّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مّطَهّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). (سورة البقرة: الآية 25)

سؤال:ـ هل هؤلاء العجائز، المتكومون في زوايا المساجد، يدخلون الجنة، وأولئك الأبطال الذين موجوا الحياة، وأغنوها بالحيوية والنشاط، يدخلون النار؟؟!!

جواب:ـ

أولا:ـ إننا لا نملك توزيع الجنة والنار، وإنما هنالك حقائق تأخذ مجاريها الواقعية، رضينا أم أبينا: فكما أن حبات المطر، تأخذ مجاريها ـ الضيقة الملتوية ـ إلى البحر. وكما أن النباتات والحيوانات. تستريح ـ أخيراً ـ في التراب. كذلك: كل ما كان من أصل الجنة، ينتهي إلى الجنة ـ باختياره ـ. وما كان من أصل ناري، ينتهي إلى النار ـ باختياره ـ مهما كانت التوقعات.

وقديماً: تدخلت الآراء الموضعية في مقاييس الحياة، حتى:

(وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هذا الْقُرْآنُ على رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) سورة الزخرف: آية 31، فتصدى لها القرآن:

(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) سورة الزخرف: آية 32.

ثانياً:ـ من الخطأ أن نخصص الجنة بالعجائز المتكومين في زوايا المساجد، ومن الظلم أن ندفع الأبطال الذين موجوا الحياة إلى النار. فالإسلام ما قال: (الجنة للعجائز، والأبطال للنار)، وإنما قال الله:

(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) سورة القصص: آية 77، وقال النبي:

«ليس منا من ترك آخرته لدنياه، وليس منا من ترك دنياه لآخرته» وسائل الشيعة ج12 ص49.

فأراد السيف مع المصحف، ووضع الفقه إلى جانب المتجر، وبنى المسجد في جوار العمل.

ثالثاً:ـ إن لكل مقصد إعداداً خاصاً يتناسب معه: فالإعداد لحلبة الملاكمة يختلف عن الإعداد لمنصة القضاء، والتهيؤ للكمالات الروحية يكون بشكل بعيد عن التهيؤ للأعمال الإرهابية، هكذا.. الترشيح للآخرة غير الترشيح للدنيا: فالمؤهلات والممارسات التي تؤدي إلى الشهرة والمنصب والمال؛ ليست هي ـ بالضرورة ـ ذات الممارسات التي تؤدي إلى الدرجات الرفيعة في الآخرة لأن الأعمال المادية تبقى في الدنيا، ولا تنتقل إلى الآخرة إلا الصفات المنعكسة على الروح من الأعمال المعنوية. فالشيء المناسب للجنة قد يتناسب الدنيا وقد لا يتناسبها، كما أن الشيء المتجانس مع النار ربما يتلاءم مع الدنيا، وربما لا يتلاءم معها. فليس المهم ما هو مقبول في الرؤية الدنيوية، وإنما المهم من هو منسجم مع الآخرة.

فللدنيا مقايس إن لم تكن متنافرة مع مقاييس الآخرة فإنها ليست متطابقة معها، ولا شك: أن هنالك نقاط لقاء كالمزايا والخدمات الإنسانية:

(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) سورة الزلزلة: آية 7، ولا شك ـ أيضاً ـ أن هنالك نقاط فراق كالصفات والأعمال الأنانية:

(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) سورة القصص: آية 83.

وعندما نعلم: أن للآخرة مقاييس ليست متطابقة مع مقاييس الدنيا، نضطر إلى استعلامها عن الخبراء بها. والخبراء بالآخرة، هم: الأنبياء والأوصياء، الذين تطوعوا بشرح تلك المقاييس. ورغم أن البشر معقوف إلى الوراء، فلا يرى مستقبله إلا من خلال ماضيه: فالأطفال لا يستوعبون مرحلة الشبيبة، والشبيبة لا تتفهم الشيخوخة إلا من خلال مسبقاتها؛ مع هذا القصور، نستطيع استطلاع الآخرة ـ من خلال الأنبياء والاوصياء ـ إذا تحلينا بشيء من التجرد والتأمل.

وقال الأنبياء والأوصياء: إن هذا النوع من الإعداد الفكري والعملي: (الإيمان والتقوى) هو الذي يهيئ للجنة، وأن النوع المعاكس من الإعداد الفكري والعملي: (الجحود والانفلات) يهيئ للنار.

وعندما تنتقل القضية إلى مرحلة لا نعرف عنها شيئاً إلا من خلال الخبراء، لا بد أن نقف عند قولهم، ولكن قد يستحوذ حماس مراهقي على بعض الناس، فيشق عليهم أن يروا: شيخاً مسجدياً في الجنة، ونجماً سينمائياً في النار.

الإيمان والعمل الصالح

لا نجد آية في القرآن أشارت بالإيمان وحده. فكلما ذكرت نتائج الإيمان، كان مقروناً بالعمل الصالح، مما يؤكد أن الإيمان ـ وحده ـ لا ينتج:ـ

1ـ الإيمان ليس أكثر من قناعة علمية، فإذا لم تمارس تكون عديمة الجدوى. فجدوى القناعات العلمية بممارستها، وقديماً قيل:

«علم بلا عمل، كشجر بلا ثمر» غرر الحكم ودرر الكلم.

2ـ الإيمان، كطاقة، إذا لم تمارس تتضاءل تدريجياً، حتى تفقد حرارتها وحيويتها ـ كسائر الطاقات الفكرية والعضلية ـ، وحتى تعجز عن التحرك، فتكون كالعديمة بالفعل.

3ـ الإيمان الذي لا ينعكس على سلوك المؤمن، يشك في وجوده. فالأحرى أن يعتبر (مقدمات الإيمان) أو (تقليد إيمان). فليس من الطبيعي: أن يقتنع فرد بفائدة كبيرة من عمل ثم يتركه. أو يقتنع بخسارة فادحة من عمل، ثم يرتكبه.

انقر لاضافة تعليق