دور العقل الباطن في صناعة شخصية الإنسان

(قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم في كتابه الكريم: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً)(1).

من البصائر: الشاكلة مرجّح وليست عِلّة

الظاهر من الآية الشريفة ان الشاكلة مجرد مقتضٍ للعمل على طبقها وليست عِلّة تامة لصدور الأفعال من الإنسان بدون إرادة واختيار، وذلك:

من الأدلة العقلية والقرآنية

للقرينة العقلية العامة الحافّة بهذه الآية وسائر الآيات ولشهادة الوجدان بان ما يعمله الإنسان من خير أو شرّ فإنما يعمله باختياره وليس مجبولاً أو مجبوراً عليه وان نفسه أو شاكلته إنما هي داع أو مقتضٍ أو مشوق أو محفّز فقط من غير ان يصل إلى درجة الجبر، نعم درجات الداعوية والتحفيز والتشويق مختلفة فقد تكون ضعيفة أو متوسطة أو قوية أو حتى قوية جداً ولكن لا بدرجة تسلب الاختيار.

ويدل على ذلك أيضاً قوله (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)(2) ولو كان العمل على طبق الشاكلة قسرياً لكان إلهام النفس الفجور والتقوى لغواً بل لما صح إسناد الفجور إليها أصلاً، ولما صح قوله (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا)(3) و(وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)(4) بإسناد التزكية والدس للشخص نفسه، بل ويدل على ذلك مثل قوله (وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)(5) فان الجزاء لا يعقل على العمل اللاإرادي.

ويدل على ذلك من ظاهر الآية أمور:

الأول: إسناد الفعل إلى الشخص في الآية الكريمة، فان ظاهر الأفعال عندما تسند للأشخاص كونها عن قصد وإرادة واختيار، فعندما نقول مثلاً: أكرم زيد عمراً وذهب بكر إلى المدرسة وبنى المهندس الدار فان ظاهرها انها بإرادة واختيار لا عن قسر مُخرجٍ للفاعل عن حدود الإرادة إلى حد الإلجاء بحيث يصدر منه الفعل لا باختيار، وقد جاء في الآية الشريفة (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ) وظاهر (يَعْمَلُ) انه هو العامل لا ان شيئاً آخر (مسمىً بالشاكلة أو غيرها) قد صدر عنه الفعل أو انه عمل بلا اختيار، فان هذا هو المحتاج للقرينة.

الثاني: ان المتفاهم عرفاً من مثل هذا التركيب هو ذلك؛ ألا ترى انه لو قال قائل: قل كل فرد في العشيرة يعمل على شاكلة عشيرته، أو كل حزبي يعمل على توجيهات قيادته، أو كل مسلم يعمل على حسب دينه، أو كل مقلد يعمل على فتوى مرجعه، أو كل إنسان يعمل على حسب مزاجه، أفاد انه يعمل على طبق شاكلة عشيرته أو طبق توجيهات قيادته أو على حسب فتاوى مرجعه وتعاليم دينه، بإرادته لا بقسرٍ مُخرِجٍ له عن حد الاختيار. هذا

الرازي: نظرية اختلاف أفراد البشر بالجوهر والماهية!

وقد ذهب الفخر الرازي إلى ان الآية مما يستفاد منها ان الناس أنواع مختلفة بالماهية والجواهر وان الأفعال الشريرة الصادرة من الإنسان إنما تصدر منه لأن شاكلته وجوهر نفسه وماهيته شريرة، على العكس من الأفعال الخيرة التي تصدر من الإنسان فإنها تصدر منه لأن شاكلته وجوهره وماهيته هي ماهية من نوع آخر وهي شاكلة النور والجوهر.

والحاصل: انه صرح بان ماهيات الناس تختلف بالنوع والجوهر وأفاد، بما يشبه التصريح وبما هو لازم كلامه قهراً بان الأفعال الخيرة والشريرة وليدة حتمية للنفوس الخيرة والشريرة بل وكذا الصفات الحسنة كالكرم والشجاعة والفتوة والحمية والتواضع، والصفات السيئة كالجبن والحسد والحقد والحسد وغير ذلك.

قال (ثم قال تعالى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) قال الزجاج: الشاكلة الطريقة والمذهب. والدليل عليه أنه يقال هذا طريق ذو شواكل أي يتشعب منه طرق كثيرة ثم الذي يقوي عندي أن المراد من الآية ذلك قوله تعالى: (فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً) وفيه وجه آخر وهو أن المراد أن كل أحد يفعل على وفق ما شاكل جوهر نفسه ومقتضى روحه فإن كانت نفسه نفسا مشرقة خيّرة طاهرة علوية صدرت عنه أفعال فاضلة كريمة وإن كانت نفسه نفسا كَدِرة نذلة خبيثة مضلة ظلمانية صدرت عنه أفعال خسيسة فاسدة.

وأقول: العقلاء اختلفوا في أن النفوس الناطقة البشرية هل هي مختلفة بالماهية أم لا؟ منهم من قال: إنها مختلفة بالماهية وإن اختلاف أفعالها وأحوالها لأجل اختلاف جواهرها وماهياتها، ومنهم من قال إنها متساوية في الماهية واختلاف أفعالها لأجل اختلاف أمزجتها. والمختار عندي هو القسم الأول والقرآن مشعر بذلك، وذلك لأنه تعالى بيّن في الآية المتقدمة أن القرآن بالنسبة إلى البعض يفيد الشفاء والرحمة وبالنسبة إلى أقوام آخرين يفيد الخسارة والخزي ثم أتبعه بقوله: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) ومعناه أن اللائق بتلك النفوس الطاهرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الذكاء والكمال، وبتلك النفوس الكدرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الخزي والضلال كما أن الشمس تعقّد الملح وتليّن الدهن وتبيّض ثوب القصّار وتسوّد وجهه.

وهذا الكلام إنما يتم المقصود منه إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفة بماهياتها فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن نور على نور وبعضها كدرة ظلمانية يظهر فيها من القرآن ضلال على ضلال ونكال على نكال)(6).

المناقشات: الفطرة والوجدان والبرهان والقرآن، تكذّب النظرية

أقول: كلامه ليس بالصحيح في حد ذاته، وليس استنباطه من الآية صحيحاً أيضاً.

اما أولاً: فلأن دعوى (ان اختلاف النفوس الناطقة البشرية هو إختلافٌ بالماهية وان اختلاف أفعالها وأحوالها لأجل اختلاف جواهرها وماهياتها) تكذِّبها الوجدان والفطرة كما يدرك العقل المستقل بطلانها؛ وذلك لبداهة ان الشجاعة والجبن والكرم والبخل والتكبر والتواضع وغيرها حالات عارضة للإنسان وليس جزء ذاته أو نفس حقيقته، وليس الشجاع أو الكريم أو المتواضع مختلفاً بالجوهر والماهية والحقيقة والذات والذاتيات عن الجبان والبخيل والمتكبر، بل هي اعراض مفارقة؛ ولذا أمكن ان يتحول الشجاع جباناً أو العكس أو الكريم بخيلاً أو العكس.

والحاصل انه يدل على عدم الاختلاف الذاتي باختلافها، انها مفارقة غير لازمة مع ان الذات والذاتي لا تختلف ولا تتخلف و("ذاتي شيء لم يكن معللا" حتى عرّف الذاتي بما لا يعلل والعرضي بما يعلل‌ و"كان‌" خاصته الأخرى أنه‌ "ما يسبقه تعقلا. وكان أيضا بيّن الثبوت له‌" إذا تعقل ذلك الشيء بالكنه. "وعرضّيه‌" أي عرضي الشيء "اعرفن‌" في كل من المقامات‌ "مقابله")(7)

بل ان بعض الصفات وإن كانت لازمة فإنها تبقى كيفيةً وصفةً وعرضاً من الأعراض؛ ألا ترى ان العلم كيفية نفسية وليس ذات الإنسان؟ والبداهة تشهد بان الجبان لو صار شجاعاً فانه قد تعاقبت صفتان على نفسه الإنسانية واختلفتا عليه مع وحدته وليس انه كان نوعاً (كالأسد) فصار نوعاً آخر (كالكلب مثلاً).

هذا كله إضافة إلى بداهة ان الرجل والمرأة من نوع واحد وكلاهما إنسان ولكن على كلامه يلزم ان تكون المرأة من ماهية أخرى غير الإنسان! وكذلك يلزم ان يكون الأسود من ماهية أخرى غير ماهية الإنسان الذي هو الأبيض فقط. فتأمل(8)

والأدهى من ذلك قوله بان اختلاف أفعالها إنما هو لاختلاف جواهرها، إذ يلزمه إضافة إلى ما سبق: أن الإنسان لو عصى الله بغيبة انقلبت ماهيته إلى ماهية أخرى ثم لو أطاع انقلبت ماهيته مرة أخرى ثم لو عصى انقلبت ماهيته مرة ثالثة وهكذا قد تنقلب ماهيته باليوم والليلة مائة مرة أو ألف مرة!

واما ثانياً: فلأن استظهاره من الآية باطل لأن قوله تعالى (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) أعم من كون عمله على شاكلته عن اختيار أو اضطرار فانه صادق على كليهما لو لم نقل باختصاصه بالأول بقرينة إسناد الفعل إليه الظاهر في صدوره عن إرادة وقصد، وأعم من كون الشاكلة علّة تام لعمله أو علّة ناقصة ومقتضياً، فقوله (وهذا الكلام إنما يتم المقصود منه إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفة بماهياتها فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن نور على نور وبعضها كدرة ظلمانية يظهر فيها من القرآن ضلال على ضلال ونكال على نكال) خطأ إذ هذا الكلام يتمّ أيضاً مع كون النفوس ذات ماهية واحدة وكون اختلاف تأثير القرآن عليها لاختلاف أمزجتها المتكونة بإرادتها وببعض أفعالها(9) على امتداد الزمن، بل يتم أيضاً مع كون النفس حرة مختارة (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) فلها ان تختار الاستشفاء بالقرآن ولها ان تختار العناد والتعصب، والمرجِّح لكلا الطرفين أمر غير قاسر وهو مختار في الميل لأحدهما: فالمرجح للعناد الأهواء والشهوات وإلقاءات الشياطين والمرجح للاهتداء العقل والملائكة والتوفيق الرباني.

وبعبارة أخرى: كما ان قولك (الدواء للشفاء) لا يفيد انه عِلّة تامة له بل هو مقتضٍ له فكذلك (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)(10) فانه مقتضٍ لشفائهم ويمكن: ان لا يستجيب المؤمن لنداء القرآن فيتحول عليه نقمة ويكون ضاراً به وكذلك حال الظالم فان القرآن مقتضٍ ليزيده عناداً وجحوداً لكنه يمكن له ان يستجيب له ويتغير.. ولذا قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(11) كما يشهد لذلك انه على مرّ التاريخ كان الكفار هم الذين يسلمون إذ كانوا يستمعون إلى القرآن الكريم فيهتدون فقد نزل القرآن على أولئك الكافرين شفاء ورحمة كما ان بعض المسلمين ارتدوا إذ شكّكوا في إعجاز القرآن أو في بعض آياته فكان القرآن عليهم خساراً ونقمة.

والعبرة من ذلك كله والجامع ان من الحكمة والعقل عندما تعرض للإنسان شبهة أو فكرة سمعها أو قرأها (كشبهة امتناع الترتب والشبهة العبائية وشبه الجبر وشبهة اختلاف النفوس الإنسانية بالنوع) ان يعرضها أولاً على الفطرة والوجدان وصريح العقل وان يعرضها على الوحي، ثم يلتفت للشبهة فإن أمكنه الجواب عنها فنّياً، كما أجبنا، فهو، وإلا كان له ان يجيب بانها شبهة في مقابل البديهة، وعلى أي فان الشبهة لا يمكن لها ان تضلّه أو تزلّ قدمه أو تشوش عليه رؤيته، فليكن هذا على ذُكر منكم جميعاً خاصة في معترك الأفكار وسُوق مبتدعات الانظار.

من مكوِّنات الشاكلة: العقل الباطن

لقد سبق: ان الشاكلة تتكون من أمور عديدة منها: النية والقصد والعزم كما سيأتي في رواية الكافي، ومنها المزاج، ومنها السجية، ونضيف: ومنها: العقل الباطن أو العقل اللاواعي.

العقل الباطن أرشيف ضخم متطور

ولقد كان علماء النفس يعتقدون بان اللاوعي يشكل مخزناً للصور والمسموعات والذكريات بل كان يعدّونه أرشيفاً متطوراً تنطبع فيه كل ما تراه أو تسمعه أو تقرأه، والغريب انهم اكتشفوا ان كل ما تقع عليه العين وإن لم تلتفت له النفس، ينطبع بكل تفاصيله في اللاوعي حتى التفاصيل الدقيقة جداً فلو نظرت إلى غابة كبيرة فان صورتها تنطبع بكل التفاصيل الدقيقة التي نالها البصر، في اللاوعي وفي منطقة محددة من المخ، ولو تطورت قدرات الإنسان بأنواع من الرياضة الروحية والعقلية أو لو تطور العلم فلربما أمكنه صناعة عقارات وأدوية تمكِّن منطقة الوعي من الإشراف على منطقة اللاوعي وعلى الأرشيف كله وحينئذٍ سيذهل الإنسان لكميّة المعلومات الهائلة التي اختزنها في ذهنه وهو لا يعلم! فهذا كله فيما مضى.

بل هو عنصر فاعل في عمليات صناعة القرار

ولكن ومع تطور علم النفس وعلم الأعصاب والمخ توصل العلماء إلى نتيجة أعظم وهي ان اللاوعي ليس مجرد مخزن ضخم أو أرشيف عظيم أو جهاز متطور لحفظ المعلومات، بل انه فوق ذلك يقوم بدور نشط في عمليات صنع القرار واتخاذ المواقف، فليس كأي أرشيف آخر مجرد مستودع للصور والذكريات بل انه يمتلك تأثيراً على الإنسان من حيث لا يدري في صناعة قراراته.

ويتجلى تأثير منطقة اللاوعي أكثر فأكثر عند المنعطفات الخطيرة وفي مواطن الامتحان الصعبة.

النظرة للأجنبية في التلفزيون

فمثلاً: إذا كان الإنسان قد نظر إلى نساء سافرات ولو في التلفزيون، فان صورهن تنطبع في لاوعيه، ثم انه إذا تعرض لامتحان معصيةٍ وفاحشة فان تلك الصور تحفّزه على إرتكابها لا سمح الله، عكس ما لو كان قد ملأ أرشيفه الذهني من صور المشاهد المقدسة والمساجد والحسينيات أو ما إذا كان قد ملأ أرشيفه من صفحات القرآن الكريم فانها تحفزه على الطهر والاستقامة والنزاهة؛ ولذا كان من المستحب ان يتصفح الإنسان القرآن الكريم ولو من دون ان يقرأه فان نفس إلقاء نظرة سريعة على صفحاته يكفي لكي تنطبع كاملة في ذهن الإنسان ومن ثمّ فانها تترك تأثيرها الإيجابي على الإنسان بدرجة أو أخرى عند المنعطفات.

وكشاهد على ذلك نذكر التجربة التالية:

الحقيبة الجلدية السوداء تؤثر على الإمساك في الإنفاق!

(أوضحت تجربة أجريت بجامعتي ستانفورد Stanford ووترلو Waterloo كيف لرؤية حقيبة مكتب أن تزيد من القدرات التنافسية عند المشاركين.

ففي خلال الدراسة قام نصف الطلاب بالجلوس حول طاولة كبيرة موضوع على طرفها الآخر حقيبة ومحفظة جلدية سوداء، والمشاركة في لعبة تقوم على الاستثمار. فيما لعب النصف الثاني من الطلاب حول طاولة موضوع على طرفها الآخر حقيبة ظهر بدلًا من حقيبة المكتب.

وجدت الدراسة أن الطلاب في المجموعة الأولى كانوا أكثر ميلًا للاحتفاظ بأموالهم من الآخرين في المجموعة الثانية. حيث أن رؤية الحقيبة – وإن لم يتم ملاحظتها داخل العقل بشكل واعٍ – قد ولدت داخل الأفراد الروابط المتعلقة بإدارة الأعمال والتوقعات.

ويمكن لهذا الأسلوب أن يستخدم في حالة المفاوضة مع شخص ما، فبدلا من المقابلة في قاعة الاجتماعات أو المؤتمرات يفضل الاجتماع في مكان كمقهى حيث يكون الطرف الآخر أقل ميلًا للرفض والهجوم).

فلسفة استحباب النظر إلى الأب والعالم والكعبة والمصحف

ولذلك كله نجد ان من المستحب شرعاً النظر إلى آل محمد صلى الله عليه واله وسلم وإلى وجه العلماء وكذلك النظر إلى الوالدين كما يستحب النظر إلى الكعبة وإلى المصحف الشريف، وورد ((أَنَّ النَّظَرَ إِلَى الْكَعْبَةِ عِبَادَةٌ وَالنَّظَرَ إِلَى الْوَالِدَيْنِ عِبَادَةٌ وَالنَّظَرَ فِي الْمُصْحَفِ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةٍ عِبَادَةٌ وَالنَّظَرَ إِلَى وَجْهِ الْعَالِمِ عِبَادَةٌ وَالنَّظَرَ إِلَى آلِ مُحَمَّدٍ عليهم السلام عِبَادَةٌ))(12)

والسرّ في ذلك ان هذه الصور الروحانية عندما تمتلأ بها الذاكرة فان الوعي الباطن يدفعك للتشبه بها وللحفاظ على القيم والثوابت والأخلاق الفاضلة ولتجنب المعاصي والجرائم، حيث تدفعه لا شعورياً لمحاكاة أعمالهم بل وربما حتى لتقمص شخصياتهم، وسيأتي حديث أكثر حول ذلك لاحقاً بإذن الله تعالى.

من عوامل تكوين الشاكلة

وهناك عوامل كثيرة تؤثر في تكوين الشاكلة، وسنقتصر في هذا الدرس على أحدها وهو:

منبِّهات دُوَين العتبة

والمقصود بـ(العتبة) عتبة الإحساس فان من الثابت علمياً ان الحواس إنما تلتقط المسموعات والمبصرات وغيرها إذا كانت بين حدّين محصورين، فمثلاً العين لا تبصر من الألوان إلا الأحمر وصولاً إلى البنفسجي فلا تبصر الألوان تحت الحمراء ولا فوق البنفسجية أي انها تبصر موجات الضوء المحصورة بين طوله موجات الضوء الأحمر وهي 625 إلى 760 نانومتر وطول موجات الضوء البنفسجي وهي 380 إلى 420 نانومتر.

وكذلك القوة السامعة فإنها لا تسمع إلا الأصوات التي يتراوح تردد موجاتها بين 20 ذبذبة في الثانية إلى 20 ألف ذبذبة في الثانية، فلا تسمع الأصوات إذا كانت أقل من 20 أو أكثر من 20 ألف، عكس بعض الحيوانات كالكلب مثلاً الذي يسمع ما لا نسمعه أبداً لاختلاف تركيبة جهازه السمعي.

المؤثرات الخفية على الجمهور

وعلى ضوء ذلك بنى علماء النفس والاجتماع في دراساتهم حول سيكولوجية الجماهير والأهم وبنى علماء الأعلام نظرياتهم في كيفية التأثير على المشاهد والمستمع عبر استخدام ذكي لمنبِّهات دُوَين العتبة (ودُوَين تصغير دون، والعتبة كما سبق هي عتبة الإحساس) فهذه المنبهات هي منبهات غير محسوسة لذلك لا يدركها العقل الداعي كي يحكم عليها بالسلب أو الإيجاب بل تصل إلى العقل الباطن مباشرة فتفرّ من حكومة العقل الواعي عليها.

والسرّ في الأمر ان المنبهات لو كانت حسية، كصورة امرأة متكشفة، فان الوعي الظاهر يتخذ منها موقفاً بعد ان يصنفها في خانة الرذائل أو المحرمات أو خادشات الحياء مثلاً لذا يقلّ تأثيرها اللاشعوري على الإنسان، ولكن الصورة إذا دخلت إلى اللاوعي عبر ما هو دون مساحة الحس فان العقل الواعي لا يمكنه ان يصنفها إذ لم تمرّ عبره بل كانت قد دخلت للعقل الباطن مباشرة وهي غير مصنفة فتثير في الإنسان الشهوة البهيمية من حيث لا يدري السبب.

ولذلك كله قام صناع الأفلام في هوليوود وغيرها باستغلال نقطة الضعف الإنسانية هذه أسوأ استغلال حيث استعانوا بما اثبته العلم من ان الصورة إذا مرت أمام الإنسان بسرعة جزء من مائة جزء من الثانية(13) فان الإنسان لا يشعر انه رآها لكن العين تسجلها كأية كاميرا دقيقة جداً وتنقلها لمنطقة اللاوعي، ولأجل ذلك ولأجل التأثير على الناس وإفسادهم وضعوا في الكثير من الأفلام حتى البريئة منها (كأفلام الطبيعة أو الأفلام العلمية) صوراً خليعة جداً لا ترى بالعين المجردة أبداً أو وضعوا صوراً دعوية معينة كصورة كنيسة رائعة أو قسيس يعطف على الفقراء أو غير ذلك.. والأثر الخفي لمثل هذه الصور يتراوح بين الكبير جداً والمتوسط والضعيف حسب اختلاف الأنفس ودرجات الحصانة ومراتب ذكر الله وغير ذلك.

بل لقد ضمنوا أفلام الكارتون، والإعلانات التجارية وشبهها، والملصقات، والعروض المسرحية والتجارية، وغيرها، الكثير من الرسائل (المكتوبة أو المصورة) التي تستهدف التأثير على زوايا خاصة في الفكر البشري أو في العاطفة الإنسانية أو في الأهواء والشهوات أو حتى في المواقف السياسية والاقتصادية والحقوقية، وقد ذكر بعض العلماء:

تأثير صفارة الشرطي لا شعورياً

(تشير الأبحاث أن عقب خوض الأشخاص لتجارب ضاغطة عانوا خلالها من القلق تلاها شعور بالارتياح عادة ما يستجيبون بإيجابية للطلبات المقدمة لهم. ففي تجربة طُلب من أشخاص في الطريق إكمال استبيان، فكان الأشخاص الذين سمعوا صوت صافرة شرطي غير مرئي أثناء عبورهم للشارع أكثر عرضة لإكمال الاستبيان من الآخرين الذين لم يسمعوا الصافرة.

وقد يُعزى هذا إلى أن جزءًا من الدماغ كان مشغولًا بالتفكير في الخطر المحتمل الذي واجهوه مما ترك لهم مجالًا ضئيلًا للتفكير حول الطلب المطروح عليهم).

أقول: ومن النماذج الهامة التي تجري على تلك الشاكلة والتي نحبّذ القيام بها: الاستماع إلى همهمة مناجاة الزوار في المشاهد المقدسة والمساجد والحسينيات، وذلك من المجربات، فان البعض يقضي وقته في الحرم أو المسجد وهو يصلي أو يقرأ الأدعية أو شبه ذلك، وذلك حسن ورائع، إلا ان من المحبّذ أيضاً ان يستمع الإنسان ولو لدقائق إلى همهمة الذاكرين والمصلين والباكين وطلاب الحوائج فان تلك الأصوات حيث تصل متداخلة غير واضحة فإنها تتسرب إلى العقل الباطن فتؤثر في صناعة الشاكلة الباطنية بتشكيلة منوعة من الأدعية والأذكار والصلوات.

ومن النماذج الطريفة والهامة لتأثير منبِّهات دُوَين العتبة على مشاعر الناس ومواقفهم وقراراتهم التجربة التالية: والتي يمكن ان تقوموا بها مباشرة وهي انه جربوا ان تضعوا في غرفة الامتحان صوراً كبيرة لعيونٍ تطل على الطلاب في الصفّ، فستجدون تأثير ذلك على الطلاب كبيراً إذ سوف تتراجع نسبة الغش لديهم إلى درجة كبيرة عن الصفوف الأخرى التي تخلو من عامل الإيحاء النفسي غير المباشر، هذا.

وفي تجربة أخرى لوحظ ان غرفة الاجتماعات كانت تعج بالتوتر والصراع بين أعضاء مجلس الإدارة.. وعند الفحص عن السبب تبيّن ان ثمّتَ صوراً مرعبة كان قد اختارها صاحب القاعة ليزين بها جدران الغرفة فمثلاً إذا علقت في غرفة الاجتماعات أو قاعة المؤتمرات أو الندوات صورة أسد يفترس غزالاً، أو صورة أمواج صاخبة، أو صور عواصف رعدية مرعبة، أو لوحة زلزال مدمر.. وهكذا فان إيحاءات هذه الصور سوف تتسرب لا شعورياً إلى لاوعي المجتمعين وتثير فيهم نوازع البغضاء والعداء والتشاحن والتنافر.

وذلك على العكس مما لو ملأت القاعة بصور إيجابية مشرقة كصورة يَدينِ تتصافحان، أو صورة شفاه مبتسمة أو أزهار تتمايل مع الريح بهدوء وإنسياب.

وفي تجربة أخرى كان هناك صراخ أطفال خفي يصل من بعيد لأسماع الجمهور في القاعة، وأصوات بكاء وشتائم متبادلة ورغم انها لم تكن تكاد تتبين ولكن تأثير ذلك كله على الجمهور كان كبيراً حيث أثار فيهم التوتر والتحفز وكان من أكبر عوامل الضغط على أعصابهم.

على العكس مما لو وصلت إلى أسماعهم من بعيد أصوات مرح وضحك وسرور وكلمات إيجابية رائعة محبّبة وطيبة.. أو أصوات بلابل وزقيق عصافير حيث يكون التأثير إيجابياً حينئذٍ إلى درجة كبيرة وذلك مما يقرّب الطرف الآخر للاستجابة للعروض التي تقدمها له. وللبحث صلة بإذن الله تعالى.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم
http://m-alshirazi.com

.............................................
(1) سورة الإسراء: آية 84.
(2) سورة الشمس: آية 7-8.
(3) سورة الشمس: آية 9.
(4) سورة الشمس: آية 10.
(5) سورة يس: آية 54.
(6) فخر الدين الرازي، تفسير الرازي، ط3، الناشر: ردمك، ج21 ص36.
(7) الملا هادي السبزواري، شرح المنظومة، نشر ناب – تهران, ج1 ص177.
(8) إذ كلامه عن الصفات والأفعال لا عن غيرها. فتدبر.
(9) ومنها مأكولاتها.
(10) سورة الإسراء: آية 82.
(11) سورة الرعد: آية 11.
(12) الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي – قم، 1413هـ، ج2 ص205.
(13) أو حتى جزء من ثلاثة آلاف جزء من الثانية، كما في بعض التجارب.

انقر لاضافة تعليق