تأتي ورقة البحث هذه لبيان أسباب انتشار المخدرات في المجتمع العراقي، مع إيجاز المخاطر الناجمة عنها، كما يأتي:

أولاً-أسباب انتشار المخدرات في العراق:

هناك أسباب رئيسة شجعت على انتشار تجارة وتعاطي المخدرات في المجتمع العراقي، منها أسباب اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية أو تتعلق بضعف الوازع الديني أو زيادة معدلات العنف الأسري أو ضعف الإجراءات الأمنية الوقائية.

ومع ذلك يجمل الباحثون أسباب انتشار تعاطي المخدرات في العراق، بما يأتي :

1-ضعف الوازع الديني.

2-مجالس أصدقاء السوء.

3-التربية المنزلية الفاسدة والإهمال الأسري للجوانب التربوية.

4-استخدام المواد المخدرة للعلاج استخداما سيئاً لا يتبع فيه إرشادات الطبيب ما يؤدي للإدمان.

5-البطالة وعدم وجود فرص عمل مناسبة.

6-التقليد والمحاكاة والتفاخر بين الشباب في سن المراهقة المتأخرة، وحب الاستطلاع والتجريب.

7-الهجرة والتهجير القسري بسبب العنف والإرهاب، ومحاكاة المجتمعات الجديدة.

8-رواج بعض الأفكار الكاذبة، بان المخدرات تدخل المتعة والبهجة والسرور.

9-توفر المال مع وقت الفراغ.

10-الاعتقاد الخاطئ بأن المخدرات تزيل الشعور بالقلق كالاكتئاب والملل جراء الحياة القاسية التي يعيشها العراقيون.

11-تجربة أشياء غير مألوفة بسبب الفضول من دون مبالاة لإثارها.

12-الصراع السياسي بين بعض الدول والأحزاب وسعيها للحصول على أسرار الآخرين، فالمخدرات هي البوابة السهلة لمثل هذه الصراعات.

13-العوامل النفسية.

14-ضعف الرادع أو العقاب الرسمي المتمثل في القانون والأمن.

15-ضعف عمليات التفتيش والرقابة وصعوبة السيطرة على الحدود البرية والنهرية.

16-وسائل الاتصال ولاسيما القنوات الفضائية والأنترنت والموبايل.

ثانياً-المخاطر المترتبة على انتشار المخدرات في العراق:

1-الصحة: تتأثَّر صحة الشخص إلى حدٍّ كبير بتعاطي المخدِّرات، ويتجلَّى هذا، من الناحية الاقتصادية، في تكاليف الوقاية والعلاج، وتكاليف الرعاية الصحية والمستشفيات، وازدياد الاعتلال (الحالات المرَضية) والوفيات .

2-السلامة: بغض النظر عن التكاليف الصحية، فإنَّ الأشخاص الواقعين تحت تأثير المخدِّرات يتسبَّبون في مخاطر وتكاليف كبيرة على سلامة من يحيط بهم وعلى بيئتهم. فعلى سبيل المثال، برزت الحوادث الناجمة عن قيادة السيارات تحت تأثير المخدِّرات بوصفها تهديداً عالمياً رئيسياً في السنوات الأخيرة. وبالإضافة إلى ذلك، برز مزيد من الوعي بالآثار التي تلحق بالبيئة من جرَّاء زراعة المخدِّرات وإنتاجها وصنعها على نحو غير مشروع .

3-الجريمة: عبّر تقرير الهيئة الدولية لمراقبة المخدرات لعام 2004، عن قلقه إزاء العراق إذ أكد على أنه: (يشكِّل الترابط المعّقد بين الإرهاب والجريمة المنظمة والفساد والاتجار بالمخدرات تهديداً لم يسبق له مثيل، مما يثير القلق إزاء احتمال تدهور الوضع العام) .

وأدَّت البحوث التي جرت خلال حقبة جيل كامل من في هذا المجال إلى تحديد ثلاثة روابط رئيسية موجودة بين المخدِّرات والجريمة، وهي :

أ-يتعلق الرابط الأول بين المخدِّرات والجريمة بالعنف الذي يمكن أن يقترن بتعاطي المخدِّرات نفسها، أي جريمة العقاقير النفسانية.

ب-ينطوي الرابط الثاني بين المخدِّرات والجريمة على الجريمة (الاقتصادية الإجبارية). وتُرتَكب هذه الجريمة عندما ينخرط متعاطو المخدِّرات في عالم الجريمة كالسطو والاحتيال والسرقة من أجل القيام بدعم نفقات استهلاكهم المخدِّرات وإدمانهم عليها.

ج-أمَّا الرابط الثالث فهو الجريمة (النظامية)، أي أعمال العنف التي تقع، مثلاً، بسبب النزاعات على موقع نفوذ أو العراك بين البائعين والمتعاطين على صفقات تجنح إلى الإخفاق.

وفي العراق أكدت لجنة الأمن والدفاع النيابية بشأن تزايد الجرائم بسبب انتشار المخدرات، أن على الحكومة أن تقوم (باتخاذ جميع التدابير لمنع دخول المخدرات الى البلد، إذ شهدت السنوات الأخيرة ارتفاع معدلات الجريمة، بسبب انتشار المتعاطين، وهو أمر أصبح يؤشر الى خطر يهدد المجتمع). وصرح عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية السيد سعران الأعاجيبي، (إن سبب ارتفاع معدلات الجريمة ...، يعود إلى انتشار المخدرات وهو أمر ينذر بالخطر وعليه يجب التدخل واتخاذ الاحتياطات اللازمة) .

وبخصوص تزايد حالات الانتحار، تشير احصائيات وزارة الداخلية لسنة 2019 إلى حدوث (545) حالة انتحار بين الشباب في العراق عدا إقليم كردستان، بواقع (289) من الذكور، و(256) من الإناث، بينما بلغ مجموع حالات الانتحار لسنة 2018 حوالي (319) حالة انتحار .

وبذلك أصبحت هنالك علاقة طردية بين انتشار المخدرات وحالات الانتحار في المجتمع العراقي، الذي لم يشهد هذه الظاهرتين قبل سنة 2003.

وفيما يخص جرائم العنف والقتل الأسري فقد بلغ مجموع دعاوى العنف الأسري في العراق خلال سنة 2020 حوالي (15000) خمسة عشر ألف قضية، بواقع (9000) دعوى تتعلق باعتداء الزوج على الزوجة، بينما سجلت المحاكم العراقية حوالي (16.861) قضية في سنة 2019 .

وكمثال على أعداد جرائم العنف والقتل الأسري في المحافظات، أوضح التقرير الإحصائي الذي أعدته شعبة الإحصاء في محكمة استئناف بابل، أن أغلب ضحايا القتل العائلي داخل نطاق الأسرة من النساء، (إذ أن المحافظة سجلت خلال السنوات الثلاثة الماضية 113 حالة قتل توزعت بالتساوي على الجنسين؛ 56 حالة قتل ضد الرجال، و57 ضد النساء، بحسب إحصائية رسمية لمحاكم التحقيق هناك. وأفادت الإحصائية فيما يخص حالات القتل ضد النساء، بأن سنة 2018 شهدت قتل 20 امرأة، بينما سجلت سنة 2019 خمس عشرة حالة قتل، وذهبت 22 امرأة ضحية القتل في سنة 2020. وفيما يخص الرجال فأن سنة 2018 سجلت 15 ضد الرجال، وسجلت سنة 2019 أربعا وعشرين حالة قتل، فيما شهدت سنة 2020 تسجيل 17 حالة قتل) .

ويرى قاضي محكمة جنايات بابل السيد شرف المعموري أن: (هذه الأرقام تكشف عن أزمة أخلاقية كبيرة يعيشها المجتمع لاسيما أن أكثر حالات القتل تطول المرأة... بسبب الانحلال الأخلاقي والعلاقات غير الشرعية، وهذا التفكك الأسري الذي أحدثته التكنولوجيا والعوامل الاقتصادية، وانتشار المخدرات) .

وهكذا تكون العائلة العراقية هي المتضرر الأكبر من ظاهرة انتشار المخدرات في المجتمع، نتيجة لتزايد حالات العنف الأسري والطلاق والانتحار والجريمة.

4-الإنتاجية: تُعَدُّ الخسائر في الإنتاجية من التكاليف الإضافية من جرّاء تعاطي المخدِّرات، التي يمكن أن تحدث عندما يكون المتعاطون تحت تأثير المخدِّرات أو يعانون من عواقب تعاطيهم إيَّاها (مثلاً، أثناء العلاج، أو في السجن، أو المستشفى) .

5-الإدارة الرشيدة (الحوكمة): يسعى المتَّجِرون بالمخدِّرات في جميع بلدان العالم إلى إفساد المسؤولين على كل مستويات إنفاذ القانون والحكومة، لكي يواصلوا أنشطتهم الإجرامية بلا عوائق. ونتيجةً لذلك، كثيرا ما يتعايش المواطنون في المناطق المتأثِّرة بذلك مع مؤسسات إنفاذ قانون غير نزيهة، ما يزعزع استقرار المؤسسات الحكومية ويفسد المسؤولين الحكوميين .

ومن المهم أن يُلاحَظ أنَّ ضعف الحوكمة (الناتج عن القضايا غير المتصلة بالمخدِّرات) يمكن أن يؤدّي أيضاً إلى زيادة زراعة المحاصيل غير المشروعة وصنعها والاتِّجار بها وإنتاج المخدِّرات غير المشروعة وتعاطيها، إذ يقوم تجار المخدِّرات بفتح دروب عبور جديدة باستغلال ضعف مؤسسات الحكم، وتمويل الفساد والإرهاب بالمكاسب التي حققوها من انخراطهم في أنشطة غير مشروعة .

الخاتمة

أولاً-أهم النتائج:

من خلال ما تبين مما تقدم، يمكن إجمال أهم النتائج التي تم التوصل إليها بما يأتي:

1-هناك أسباب أدت إلى انتشار المخدرات في العراق، تأتي في مقدمتها: أسباب اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية أو تتعلق بضعف الوازع الديني أو زيادة معدلات العنف الأسري أو ضعف الإجراءات الأمنية الوقائية.

2-إن العائلة العراقية هي أكبر متضرر من انتشار المخدرات في المجتمع، نتيجة لتزايد حالات العنف الأسري والطلاق والانتحار والجريمة.

ثانياً-أهم المقترحات:

يمكن إجمال أهم المقترحات التي يمكن تقديمها، بما يأتي:

1-إطلاق حملات التوعية والتثقيف من مخاطر تناول المخدرات والمؤثرات العقلية وتأثيراتها المستقبلية على الشعب والدولة.

2-إنفاذ القانون وتطبيق العقوبات الواردة في قانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم 50 لسنة 2017. والدعوة الى تعديله من قبل مجلس النواب بما يتماشى مع المستجدات الحاصلة في ميدان زراعة وإنتاج وتعاطي المخدرات.

* تخصص: العلاقات الدولية - الدبلوماسية

اضف تعليق