تقديم:

الفلسفة الإسلامية بين الإبداع والابتداع، في رؤى الدارسين للفلسفة من العرب والمسلمين، ومن المستشرقين على تنوع أهدافهم ومنطق أبحاثهم، دراسات تعنى بقياس معرفة الشرق بمرآة المناهج والأدوات العلمية الغربية، مقياس لا يخلو بالطبع من تحيز وغياب للموضوعية، ومقياس يجرد الفلسفة الإسلامية من أصالتها في الإبداع والتجديد، وطرح البدائل وما يتناسب والثقافة الإسلامية من بداية القرن التاسع الميلادي.

ليست هذه الفلسفة حسب المستشرق الفرنسي إرنست رينان (1823- 1892)، سوى نسخة منقولة من اليونانية، وأحيانا معدلة بشكل سلبي في الخلط بين أفلاطون وأفلوطين، والمبالغة في تبجيل أرسطو باعتباره فيلسوف الحقيقة المطلقة، والإنسان الذي بلغ من العلم الكمال والدقة، ما لم يصل لذلك إنسان آخر، وتنطوي الفلسفة الإسلامية على محاولة التوفيق بين مقاصد الشريعة الإسلامية والحكمة، وجد الفلاسفة المسلمون ضالتهم في عباقرة اليونان خصوصا أفلاطون وأرسطو، وفي حكمة سقراط ورسالته النبيلة في تعليم الناس الفضائل، فكر إنساني في التدرج بالإنسان من القصور المعرفي، وانتهاء بالحقائق الموجودة في النفس إلى تعلم فن النقاش والجدال، والبحث عن الحقيقة، حاجتنا للحكمة من منطلق قدرة العقل في التفكير واثبات الحقائق.

نقد الفكر الاستشراقي في مسألة الفلسفة الإسلامية في الرؤية الرينانية ومن صار في خطاه، يعني الاعتراف بقيمتها وتميزها ونقد فكرة أنها معدلة من الفلسفة اليونانية، وقصور العقلية السامية في إبداع الفكر الفلسفي والعلم، وتلك مزاعم إرنست رينان وآخرون.

فمن كتابات نقدية وقراءات متنوعة في تراثنا الفلسفي والفكري، هناك مواقف لإعادة الاعتبار للفلسفة الإسلامية في أعلامها الكبار، وهناك تأصيل لهذه الفلسفة بالعودة للفرق الكلامية وغيرها من المذاهب لتلمس أصالة التفكير الفلسفي بأدوات منهجية تتناسب والحضارة الإسلامية، بعيدا عن الفكر اليوناني، وعن فلاسفة الإسلام الذين أسقطوا خصائص هذا الفكر في بيئة مختلفة، ومن هنا يمكن توجيه سهام النقد لابن سينا وابن رشد كما في رؤية علي سامي النشار، أو إقامة دراسات فلسفية في التراث، واستلهام الفكر الرشدي في مواقف محمد عابد الجابري، الذي يعتبر نموذجا آخر للتأصيل والبناء للفكر العربي في بعده المعرفي والأخلاقي والسياسي، أطروحة الجابري وسامي النشار وغيرهما من المفكرين تجد صداها في عالمنا من منطلق إعادة الاعتبار للذات وللذوات المبدعة، دون التقليل من شأن العقل العربي والإسلامي، ونقد الأطروحة الاستشراقية المفعمة بالميول الإيديولوجية في فهم الشرق معرفيا، وبالتالي السيطرة عليه، فهل الفلسفة الإسلامية إبداع أم إتباع؟ وهل نحتاج لمناهج جديدة في تحليل مكامن القوة والتميز في الفلسفة الإسلامية؟

أولا- الرؤية الرينانية للفلسفة الإسلامية

إن التقليل من الفلسفة الإسلامية في الدراسات الاستشراقية خصوصا مع إرنست رينان يعود لأسباب، يمكن أن نلمسها في الحط من كل الانتاجات والإسهامات العربية بالقول إنها فلسفة في مضمونها العام يونانية بلباس إسلامي، فلسفة توفيقية، واقتباس واضح لكل ما كتبه اليونان في قضايا كالوجود والطبيعة والقيم، والشأن الثاني أنها مغلفة بالدين، وغاياتها إيجاد التوافق بين النقل والعقل.

ومن أهداف الغرب إنشاء معاهد للدراسات الإسلامية، ومدارس للغات الشرقية، حتى تكون في خدمة المخططات الغربية والسياسة الاستعمارية، فأنتجت هذه المدارس فئات مختلفة من الدارسين، منهم الناقمين على الحضارة الإسلامية، ومنهم المعتدلين، من الذين يعتبرون وجود أشياء مشرقة في حضارتنا وهم المادحون.

فالحركة الفلسفية في الإسلام يجب أن تُلتمس من قبل المتكلمين، فهناك فلسفة عربية هي تعريب الفلسفة اليونانية، وهناك فلسفة إسلامية هي علم الكلام، ويصرح رينان أن في الفلسفة الإسلامية موضعا للطرافة(1)، أرنست رينان من المستشرقين الكبار في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أتقن اللغة العبرية، وكتب عن ابن رشد والرشدية، وعن اللغات السامية، وأول من استعمل كلمة الفلسفة الإسلامية، كتب عن المجتمع الإسلامي وعلاقة الإسلام بالعلم، ونادى بضرورة تحرير المسلم من دينه كأكبر خدمة يمكن أن تهدى إليه، كما انتقد رينان كذلك المسيحية بنفس القدر الذي هاجم الإسلام فيما يتصل بعداء كليهما للعلم الوضعي، وعرقلتهما للتقدم الإنساني، وهي نقطة غفل عنها أو تغافل الذين كتبوا عن موقف رينان من الإسلام، سواء من المسلمين مثل جمال الدين الأفغاني، ومن اقتفى أثره كمحمد عبده ورشيد رضا، والمعتنقين للسلفية والإسلامية في مصر، البلاد الإسلامية (2).

ارنست رينان يقسم الناس إلى (ساميون وآريون)، العرق الأول لا يستطيع إنتاج العلم والفكر الفلسفي، لان العقبات الفكرية والعوائق الدينية تحول دون التأمل في الوجود والطبيعة، وإنتاج العلم الوضعي، عقيدتهم تمنعهم في النظر العقلي، وتمسكهم الحرفي بالنص الديني المقدس، والحاجة الوحيدة التي صنعها العرب حسب رينان شرح مذهب أرسطو، ومحاولة التوفيق الحرفي بين الدين والفلسفة، فأدرك جميع العرب رأي أرسطو، وذلك العقل الفعال وحده الخالد، وأن العقل الفعال ليس سوى عقل البشرية العام، والإنسانية وحدها هي الخالدة إذن، وقال الشارح أن العناية الإلهية أعطت الوجود الهالك قوة إظهار ذاته، وذلك لهويته ولمنحه هذا النوع من الخلود(3)، ورغم ما يقال عن الفلسفة الإسلامية من قبل أغلب المستشرقين من الناحية الموضوعية، فان الذاتية والأهداف الأيديولوجية قائمة، رينان يصرح بأن ابن رشد فلسفته تنطوي على نظام شديد الالتحام، وشرح مفصل ودقيق للفلسفة الأرسطية، ظل فيلسوف قرطبة بعيدا عن علماء الكلام وأهل التصوف، وكل من اطلع على فلسفة ابن رشد، يدرك أنها قائمة على فكرة قدم العالم كما عند أرسطو ووحدانية العقول، والفصل كذلك بين الفلسفة والدين من حيث الأسلوب والطرق المعتمدة في إقامة الدلائل على الأشياء.

من المستشرقين كذلك هناك الألماني تنمان الذي تحدث عن الفلسفة الإسلامية، وظهر كتابه "المختصر في تاريخ الفلسفة الإسلامية" في 1819، والفلاسفة نوعين: طائفة القائلين بالوجود المثالي أتباع المذهب المثالي الأفلاطوني، وطائفة فلاسفة الجدل، وهم أهل النظر العقلي وهم المتكلمين، والجنس السامي ليس له القدرة على التفلسف، وفي مضمون الأحكام السريعة، يعود المستشرق عن الكلام الأول ليعيد إثبات وجود فلسفة إسلامية شأن ذلك دراسة رينان لابن رشد، ويهون من ابن رشد، ويعيد القول في فضله لإدخال الفلسفة لأوروبا، فكانت لحركة الترجمة من العربية للغات الأوربية أثرا في التعرف على الفلسفة اليونانية، وانتشار فلسفة ابن رشد في أوروبا حيث كانت الفلسفة عبارة عن تعاليم لاهوتية، مجموعة من عدة كتب مختلفة مما كتبه أصحاب المذاهب اللاتينية، فلما دخلت فلسفة العرب إلى أوروبا حصلت أوروبا على مجمل فلسفة أرسطو أي مجمل دائرة المعارف القديمة(4).

رينان المعروف بعدائه للشرق والإسلام، والمناظرة بينه وبين جمال الدين الأفغاني، تكشف عن طابع الاستشراق الفرنسي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فالحضارة الإسلامية برمتها غير قادرة على إنتاج علوم ما بعد الطبيعة والفلسفة، ونزعته العلمية كما يدعي في أبحاثه لم تكن تستهدف الإسلام فقط، بل كل الأديان بما فيها المسيحية، والفلسفة العربية هي فلسفة يونانية مكتوبة بلغة يونانية، وما يفكر به رينان، نهاية الأديان والتبشير بعصر الإنسانية، وأن الدين يكبل العقول، ويكون عائقا في وجه التقدم، وخير الفوائد التي تسدى للمسلم هو التحرر من القيم الدينية في سبيل تحطيم الجمود، وترسيخ فكرة التقدم، وإزالة العوائق المقيدة للتفكير الحر.

ينظر إلى الدين باعتباره قائما على أمر مستحيل هو المعجزات والخوارق، فمن الخرافة الزعم بوجود تدخل الهي معجز في الطبيعة، ولا وجود لحقيقة لا تنبثق من مختبر أو من خزانة كتب، فكل ما نعرفه إنما نعرفه عن طريق دراسة الطبيعة والتاريخ (5)، والنظرة للعلم بهذه المواصفات كانت لصيقة النزعة الوضعية في القرن التاسع عشر كالتي تجلت عند رواد علم الاجتماع الفرنسي وفلسفة عصر الأنوار، لكن النزعة الجديدة موجهة نحو الآخر في حملة ممنهجة ومقصودة للتغيير الفكري والمعرفي.

الشرق في حاجة للغرب لكي يقف على قدميه جيدا، ويعيد النظر إلى تاريخه وذاته بعيدا عن القيم الدينية، والأديان عموما تعيق تطور الفكر، وتكبل العقل بسياج حديدي، ويتقيد الناس بالنص المقدس دون إخضاعه للزمن التاريخي، ويسري هذا النص على كل زمان ومكان، والعقل السامي لا طاقة له إلا على الجزئيات والمفردات منفصلا بعضها عن بعض، أو مجتمعة في غير ما تناسب، ولا انسجام ولا تناسق ولا ارتباط، فهو عقل مباعدة وتفريق(6)، عقل يؤمن بالجزئيات، ولا يلم بالكليات رغم القضايا التي تناولها فلاسفة الإسلام من الإلهيات والطبيعيات والإنسانيات، المثال من الفارابي وابن سينا، تنصل واضح رغم المخطوطات والأرشيف الكبير للفكر الرشدي في الشرح والتعليق والإضافة من فلاسفة الأندلس.

وعندما يستدل ارنست رينان على حدود العقل عندنا يعود للتاريخ، ويستخرج عصارة التفكير الفلسفي، ويستقر على فكرة محاربة المسلمين للفلاسفة واضطهادهم وإحراق كتبهم، ومن سلم من ذلك فقد كان في حماية أمير ظاهره يحيل على التدين، وباطنه غير ذلك أو لأهداف جعلت الخليفة يعزز منطق التفكير الفلسفي في مواجهة الغلاة من الفكر الديني، ومحاربة كثرة الملل والنحل، والفلسفة التي أنتجت في ظل الحضارة الإسلامية لا ينبغي وصفها بالإسلامية، لان الحرانيين والنسطوريين هم الذين أنتجوها عندما قاموا بالترجمة، ولقد كان هؤلاء غير مسلمين، ولم تكن تلك الفلسفة التي أنتجها ابن سينا وابن رشد ذات عناصر إسلامية، ولذلك فهي جسم غريب، ونغمة شاذة في التراث الإسلامي، والمجال الذي يعبر بصدق عن هذا التراث هو الفرق الكلامية: المعتزلة، الشيعة، الأشعرية، الخوارج، ومن ثم فالفلسفة قد تم إنتاجها ونقلها بسبب عدم قدرة الإسلام على وأدها في الفترة الأولى من تاريخه مثلما نشأ العلم الأوروبي بسبب عدم قدرة الكاثوليكية على خنقه(7).

الساميون كذلك في أدق وصف لارنست رينان لا يمكنهم التجريد، وبناء صرح علمي وفلسفي، عندما قام رينان بدراسة اللغات السامية، والتدقيق في التعبير والألفاظ، والتعمق أكثر في مظاهر الحياة الشرقية، أنهم دونوا فلسفة، وما نقلوه وترجموه ليس فلسفة، خليط من أفلاطون وأرسطو وأفلوطين، ونزعتهم التوفيقة تشير إلى غياب الحرية والتحرر من سلطة الدين، وصعوبة الإلمام بالتفلسف وإثارة السؤال، لا يملكون روح الهنود والألمان، ومن الواضح أن الفلسفة الإسلامية عصارة أبحاث، وترجمة موسعة ومستمرة للتراث اليوناني العلمي والفلسفي، وليست إلا نتاج لأشخاص من أصل أندلسي وفارسي وحراني، باعتبار الإنتاج في بيئة عربية مهما تكن الذوات الفاعلة والمبدعة، وما يترك الفكرة صائبة تحليل مضمون التفكير الفلسفي، وتحديد جوانب القصور والإبداع، وتقويم الأعمال بموضوعية، بين الرؤية النابعة من أصالة الفلسفة الإسلامية، وبين جوانب الإتباع والتأثير بالفلسفة اليونانية، والاكراهات التي عجلت بنهايتها أو الحد من قوتها، والتي يمكن إيعازها لأسباب دينية وسياسية واجتماعية.

والمبالغة في تبجيل أرسطو من قبل فلاسفة الإسلام خصوصا ابن رشد، يعود بالأساس إلى التناسق في مذهبه، وتلك الوسطية في فلسفته، والنظام المحكم في عملية التفكير، من المجرد إلى المحسوس، والتدرج من الطبيعة وما وراء الطبيعة إلى المعرفة والقيم، والإعجاب الذي أبداه ابن رشد لأرسطو فيه نوع من المبالغة حسب المستشرق دي بور من خلال المنطق الصوري والحق وقدرته في فهم مشكلات معقدة حتى بلغ أرسطو من الكمال ما لم يبلغ أي إنسان، أرسطو هو الإنسان الأكمل، والمفكر الأعظم الذي وصل إلى الحق الذي لا يشوبه باطل، حتى لو كشفت أشياء جديدة في الفلك والطبيعة، لما غير ذلك من هذا الحكم شيئا، ويجوز أن يخطئ الناس في فهم أرسطو، وكثيرا ما نقل ابن رشد من كتب الفارابي وابن سينا – أشياء لأرسطو – فخالفهما في فهمهما، كان أصح منهما فهما، وقد عاش ابن رشد، ما عاش معتقدا أن مذهب أرسطو إذا فهم على حقيقته، لم يتعارض مع أسمى معرفة يستطيع أن يبلغها إنسان(8)، هذا الهوس إن صح التعبير بأرسطو وما بلغه من علم ومعرفة في نظر فلاسفة الإسلام، الحكيم الذي بلغ مراتب أسمى من الكمال، واجتمعت فيه صفات النبوغ والعبقرية في التفكير الصائب والمفيد، الذي لا يخالف الفضيلة، ولا سعادة الإنسان بعقله في الوجود، والسؤال الذي يطرح ذاته لكبار المستشرقين، هل من غير الجائز أن يكون هناك تثاقف بين الحضارات؟

الفلسفة الإسلامية كانت جنينية، حاجة الفلاسفة للتمرس بالفلسفة في بيئة لا تؤمن بالفكر الدخيل، تدرج التفكير الفلسفي يقتضي الحماية والصيانة والمتابعة من قبل الكل، ولو اعتبر البعض أن الغزالي ضرب الفلسفة في عمقها، فان النقد هنا ظل موجها لابن سينا والفارابي، حيث رسم الغزالي حدودا للعقل والبحث، وفي الأمر سجال وجدال كالذي ساد في القرون الوسطى بالغرب، نكبة ابن رشد ومحنة الفلاسفة والعلماء، كانت مخاض للولادة العسيرة لفكر يريد تثبيت ذاته في بيئة مغايرة، لكن الفلسفة الإسلامية لبست ثوبا جديدا، فحاول الفلاسفة إقناع رجل السياسة بمقاصد الفلسفة (رسالة الكندي في الفلسفة الأولى للمعتصم بالله)، ورسائل للجمهور من العامة والفقيه عن قيمة الموضوعات التي تتناولها الفلسفة، وقولة ابن رشد الشهيرة في التوافق بين الحكمة والفلسفة دليل على ذلك" الفلسفة حق والشريعة حق، والحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له".

سيكون الجواب بالطبع إيجابيا في القول بالاحتكاك بين الثقافات، وبناء متجدد ومستمر للذات في رغبتها لنقل المعارف، وتعميم الأفكار وبالتالي رغبة الغرب في إعادة اكتشاف الشرق بالياته، ورغبة الشرق في الاستفادة من الحضارة الغربية دون ذوبان أو استيعاب بالقسر والإكراه، الشرق التاريخي، والشرق بالمعنى الاستشراقي يفترقان في طريقة المعرفة والمنهج الملائم في الاحتكاك دون نزعة استعلائية، أو دوافع استعمارية وامبريالية، والاستشراق عندما تسلح بالمناهج الجديدة، حاول أن يكرس نزعة التفوق على الشعوب الأخرى، فتحولت الانثروبولوجيا من فهم الذات في بعدها الفكري والحضاري نحو الآخر قصد إدخاله في الثقافة الغربية، حتى أحس الغرب بصعوبة ولادة الشرق بآليات غربية، فتحولت المعرفة العلمية والموضوعية إلى تعميمات ذاتية، وتلفيقات مبالغ فيها عند تجريد الشعوب من قدرتها في إنتاج العلم والفلسفة، هناك حسب المستشرق الألماني تنمان أربع عقبات حالت دون تقدم العرب والمسلمين في الفلسفة وهي: " كتابهم المقدس الذي يعوق النظر العقلي الحر، وحزب أهل السنة المتمسك بالنصوص، وأنهم لم يلبثوا أن جعلوا لأرسطو سلطانا مستبدا على عقولهم، وأخيرا ما في طبيعتهم القومية من ميل إلى التأثر بالأوهام (9).

عديد من المستشرقين في مدارس مختلفة، يعتبرون الفلسفة الإسلامية صورة معدلة وأحيانا مشوهة عن الفلسفة اليونانية، المشائية على خطى أرسطو، والذين يفندون الفكرة يحاولون البحث عن منطق التوفيق بين الفلسفة والدين في عملية إقناع الجمهور بقيمة الفلسفة وتناسقها والشريعة، وبالعودة إلى البدايات الأولى في رؤى الاستشراق عن الفلسفة، للقول في تاريخها وظروف نشأتها، وإبراز التناقض بين الفقهاء والفلاسفة من جهة، وبين تهافت الفلاسفة في الاستناد على أفكار لا تتناسب والدين، من قدم العالم إلى المفاهيم الجديدة في قاموس اللسان العربي مثل: الهيولي والحركة والمحرك والمادة والزمان والجوهر والعرض والمقولات، وتعريفات تنسب للفلاسفة اليونان في النفس والزمان وغيرها من المفاهيم، وعندما نستشف التناقض في آراء بعض المستشرقين أو نحس بالنظرة الضيقة للزمان والمكان الخاصين بالنشأة، ندرك سرعة الأحكام في اعتبار الفلسفة الإسلامية أغلبها شرح لأرسطو وتعليقات على مذهبه، وأن الدين أكبر عائق في سبيل التفكير الحر ومنطق التفلسف، والمسيحية التي يراها "فكتور كوزان" أو حتى هيجل نبع للحرية وتجسيد للعقل والقيم العقلانية في الشعوب الآرية، وتقسيم الناس بين شعوب سامية وشعوب آرية، رواسب الفكر الانثروبولوجي وجديد الدراسات اللغوية، وغايات الغرب في جمع المعطيات للتمهيد المسبق في احتواء الشرق واستعماره.

الاستشراق هو المنجم والمصنع الفكري الذي يمد المنصرين والمستعمرين بالمواد، يسوقونها في العالم الإسلامي لتحطيم عقيدته، وهدم عالم أفكاره، وقد جاء هذا الغزو الثقافي، ثمرة لإخفاق الغزو العسكري وسقوطه، ولتربية جيل ما بعد الاستعمار (10)، ولو كانت الرؤية الخاصة برينان تنطوي على الحذر، وعدم الربط بين الاستشراق والاستعمار لكانت الدراسات موضوعية. في أطروحة ادوارد سعيد نقترب أكثر من الاستشراق في معرفة ما يطرحه من رؤى موضوعية، حيث تعرفنا أكثر على مصادر أبحاثنا، بحيث قدم لنا الباحثون الأرشيف والمخطوطات، ونفض الغبار عن الكتب والفلاسفة بالنبش في أصول الفكر، وهذا يمكن اعتباره جانبا من الصواب في فكر المستشرقين الناقمين والمادحين معا، موضوع الفلسفة والعقليات، ونهاية الفكر الفلسفي في الشرق من خلال نقد الغزالي، وتأليب الجمهور على الفلاسفة، ونهاية الفلسفة كذلك بنكبة ابن رشد، والتي قيل عن أسبابها الكثير، ويجب إعادة النظر فيها، فلا يمكن الشك أن الفلسفة كانت عامل محنة ابن رشد الحقيقية، ذلك أنها صنعت له من الأعداء الأقوياء ما جعلوا صحة اعتقاده موضع شبهة لدى المنصور، وكذلك كان جميع المثقفين، الذين أثار طالعهم الحسد، عرضة لعين الاتهامات، ويدعو المنصور أعيان قرطبة، ويأمر بحضور ابن رشد، ويلعن مبادئه، ويقضي بنفيه، ويأمر الأمير في الوقت نفسه بإرسال مراسيم إلى الأقاليم لمنع الدراسات الخطرة، ولصنع ما يقتضيه إحراق جميع الكتب التي تناولت هذه الدراسات(11).

أسباب يعرضها ارنست رينان ويوثقها في أطروحته عن ابن رشد والرشدية، ويرصد الأقوال وما أصاب الفلاسفة من اضطهاد في القرن الثاني عشر للميلاد بفعل تدخل السياسي والديني والاجتماعي، ولا بد من القول عن فكره الثاقب ومكانة العائلة بقرطبة، إعجابه بأرسطو وفلسفته الشمولية، التي تمثل الحقيقة المطلقة، ولا تجتمع الفلسفة كعلم كلي وشامل إلا مع أرسطو، وعاش ابن رشد حياته في ظل العلم والمعرفة موزعا بين التأليف والشرح والتعليق حتى لقب من قبل "دانتي" بالشارح الأكبر، نال أو الوليد شهرة واسعة في الغرب، وذاع صيته بفضل ما قدمه من جهد فكري في تبسيط الفلسفة الأرسطية، وبفضل التعليق والزيادة في الفهم للفكر اليوناني، قال بقدم العالم، ووضع نفسه في مرتبة المجتهد في مجال الفقه، واهتمامه بالفلسفة الأرسطية جاء نتيجة ما وصل إليه أرسطو من حكمة وتبصر في الوجود والموجودات، لذلك يعتبر مذهب أرسطو هو الحقيقة المطلقة، وذلك لبلوغ عقله أقصى حدود العقل البشري، ومن الحق أن يقال عنه أن العناية الإلهية أنعمت به علينا لتعليمنا ما يمكن أن نتعلم (12)، وكل المعارف المبهمة والغامضة قابلة للفهم والتحليل من قبل أرسطو.

فمن يدرس الفلسفة الإسلامية يخرج بانطباع مفاده تبعية واضحة للفلسفة اليونانية حسب رينان، ومن يتعمق في مضمونها يجد لمسات وإبداعات، وتناول كلي للمباحث الكبرى في الفلسفة كالوجود والمعرفة والقيم، وفي عودة الاستشراق الغربي لكتب التراث والتاريخ يقف عند الأقوال والكلام عن الطبائع، وما تولد في النفوس من ميل ورغبات أساسها التفكير بلغة أهل ذلك الزمان عن حكمة اليونان.

فالشهرستاني يرى أن العرب قبل الإسلام كان عندهم حكماء، هم شرذمة قليلة، كان عندهم حكمة أكثرها فلتات الطبع وخطرات الفكر، ولا شك أن العرب في جاهليتهم كانوا يعرفون كلمة "حكمة" وكلمة حكماء، ولم يبين صاحب الملل والنحل سبب قلة الحكماء عند العرب(13). فالعرب أنتجوا شعرا، ولغتهم ضرب من الفصاحة والبيان، والجواب يكون عند رينان وغيره في التمييز بين الجنس الآري والجنس السامي، في تقبل الفلسفة والعلم لدى الآريين من الشعوب الحرة المقاومة للاستبداد، والجنس السامي الذي لا يستطيع التفكير بشكل مجرد، ولا يستطيع إنتاج العلم والفلسفة.

لم يصل العرب للمرحلة الوضعية بتعبير أوكست كونت، ولم يعش الناس الصدمة الفكرية والعلمية في الحوار بين العلماء والفلاسفة، أو ببساطة عقلانية الغرب وعصوره الزاهية، جاءت بالنتائج الحسنة في كل الميادين، وخير معبر عن ذلك فلسفة هيجل في العقل والعقلانية، وتلك الوحدة بين الذاتي والموضوعي، والوحدة بين المحسوس والمجرد والاكتمال في المطلق الذي يعني التطابق بين العقل والواقع، وتحقيق ما كان يطمح إليه العقل الإنساني من أهداف وغايات، والثورة الكوبرنيكية والصراع الفكري والعملي بين الكنيسة في اختيارها نظرية أرسطو والعلم الحديث في الانتصار للنظرية الكوبرنيكية ومسار هذا العلم وصولا لنيوتن.

فمن أبرز القضايا التي يتناولها المستشرقون علاقة الإسلام بالعلم، ومشكلات العالم، والإنسان ووجود الله، نتائج الفلسفة لا تسمح بالأقوال المتناثرة والآراء العلمية المغلفة بالبعد الأيديولوجي، ومن يدرس تاريخ الفلسفة الإسلامية أو العربية رغم ما يبديه البعض من الاعتراف بالأولى والتحفظ على الثانية، تبقى هذه الفلسفة المكتوبة باللغة العربية نتاج للجهد الفكري الخاص بالفلاسفة والمترجمين، والمشاكل التي واجهت الفلاسفة والعلماء في الغرب هي التي عجلت بقيام العلم والثورة العلمية، وإعادة النظر في الفلسفة المدرسية من خلال مسح الطاولة عند ديكارت والتحرر من المنطق الأرسطي، وإعادة الاعتبار للذات في بعدها الفكري والمعرفي بعيدا عن رقابة الديني والاجتماعي.

فالشرق حسب هيجل لم يعرف الفلسفة لأنه لم يعرف المفهوم، والاهتمام بالفلسفة الإسلامية جاء من أجل مواكبة حركة الفلسفة الغربية، وتطور الفكر في الغرب بعيدا عن تأثير الفلسفة الإسلامية، والانتقاص من العرب في قدرتهم على إنتاج الفلسفة نظرة استئصالية وعنصرية ودونية للعقل العربي، ونزعة غربية ضيقة. واعتبار الفلسفة الإسلامية انتخابية عمادها الاقتباس مما ترجم من كتب الإغريق، ومجرى تأريخها أدنى أن يكون فهما وتشربا لمعارف السابقين التي سبقتها، لا بافتتاح مشكلات جديدة، ولا هي انتقلت بجديد فيما حاولته من معالجة المسائل القديمة، فلا نجد في عالم الفكر خطوات جديدة تستحق أن نسجلها لها (14).

هذا الاقتباس أمر محمود في سياق العلم والمعرفة، وفي سياق الاحتكاك الثقافي بين الحضارات، حتى أن كبار الفلاسفة والعلماء الإغريق زاروا الشرق، وكانوا بالفعل على اطلاع بثقافة الشرق، من الحضارة الفرعونية والبابلية والهندية، وعندما ننفي قدرة العقل السامي في إنتاج الفلسفة قبل الاتصال باليونان، فهذا يعني حاجة الاستشراق إلى تناول بنية العقل العربي ومحدداته كما فعل الجابري أو محمد أركون مع العقل الإسلامي، هناك فلسفة رشدية أصيلة داخل شروح ابن رشد لأرسطو في رأي الجابري، وهناك مغالطات وتجاوزات في رأيه عند دراسة فلسفة ابن سينا لأنه أراد تأسيس البرهان على العرفان وتبنى الهرمسية، وانتهى البرهان في العودة إلى قضايا علم الكلام وبالتالي يعتبر الغزالي والسهروردي تلاميذ ابن سينا، ولا يعني نهاية الفلسفة في الشرق لان العقلانية التي تأسست هناك كانت مزيفة، وظلت تسير وفق كتاب الربوبية المنسوب خطئا لأرسطو بينما يعود لأفلوطين، نكاد لا نستطيع أن نقول أن هناك فلسفة إسلامية، وأن نقول بالمعنى الحقيقي لهذه العبارة، ولكن في الإسلام رجال كثيرون لم يستطيعوا أن يردوا أنفسهم عن التفلسف(15)، هذا الأمر يستدعي منا الانتباه في نفي رينان لكل نزعة معرفية في المعرفة لأجل إغناء الساحة الفكرية والاطلاع على تراث الآخر، لا مناص من الاحتكاك باليونان، كحضارة فكرية وعلمية أنتجت فلاسفة من طينة طاليس وأفلاطون وسقراط، وبرعت في مجال التنظيم والقانون، وتصور شكل المدينة والحكم، وتفنن اليونان في التأمل للوجود والموجودات بلغة العقل، والحضارة الإسلامية عصارة تلاقي وانصهار قوميات مختلفة، وشظايا الملل والنحل في الشرق كما تصوره الشهرستاني والتي يمكن اعتبارها من الأسباب التي دفعت المأمون إلى تأسيس "بيت الحكمة".

العرب كانوا حكماء كالهنود في ميلهم إلى الأحكام الكلية، وعقليتهم فطرت على البساطة، وكانوا بالفعل أكثر الأمم تقبلا للرسالة الدينية كفكرة تجلت وسمت إلى درجة أعلى عندما لقيت من يحملها وينقلها للأمم الأخرى، وتلك الفكرة التي يدافع عنها المفكر الجزائري مالك بن نبي في صفاء الروح، وعند الغرب هرمان دي كسيرلنج في الفكرة المسيحية لدى الشعوب الجرمانية. ولا تعني الفلسفة أنها حكرا على جنس بشري معين في مقارنة "ليون جوتييه" وكل من اتبع خطوات رينان، بين الجنس الآري والجنس السامي، بين فكرة الانفصال والاتصال، والربط بين الأشياء في نظام وترتيب، وغياب الوحدة في العقلية السامية، والجنس السامي لا يميل للتساؤل والدهشة من الأشياء، بل يسلم بها كما هي، ولا يخضعها للفحص والتحري، إذن لماذا برع العرب في صناعة المنطق؟ ولماذا بقيت الفلسفة الإسلامية وفية وحاضنة لأرسطو؟ ولماذا يقر الغرب بالرشدية اللاتينية؟

الفلسفة كما عرفها الكندي صناعة حدها إصابة الحق والعمل به، ويُعرف الفارابي بالمعلم الثاني لأنه هذب صناعة المنطق إضافة للتقسيمات والتصنيفات، وتحديد موضوع الفلسفة باتصال العقل الفعال المفارق بالعقل الإنساني، وأكثر من ذلك قضايا الفلسفة وإشكالاتها الكبرى في مجال الطبيعة وما بعد الطبيعة وفي الإنسانيات، والسياسة والمجتمع، الفارابي خير مثال في كتاب "آراء أهل المدينة الفاضلة" في انتقاله من علم الوجود وتشريح نظرية الفيض إلى المدينة الفاضلة التي يسودها الاجتماع الفاضل. فحاول الفارابي تشييد المدينة من خلال رؤيته الأولى لمدينة أفلاطون المثالية.

فالحكمة عند العرب نوعين: نظرية تشمل علوم الطبيعة والرياضيات والميتافيزيقا أو الإلهيات، والعلوم العملية وتشمل الأخلاق والسياسية وتدبير المنزل، وتلك تقسيمات مستمدة من أرسطو المعلم الأول، فمن المؤكد أن أرسطو لم يستبد وحده بالسيطرة على عقول العرب من أول الأمر، على ما عرف العرب، كما يقول بحدوث العالم وبقاء النفس وكونها جوهرا روحيا،وهذه الآراء لا تتعارض مع عقيدة المسلمين، أما أرسطو فكان يقول بقدم العالم، وكان مذهبه في أمر النفس وفي الأخلاق أقل روحانية من مذهب أفلاطون(16)، وأكثر ما يراه المستشرقون في العرب شرحهم لمذهب أرسطو وتطبيقه على قواعد الدين الإسلامي حتى أصبحت هناك فلسفة إسلامية مشوهة بفعل الترجمة الرديئة من اللغة السريانية إلى العربية، وتعاليم الإسلام كما يعتقد أغلب المستشرقون خصوصا في القرن التاسع عشر تتنافى مع البحث النظري الحر، والتأمل العقلي في الطبيعة، إيمانا بالحقائق الجاهزة التي تربط الأسباب بالمسببات دون إعمال العقل والنظر، والغرب درج دائما على ترديد تلك الأقوال حتى أصبحت سائدة في نظر المثقفين أن العرب نقلة ومترجمين، وأن ابن رشد أبرز اسم وأبرع ممثل لما يسمى ب"الفلسفة العربية "، وأن هذه الفلسفة بلغت معه ذروتها ثم انقضى أمرها عندما قضى الرجل(17)، هذا الفيلسوف الذي كتب الجابري سيرته الذاتية يمكن إعادة إحياء تراثه الفلسفي من منطلق استعادته كفقيه وفيلسوف وعالم، ظل لمدة طويلة اسما خافتا، وبقي صيته في الغرب مدويا في إطار ما يعرف بالرشدية اللاتينية، وتلك الحملة ضده من قبل الكنيسة في أفكاره المتنورة عن العقل والوجود، ومعالجة المشكلات بالفلسفة واعتبار أرسطو أعلى منزلة.

ولذلك وجد ابن رشد وغيره من الفلاسفة الحاجة للتحرر من التقاليد، ومن سلطة الخطاب الفقهي المتزمت نحو آفاق أخرى أرحب في التأويل، وقراءة أسرار الأشياء بالعقل حتى تكتمل نظرة المسلم في الجمع بين العقل والنقل، وفي ذلك يقول ابن رشد مخاطبا الناس: " أيها الناس، أنا لا أجزم أن ما تسمونه بالعلم الإلهي علم خاطئ، ولكنني أقول أنني عارف بالعلم الإنساني (18).فروح الفلسفة لا تعني إعادة إنتاج الفكر اليوناني في بيئة مخالفة بل الفلاسفة المسلمون استلهموا آليات التفكير الفلسفي ومنطق التفلسف في فهم تراثهم، وليست الفلسفة هنا ترفا معرفيا أو أداة في تقويض أسس المجتمعات الإسلامية، هذا الفكر الدخيل يبعث أفقا في التفكير والفهم للذات والآخر معا، والشرق التاريخي ليس بالطبع الشرق الاستشراقي، حضارات عريقة ومتجذرة في التاريخ، خاصية الشرق حسب "ماسينيون" أنه ظل تراثيا، وخاصية الغرب حداثته التي يريد نقلها للشرق، وتعديل قيمه التي فقدها جزئيا، وبالتالي انصرف ماسينيون إلى التصوف وآخرون نحو علم الكلام، وتفنن البعض الآخر في الكشف عن المخطوطات والكتب التراثية وتحليلها.

لقد كانت للدراسات الفلسفية من هذه الجهود نصيبا، فنشرت مؤلفات لفلاسفة الإسلام بقيت مخطوطة، وقوبلت أصولها العربية بما عرف من ترجمات لاتينية وعبرية، وعلق عليها بما يشرح غامضها، ويعين عل فهمهما، ولولا المستشرقون لبقيت مهملة في خزائن المكتبات العامة(19)، يعني تقديم المستشرقين تصنيفات ودراسات ورؤى في صميم الموضوع الخاص بالفلسفة الإسلامية، فكانت هذه الدراسات اعتراف بالتبعية للفلسفة اليونانية، وأحيانا أخرى اعتراف بإسهامات هذه الفلسفة، وفائدتها على الغرب في العصور الوسطى وخصوصا ابن رشد، وتبقى المناهج المعتمدة والآراء لا تصب كلها في إطار الحياد والموضوعية. لأن المستشرق رينان كمثال بقي وفيا للنزعة المركزية الغربية، ومخلصا للأهداف التي يبحث عنها الاستعمار الفرنسي، فكان منهم المستشارون للإدارة الاستعمارية، وأبحاثهم نقلت حقائق من داخل المجتمعات ساهمت في استعمار العالم الإسلامي.

ثانيا - نقد الرؤية الرينانية وتجديد مناهج الدراسة

استخدم الاستشراق تقنيات وأساليب في ترجمة المخطوطات والمراجع الإسلامية، ويستخدم نماذج من العلوم كتاريخ الأديان، وعلم اللسانيات، وعلم الانثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، ومن كثرة ما أنتج الغرب من مناهج محكمة في دراسة الظواهر الطبيعية والظواهر الإنسانية، حيث تسلح الاستشراق بعدة مناهج، كالمنهج الاستنباطي والمنهج الاستقرائي والمنهج الجدلي، والمنهج الجديد في تحليل الخطاب، كما تتحول الدراسات الاستشراقية إلى مجال للمناقشة والاختلاف بين سرد المزايا والمحاسن، وبين التقليل منها في المساوئ، وما ينقص الشرق من عقلانية وتنوير، المادحين للشرق والناقمين، أصدقاء العرب من الذين عاشوا بيننا، ودرسوا الأجزاء الصغرى من ثقافتنا، والذين عادوا بالأفكار وتعاونوا أكثر مع الاستعمار أو لنقل الذين تحلوا بالنظرة العلمية الموضوعية، والذين دخلوا بالحياد كحيلة للتغلغل في المجتمع، فالإنتاج الاستشراقي، بكلا نوعيه، كان شرا على المجتمع الإسلامي، لأنه ركب في تطوره العقلي عقدة حرمان سواء في صورة المديح والإطراء التي حولت تأملاتنا عن واقعنا الحاضر، وأغمستنا في النعيم الوهمي الذي نجده في ماضينا، أو في صورة التنفيذ، والإقلال من شأننا بحيث صيرتنا حماة الضيم عن مجتمع منهار (20).

فعندما يرتفع صوت رينان بالقول أن العرب ليس لهم نصيب في العلم والفلسفة، فهذا رأي بعيد عن الموضوعية، ونعود نحن إلى دراسة تراثنا الفكري والعلمي حتى نعثر على ذوات ملهمة دون أن تكون هناك استمرارية واتصال في الإنتاج والعطاء، وغالبا ما نعود إلى التاريخ في قراءة المعطيات والأسباب التي ساهمت في الجمود الفكري، وعطلت الملكات، وتلك الظروف المناخية والسياق الفكري العام التي تشكل منه العصر، فساهمت بالفعل مجموعة من العوامل في انتكاسة العالم الإسلامي، وعندما يقف بعض المستشرقين مثل رينو وسيدييو وغوستاف لوبون، واسين بالاثيوس، فهؤلاء لم يكونوا مادحين بدرجة عالية إنما حاولوا تقديم الفكرة ونقيضها، وانتصارهم الأخير للنزعة الغربية والتفوق الحضاري للغرب، والنظر للفلسفة الإسلامية بنظرة انتقاصية من حيث الاقتباس دون الإبداع والتجديد دليل على تهافت الفكرة كذلك، بمعنى أن النقد يجب أن ينصب على الجوانب المضيئة في إضافة نوعية للفلسفة الإسلامية باعتبارها سلسلة من تطور الفلسفة، ولحظة أساسية في تاريخ الفلسفة.

ومن جهة ثانية من الممكن للفكر الاستشراقي إبداء نقد في مضمونها أو في جوانب قصورها دون إلغائها أو التقليل منها، الرشدية اللاتينية مثال على تأثر الغرب بهذه الفلسفة، فهناك دراسات ومناهج وكتابات تحاول أن تعيد للفلسفة الإسلامية وهجها، وتفند مزاعم ورؤى الاستشراق في الجانب العلمي الموضوعي، كتابات الشيخ مصطفى عبد الرازق ومحمد مدكور والجابري وأقلام أكاديمية في الفكر العربي المعاصر، وإذا قمنا باستقراء حوادث التاريخ تبين لنا بوضوح أن تلك الانتقادات التي وجهها هؤلاء المستشرقون للمسلمين، أو الفكر الإسلامي بشكل عام، لا تقوم على أساس علمي: إننا نتفق مع إرنست رينان في أن المفكرين الإسلاميين لا "المسلمين" قبلوا الفلسفة اليونانية قبولا يكاد يكون تاما، ولم يبدعوا فيها إبداعا جوهريا، ولكننا لا نقبل إطلاقا القول بأن عدم إبداعهم هذا إنما يعود إلى قصور مادي أو فيسيولوجي في الجنس العربي أو الجنس السامي نفسه(21).

والخطاب الذي انساق لفكرة رينان عن الجنس السامي والجنس الآري، في اعتبار الفكر الإسلامي تنقصه القدرة في التجميع والتنسيق والتركيب، يعني فعالية العقل الغربي في التصنيف والإضافة، وحدود العقل العربي الذي بقي وفيا للقبول لكل ما هو منزه ومطلق في النصوص المقدسة، وبالتالي غاب التحليل والحوار، وكل ما يمكن العلم من التقدم وبسط سلطانه، سيطرة أرسطو على دوائر الفكر الإسلامي من فلاسفة وعلماء ومتكلمين يعني اكتمال الفكر ونهاية التفكير بمناهج من صميم الحضارة، وبالعودة للفكر الغربي في بعده الفلسفي والعلمي في سياق البحث في تاريخ العلم والمعرفة، نجد هناك حوارا عميقا مع أرسطو خصوصا في المرحلة الحديثة حتى تحقيق الثورة الكوبرنيكية، وتشيد عالم بديل ساهم في تقويض أركان الفكر الأرسطي في بعده العلمي، الفلكي والفيزيائي، خصوصا مع كوبرنيك وكبلر وغاليلي ونيوتن وديكارت، هؤلاء العلماء سينتجون قلعة حصينة للعلم، وسيكتمل ذلك بالتفكير الفلسفي مع هيجل في تقويض أسس المنطق الأرسطي ثنائي القيم.

وعندما نبدي هذا الرأي نريد القول أن مسار العلم يبدأ ولا ينتهي، حتى أن الصراع بين الكنيسة والعلماء هو صراع في الرؤية العلمية بين تبني الكنيسة للمنظومة الأرسطية التي تتفق وجوانب من العقيدة المسيحية، والرؤية الفلكية الجديدة للعالم، نعني الانفصال والاتصال في تاريخ الغرب المعرفي، ونقل هذه الثنائية في عالمنا مرده للفصل بين الاقتباس والإبداع دون رسم حدود للتفكير، ومسار الفلسفة لا يجب أن تتوقف بنكبة ابن رشد ونقد الغزالي للفلاسفة.

المفكر محمد عابد الجابري في رؤيته للاستشراق من حيث المنهج والدراسات يذكر بالمحاولات الرائدة في العالم العربي من قبل مصطفى عبد الرازق وإبراهيم مدكور، في محاولة لاقتراح بدائل عن الهيمنة للرؤية الرينانية العنصرية، وفي عرض طعنه للفلسفة الإسلامية، وقصر النظر للعقلية السامية، يفند مصطفى عبد الرازق الفكرة مستندا إلى أقوال الصنف الآخر من الكتاب الغربيون الذين تميزوا بالحياد دون الربط بين الدين والفلسفة، وكلها افتراء وتسرع في الأحكام، ولم يقدم مصطفى عبد الرازق منهجا في الدراسة، بل عرض مجموعة من الأفكار، وفي نظر الجابري لم يكن عبد الرازق يعاني من "عقدة الاستشراق " بل هي عقدة الأصالة لإعادة الاعتبار للفكر الفلسفي، ومن أجل هذا كان البديل الذي يقترحه صاحب "التمهيد" هو سلوك ممنهج يبرز قدرة المفكرين المسلمين على ممارسة التفكير العقلي المستقل، ويثبت أسبقية البحث العقلي في الإسلام قبل تدخل "العوامل الخارجية "التي لم ينتقل مفعولها إلى الفكر الإسلامي إلا بالترجمة(22).

والنظر بمنظار العقل وأحكام الأصول تبين أن مصطفى عبد الرازق أخذته العزة وأصالة الفلسفة الإسلامية في نقد أطروحات الاستشراق والدارسين لتاريخ الفلسفة، علما أن التأريخ للفلسفة يجب أن ينطلق من اللحظات الكبرى، هذا الفعل لا نجده عند بعض المؤرخين الغربيين من أمثال إميل بريهييه في كتاب "تاريخ الفلسفة" والمؤرخ ول ديورانت في "قصة الفلسفة" إلا أن هذا الأخير يدرج معالم الحضارة الإسلامية بروادها في كتاب "قصة الحضارة"، ونجد بالمقابل كتابات عربية تشيد بالتفكير الفلسفي، وتبحث في أصول الفلسفة الإسلامية والعربية، وما تنطوي عليه من جدة وأصالة.

واختلف الباحثون في تعليل نشأة هذا النوع من الفلسفة عند المسلمين. فذهب البعض إلى أننا لا نستطيع أن نجحد أمة من صفة الفكر والتفلسف الميتافيزيقي، وأن المسلمين اندفعوا– بطبيعتهم الإنسانية– إلى البحث الفلسفي: إن القرآن الكريم والحديث أتى لهم بالأصل: الميتافيزيقي" أن الله ذات وله أسماء فكان لا بد أن يتساءلوا ما هي حقيقة "الذات " وحقيقة "الاسم"، وكان لا بد أن يحددوا الصلة بين الاثنين، ومن "الله وذاته وصفاته" اتجهوا إلى البحث في "العالم ": خلق هذا العالم من لاشيء، فكان لا بد أن يبحثوا في "حدوث المادة "، وأن يضعوا المذهب الفلسفي، ويتكلم القرآن عن "اختيار الإنسان وجبره" فكان عليهم أن يقيموا مذاهبهم في حرية الإرادة الإنسانية أو في عدم حريتها (23)، والإيمان بحدود العقل في الأمور الغيبية أو ما وراء الطبيعة، يستحسن بالناس عدم الأخذ بهذا المبحث، هذا الأمر وجدناه في فلسفة كانط عن حدود العقل، كذلك في فكر الغزالي عند نقد الفلاسفة ومقاصدهم، وتهافت منطق التفكير الفلسفي عند كل من ابن سينا والفارابي، التفاف الغزالي على المنطق وقراءة الفلسفة مكن الفقيه المتكلم من نقل أخطاء الفلاسفة للجمهور، وضرب التفكير الفلسفي في صميمه حتى جاءت النهاية، وتعطل العقل الفلسفي في الشرق إلا أن الجابري في قراءته التراثية يؤكد أن الفلسفة انتهت في الشرق الإسلامي، وبدأت في الغرب الإسلامي، ويعلي من فلسفة ابن باجة وابن رشد بدرجة أقوى، ويعتبر ابن طفيل استمرار للحكمة المشرقية وللفكر الغنوصي، باعتباره امتدادا لابن سينا عند إعادة قراءة قصة حي ابن يقظان، الأمر هنا يدخل في نطاق القراءة للتراث، والتي تختلف باختلاف الدارسين وبمنهجيات مختلفة.

فالاستشراق لا ينطلق من تقسيمات ابن رشد للفلسفة في تطورها أو في صراعها، بل وحدة الفلسفة الإسلامية نتاج للفلسفة اليونانية ومكتوبة بلغة عربية، بل حتى اللغة التي تعتبر كائن حي وتمثل الوجه الآخر للثقافة والحضارة يعتبرها رينان ليست كذلك، بحيث أن اللغة السامية ليست لغة حية، وان الساميين ليسوا أيضا مخلوقات حية، وأن اللغة والثقافة الهندية الأوروبية، فهما حيتان وعضويتان (24)، كل لغة قابلة لاستيعاب مصطلحات ومعاني جديدة في إطار الاحتكاك اللغوي، وتوليد المعاني كما في اللغات الأوربية التي هي وليدة الأصل اللاتيني والإغريقي ولغات أخرى.

الشرق التاريخي وليد الصراع والتفاعل والالتقاء بين الحضارات، نتاج عوامل ساهمت في رسمه وتشكيله من حضارات قديمة في التاريخ، والشرق الاستشراقي وليد المعرفة التي أنتجها المستشرقون، والآراء التي صيغت عن الشرق كفكرة مبنية على الوصف الآني لأحوال العيش وطرائق الحياة الاجتماعية والفكرية، والكتابة عن الشرق متضمنة في الرحلات والقصص عن الشرق الغرائبي والغريب في الطباع والعادات، إنه قابل للمعرفة بمنهجية الوصف والملاحظة بالمشاركة والمقارنة، وكل الآليات المنهجية التي أنتجها العلم الوضعي في الغرب، كما ظل هذا الشرق يمثل النقيض والمخالف للغرب كهوية وحضارة بمقياس التقدم والأنوار، والرغبة في العودة للشرق لفهمه من جهة ولاستيعابه من جهة ثانية، وإيقاظ فكرة أساسية وهي عودة الشرق إلى طبيعته وأصوله، أو إرغام الشرق على تبديل قيمه حتى يتسنى للغرب نقل الحداثة.

لذلك يعتبر ادوارد سعيد أن للاستشراق منهجين، الأول يتوسل بطاقات العلم الحديث، ونشر الأبحاث من الرواد والرحالة وأصحاب المصادر الموثوقة في كمية المعلومات والأفكار عن الشرق، والتي تنشر في الجامعات والمعاهد حتى تشكلت صورة نمطية عن الشرق في بنية الفكر الغربي، والمنهج الثاني نتاج للجهد الفكري والتصنيف والنصوص المترجمة والمخطوطات لدى الباحث العلمي يقدمه كمادة للفهم واستيعاب الآخر، والعلاقة هنا استكشافية، ومحكومة بالتفاضل الذهني بين الشرق المثقل بالتقاليد والقيم الثابتة بعيدا عن روح العلم والفلسفة، والغرب الفتي القريب من العلم والفلسفة وبعيدا عن الاستبداد، يكتب كارل ماركس عن الشرق وحاجته للتنوير، وخلخلته بنياته حتى يدخل للتاريخ وللصراع الطبقي، عندما يتم خلق الطبقة البورجوازية والطبقة البروليتارية العمالية، ويتحول الشرق في الخطاب الماركسي إلى شرق غاف، وفي غفلة عن التاريخ، لا بد من جره جرا من قبل غرب يقظ صناعي فطن، ذو قدرة على المبادرة، له ديناميته الخاصة به، ومهما كان عنف الإيقاظ وخشونته، وفظاظته(25)، يعني أن الاستشراق خطاب موجه نحو الآخر، لإعادة تشكيله وفق ما يرمي إليه الغرب من الفهم لذاته كحضارة في مقابل الآخر الجامد والمتحجر في قيم لم تعد ممكنة، في ظل التغير الذي أصاب العالم من المرحلة الإقطاعية للمرحلة الرأسمالية، القرن التاسع عشر في أوروبا، قرن النظريات العلمية، وظهور العلوم الإنسانية، وبؤس الطبقة العمالية حسب ماركس كنتاج للآثار الصناعية، وعدم تصريف فائض الإنتاج في الأسواق العالمية، بحيث لازال العالم بعيدا عن تقسيم العمل، وبالتالي ينبغي خلخلة تركيبة المجتمعات الأخرى من خلال معرفتها والتغلغل في فهمها استعدادا لغزوها واستعمارها.

فالبحث في الشرق كما يرى ادوارد سعيد لا يمكن أن يكون موضوعيا أو حرا، لأنه خاضع دائما لاعتبارات تبعده عن النزاهة، كالاستعلاء أو الرغبة في السيطرة، أو التمركز حول الذات، فضلا عن تداخل الخيال والصور النمطية، والاتجاهات النفسية الموروثة منذ العصور الوسطى الأوروبية(26)، والنظرة الاستشراقية شملت كل المجالات بما في ذلك موضوعنا الأساسي وهي الفلسفة الإسلامية، ولإعادة الاعتبار كانت آراء مصطفى عبد الرازق تفنيد لمزاعم الاستشراق في التقليل من هذه الفلسفة، وحصر الفكر الإسلامي في الفرق الكلامية والتصوف، ولأجل دراسة الشرق منبع الحضارة والأديان، لا بد من إتقان لغته وإنتاجه في مجال الشعر والأدب والفقه والعلم، لان الوصف لا يغني المعرفة بالكامل، والملاحظة المبنية وفق غايات إيديولوجية تدخل الغرب في قراءة اختزالية تعيد إنتاج الغرب لذاته، وتبعد الأوروبيين من اكتشاف الشرق التاريخي، وما يتعلق بتراثه وحضاراته، فهل يمكن للغرب نفي الحضارات الشرقية العريقة وحكمة الشرق؟

من الواضح أن الاستشراق لا ينفي الحضارات الشرقية من الفرعونية والبابلية والفارسية والهندية، ولا ينكر أن الشرق مهد الأديان، واستيعاب الشرق وتغيير جذوره أمر في غاية الصعوبة، بل نجد بعض المستشرقين يهلل لعودة الشرق للمنابع الأولى في حضارته، ومن المستشرقين الذين حاولوا الانفكاك نوعا ما من قبضة الهيمنة المباشرة للمراكز العلمية الغربية حتى يجعلوا من الدراسات للشرق أقرب للمعرفة الموضوعية، ويكتسبوا قلوب الناس، ينطلقون من جاذبية الإسلام، ومن حضارة العرب، ومن تاريخ الفلسفة الإسلامية، ومن الاعتراف بالرشدية اللاتينية، وأفكار المسلمين في الأندلس وبعقلية أهلها في الإنتاج الأدبي والفلسفي والعلمي، لا يوجد شرق، توجد شعوب، بلدان، مناطق، مجتمعات، ثقافات بعدد كبير فوق الأرض، لبعضها مميزات (ذات ديمومة أو عابرة).

كل دراسة مشتركة لكيان أو أكثر من هذه الكيانات يجب أن تبرر بخاصيات مشتركة خلال حقبة معينة(27)، هذا النوع من الآراء يلطف الأجواء بين الغرب والشرق، ويقلل من النظرة السلبية اتجاه الاستشراق الغربي، ويحاول مد جسور التواصل والتعايش بين الشرق والغرب، لا من تجريد الشرق من مقومات الحضارة، وخصائص القوميات التي دخلت في الإسلام، ولا يعني الانغلاق على الذات ورفض الفكر الدخيل والمفيد في إطار التثاقف والزيادة في الوعي الحضاري، ولا المفاضلة بين الأجناس في رؤى رينان وليون جوتييه وتنمان وجوزيف كوزان، وباقي المستشرقين من الذين قللوا من الفلسفة الإسلامية، ومن تعاليم الإسلام في الفكر الحر والنظر للطبيعة، وقصر النظر بالنسبة للعرب على إدراك الكليات، وبناء نظريات محكمة في العلم، وما يعكس زيف الأطروحات وتعميمها، طبيعة هذا الفكر الذي لا يستجيب للحياد والموضوعية في سياق العلم الحديث، وفي مجال الطبيعيات والإنسانيات، أي أن الباحث يجب أن يكون محايدا، ويفرغ ذهنه من كل نزعة عنصرية، والتجرد من الذاتية حتى يمكن وضع الشرق وحضارته في نطاق المعرفة الصحيحة.

فالحركة الفلسفية الحقيقية في الإسلام يجب أن تلتمس من المتكلمين، ونحن الآن عندما نعود للفلسفة اليونانية لا نحاول التقليل من التفكير السفسطائي، ونعتبر أن الفلسفة لم تبدأ إلا مع أفلاطون وأرسطو كما يقول المؤرخ الفرنسي المعاصر جون بيير فرنان في كتاب" أصول الفكر اليوناني "، والتأريخ هنا يندرج ضمن الفكر الفلسفي الكلي باعتبار الفلسفة علم بالأشياء الكلية والجزئية، وليست الفلسفة في القول الشفهي أو في الخطابة واللغة، نحن نقول إن الفلسفة لا يمكن اختزالها في علم الكلام لما أثاره العلم من قضايا، بل بدايتها في الترجمة والتأليف والشرح والتعليق والإضافة، يكون للعرب والمسلمون فلسفة تنطلق من إشكالات ذاتية وموضوعية، ولا بأس في الاقتباس من اليونان باعتبارها حضارة فلسفة وفكر،وأقرب للشرق جغرافيا.

إن الفكر المعاصر ينهل بكثير من أفكار الفكر السابق على سقراط، وعودة فلاسفة الغرب للشرق في استلهام أسماء وعقائد وقراءة في أهداف التصوف والشعر (نيتشه – شوبنهاور – هيدغر)، وبقي الحوار الفكري متواصلا في القرون الوسطى، والعصر الحديث مع الفكر اليوناني، وعندما نقف عند خطاب المستشرقين ودراساتهم فإننا لا نلغي الأثر الطيب والمستحسن في كونهم قدموا جهدا في كشف تراثنا الثقافي من خلال المخطوطات والكتب النفيسة، وترجمة نفائس المكتبة العربية إلى اللغات الأوروبية، وهذا بالفعل يحسب لهم دون انتقاص من أعمالهم، إلا التقليل من إنتاجنا في مجالات ومنها الفلسفة، فهذا الأمر يثير في نفوس فلاسفتنا نوع من الاحتياط في التفكير الميال للمفاضلة بين الأجناس، أو التقليل من التعاليم الإسلامية في النظر والتعقل، وغيرها من الأحكام التي يمكن اعتبارها متسرعة وعنصرية دون ربطها بعوامل تاريخية أو سياسية أو اجتماعية.

فالفلسفة الإسلامية، على الرغم من كل هذا، لم تدرس بعد الدراسة اللائقة بها، لا من ناحية تاريخها، ولا نظرياتها، ولا رجالها، ولا تزال الحلقة المفقودة في تاريخ الفكر الإنساني، فحتى اليوم لم تعرف نشأتها بدقة، ولم يبين في وضوح كيفية تكوينها، ولا العوامل التي ساعدت على نهوضها، ولا الأسباب التي أدت إلى انحطاطها والقضاء عليها، ولم تناقش نظرياتها نظرية نظرية، ليوضح ما اشتملت عليه من أفكار الأقدمين، وما جاءت به من أفكار جديدة(28)، دراسات غربية قليلة كالتي انفردت بإيضاح مضمون الفلسفة الإسلامية وأبعادها، ومحاولات في غمار الفكر العربي المعاصر إلى قراءة التراث الفلسفي ونشأته في الإسلام عند محاولة الربط بين الفلسفة والإسلام، وإبعاد الشبهات والمغالطات في نفي صفة التفكير الفلسفي والعلمي عن المسلمين، إضافة إلى حدود المناهج، والتي بدأت بالفعل في العصر الحديث، المنهج الاستدلالي عند ديكارت والمنهج التجريبي عند فرانسيس بيكون، وفي اليونان المنهج العقلي القياسي، وفي الحضارة الإسلامية اعتماد العقل في التصنيف والقياس في الانتقال من المقدمات الكبرى للصغرى والنتيجة، واستخلاص النتائج بالحكم القطعي، والمشاهدة للأشياء، وإلزام الحجة والبينة بالبرهان القاطع، كلها آليات مفيدة في إعادة النظر، وإنتاج حقائق عن الظواهر والأشياء الصعبة والمعقدة.

فالمنهج الأرسطي سيطر على أبحاث المسلمين، والمناهج المتاحة في التصنيف والتنسيق والتنظيم أعادت الاعتبار للفلاسفة الأوائل الذين انطلقوا من وحدة العقيدة ووحدة الوجود، والتطابق بين ما في الذهن وما في الواقع، أولئك الذين أعلنوا أن الفلسفة الإسلامية هي فلسفة: الكندي وابن سينا وابن باجة وابن طفيل وابن رشد... تلك الطائفة التي عرفت باسم " فلاسفة الإسلام"، وحاولوا بمنهج مقارن أن يبينوا التطابق التام بين ما يسمى "فلسفة إسلامية " والفلسفة اليونانية أو الهيلينية القديمة(29)، المشكلة الصعبة في الدراسة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار البدايات، وأن الفلسفة ليست وليدة دهشة الإنسان، من الوجود وألغاز الطبيعة كما في التفكير اليوناني عند حكماء ملطية ومنهم، طاليس وانكسيمانس وانكسيماندر في تفسير الطبيعة بمبادئها، ومحاولة التجاوز للتفكير الأسطوري ومغامرة الآلهة، لكن في المناخ الذي نشأت فيه الفلسفة الإسلامية، كان محاطا بعقيدة وفرق مختلفة ومذاهب متنوعة، والسياج الدائر حول الثقافة الإسلامية لا تجعل من الاقتباس أو الانفتاح ممكنا خصوصا في الجانب المتعلق بالميتافيزيقا أو الإلهيات بصفة عامة، وفي رؤى الاستشراق الغربي، منطق الفلاسفة المسلمون لا يخلو من مبالغة في تقديس أرسطو والميل باتجاه الماضي قصد نسخه واستعادته، والالتزام بتطبيق النصوص الدينية حرفيا، والخروج عن مسار السيرة النبوية ينتج الإنسان بدعا وأفكارا غريبة عن الجماعة والأمة، والقرآن والسنة حددا ميتافيزيقية المسلمين، ورسما معالم تفكيرهم واستدلالاتهم، وخارج مجال هذا التفكير يمكن اتهام الإنسان بالضلالة أو الخروج عن جادة التفكير والصواب، إنه السياج الحديدي الذي مورس على التفكير بشهادة أغلب المستشرقين الأوائل في القرن التاسع عشر، وبتعبير محمد أركون عن الارثودوكسية الصادة لكل تنوير.

لا بد من إعادة تأصيل الفلسفة الإسلامية في منهجها السديد، والأفكار الفلسفية مترابطة ومتسلسلة، وحوار الفلاسفة لا ينتهي دائما، اتفاق واختلاف في المذاهب الفلسفية بمثابة إغناء لتاريخ الفلسفة، وعندما تتحول الأفكار في تطابقها وتضادها إلى مسألة للتفكير بعمق في حل الإشكالات، وبناء مذاهب فلسفية، المثال من حوار الفكر الفلسفي المعاصر والفكر الفلسفي الحديث في نقد الذاتية والعقلانية والمناهج المعتمدة في الدراسات الفلسفية، ومفاهيم من قبيل التطابق والهوية والحقيقة والنسق... في الفكر الإسلامي بغناه وتعدد مذاهبه توجد شذرات من الفلسفة وروح معينة للتفلسف، من علم الكلام إثارة قضايا وإشكالات، وفي منطق المعتزلة وفي تصورات المتصوفة في أحوال النفس والإدراك، وعلاقة الموجود بالموجودات، وخصوصا ما يسمى بالتصوف الفلسفي الموجود عند عبد الحق ابن سبعين، عاشت الفلسفة في حضن علم الكلام والتصوف، وانتقلت روحها كذلك للشعر والأدب خصوصا عند المتنبي وأبو العلاء المعري (شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء)، وأبو حيان التوحيدي (أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء)، وما يتعلق بالبلاغة والخطابة أو البيان، تفلسف المسلمون إذن، وكانت فلسفتهم وثيقة الصلة بدراساتهم العلمية المختلفة من طب وكيمياء، وفلك ورياضة، ونبات وحيوان، وكان فلاسفتهم علماء، وعلمائهم فلاسفة، ولا حياة لفلسفة، في عصر من العصور، بمعزل عن ما يجري من بحوث وحركات علمية، وامتدت إلى أبواب شتى من الثقافة العربية، شأنها في ذلك شأن الفلسفات القديمة والحديثة(30).

هذا التصنيف تتفق أجزاء منه، والرأي القائل أن الفكر الفلسفي الحقيقي يبدأ من البدايات الأولى في تفكير المسلمين بالمستجدات التي طرأت على البيئة الإسلامية، وظهور الفرق الكلامية، والمذاهب التي طرحت قضايا في صميم التفكير، وأنتجت جدلا واسعا، والفلسفة التي يعتقد أغلب الدرسين فيها أنها البداية، من الكندي كانت مفيدة للجمع بين شتات الأفكار، وتوحيدها في قالب نظري مصنف وفق تصنيفات أرسطو للمباحث الفلسفية أي الوجود والمعرفة والقيم، والقول الذي يصب في تفكيرنا ووعينا الحضاري، أن الإنتاج الفلسفي في الحضارة الإسلامية يصعب قياسه بمنهج عفوي أو اللجوء لأقوال الاستشراق السافر والكامن، حتى في قوة المعاهد والدعم من قبل مراكز الأبحاث، وعندما نعود لزمن الفلسفة اليونانية، نحاول الاقتراب من الموضوع في معرفة زمن نشأتها دون ربطها بتطور العلم في القرن التاسع عشر والعشرون، يعني هناك اتصال وانفصال، تحولات طرأت على الفكر، لا يمكن التفكير بمناهج السابقين من الفلاسفة، ولا بأس من الاقتباس من أفكار القدماء.

نريد العودة كذلك لإبداع الفلاسفة المسلمين في إنتاج المنطق والتصنيف، والتقسيم لأبحاث الفلسفة العملية والنظرية كما يوجد عند أبو نصر الفارابي، ما يوجد في مضامين وشروحات وتعليقات ابن رشد، في الجمع كذلك بين الطب والفلسفة، في الإبداع الموسيقي، وفي تصورات الفيلسوف للمدينة والسعادة، وللعلاقة بين السياسة والأخلاق والمجتمع، الثقافة الإنسانية مواردها متنوعة، والحضارة عصارة إنتاج أقوام، والإنسان نتاج للطبيعة والثقافة، والفلسفة الإسلامية كما ينظر إليها الدكتور إبراهيم مدكور عالجت قضايا ومشاكل، دينية في موضوعاتها تبدأ بالواحد، وفكرة الألوهية، ونزعة الفلاسفة محكومة بالنفوس الفاضلة، وفي عمق هذه الفلسفة، هناك ثبات على الحكمة وإعمال العقل، وإقناع الناس والفقهاء، ورجال السياسية بأصالة الفلسفة كما هو الشأن في رسالة الكندي للمعتصم عن الفلسفة الأولى والتفلسف، فلسفة توفيقية متصلة بالعلم، وأثر الفلسفة الإسلامية في الفلسفة المسيحية، والغرب في القرن الثاني عشر الميلادي بالغ الوضوح ولو أنكر ذلك المستشرقون، الرشدية اللاتينية، وحضور ابن سينا الطبيب والفيلسوف، فتحت الفلسفة الإسلامية أمام اللاتين آفاقا جديدة، وجهت أنظارهم نحو ثقافات لم يكونوا يأبهون بها، حببتهم في الثقافة العربية، فوجدوا في طلبها والأخذ عنها، وربطتهم بالفكر اليهودي، فأضحى جزءا لا ينفصل عن الفكر المسيحي في القرون الوسطى، وعن طريق الثقافة اليهودية العربية نفذوا إلى الثقافة اليونانية فكشفوا ذخائرها، وأقبلوا عليها أكثر من ذي قبل(31)، هذا التأثير بقي واضحا في احتكاك وصراع بين الشرق والغرب في الأندلس.

وما يمكن أن يعزز هذه الأطروحات ضرورة انفتاح الاستشراق على ميادين أخرى، والعودة للتراث الفلسفي بالمنهج التاريخي بناء على استنطاق النصوص الفلسفية، وكتابات غير المسلمين في العصور الوسطى، من انتشار الرشدية اللاتينية، بالمنهج التاريخي نمتلك الحس التاريخي في البعد عن الايدولوجيا، واختيار العرض والتوثيق والتقويم، ومحاولة إبراز مكامن الخلل والضعف، ومكامن القوة والإبداع في الفلسفة الإسلامية دون الأخذ بالرؤية الرينانية.

مكامن القوة في الفلسفة الإسلامية التوفيق بين العقل والنقل، ومنطلق الرؤية وحدة العقيدة وتبيان أصالة الفلسفة الإسلامية مع الاقتباس المحمود، ما يتعلق بالمفاهيم التي تبدو جديدة في الحقل الثقافي الإسلامي، كالجوهر والمادة والصورة والمقولات والعلل، وتقديم رسائل متنوعة في حدود الأشياء، وفي وحدانية الله، وتناهي العالم، ورسالة في العقل وفي النفس، تلك الرسائل التي ميزت فلسفة الكندي مؤسس فرقة الفلاسفة، الفيلسوف العربي الذي تفلسف فكانت رسالتها الشهيرة للمعتصم بالله دعوة من فيلسوف لرجل السياسة وللكل في مصداقية الفلسفة، عندما قدم الكندي تعريفا صريحا بالقول أن الفلسفة صناعة حدها إصابة الحق والعمل به بقدر طاقة الإنسان وحدوده، الفلسفة هنا هي علم الوجود بما هو وجود، العلم بالحقائق وكيفيات الأشياء، وكل ما خلقه الله في الوجود من موجودات تستحق البحث بالعقل والمعرفة، فكانت هذه الرسالة في الفلسفة الأولى.

رسائل أخرى وكتابات تثبت للمستشرقين قيمة الفلسفة الإسلامية في الإبداع باليات خاصة، يعتمد فيها الفيلسوف على الشرح والتعليق والإضافة، كتابات الفارابي عن المدينة الفاضلة والحكم الرشيد، وكتابات عن المنطق والإبداع في الموسيقى، وابن سينا يشهد للفارابي بقوة الذكاء والإبداع عندما قرأ كتاب أرسطو "ما بعد الطبيعة" أربعين مرة ولم يفهم منه شيئا حتى عثر على كتاب للفارابي فيه شرح مستفيض في سوق الوراقين بعنوان "أغراض ما بعد الطبيعة"، ولما قرأ الكتاب استوعبه، واعتراف من الشيخ الرئيس بقدرة "المعلم الثاني" في فهم أغراض العلم الإلهي، والإلمام بفهم أرسطو، وفي كتبه دليل على قدرة العقل الإسلامي في استيعاب الفلسفة والعلم، والأمر هنا يتعلق بأسباب أخرى ساهمت في عرقلة مسار الفلسفة في عالمنا، منها السياسي والاجتماعي.

وبالطبع كما أسلفت الذكر التفاف أبو حامد الغزالي على المنطق والفلسفة، ونقد الفلاسفة في نظرية الفيض، وأعتقد أن النقد وجد البيئة المناسبة، والزمن الملائم في الإجهاز على الفلسفة في الشرق، وبحسب علي سامي النشار فابن رشد وابن سينا والفارابي ليسوا فلاسفة حقيقيون لأنهم مجرد مقلدين لأرسطو، كما ساهم الاستشراق في التعريف بهم، أما الفلسفة الإسلامية التي تعبر عن روحها تلك التي تنطلق من أصولها من الكتاب والسنة، هناك تراث فلسفي موجود في كتابات المعتزلة، وعند بعض الفلاسفة كابن الرواندي والرازي وفي كتابات الغزالي، يعني أن المنهج السديد في بناء فلسفة خالصة بالأمة الإسلامية يجب أن ينطلق من خصائص الحضارة، ولا يؤسس على التراث اليوناني، الأمر الذي أدخلنا في صراعات فكرية وسجالات لا تنتهي عن أسباب نهاية الفلسفة وفوائد تعلمها، ولعل الأسباب تستدعي دراسات وافية بعيدا عن أطروحات الاستشراق المغالية في جلد الذات العربية، والحط من قدرتها في إنتاج المعرفة الفلسفية والعلمية، يعني نحتاج للمراكز العلمية والدراسات العميقة في تراثنا الفلسفي بالتأصيل حتى نعثر على فلسفة أصيلة تكون أبحاثها شاملة من الإلهيات والطبيعيات والإنسانيات بعيدا عن الرؤية الرينانية، مشكلتنا في الاستمرارية، وفي ثنائيتي الاتصال والانفصال، وكل ما تراكم عندنا من تيارات ومذاهب كما في الحركة الفلسفية الغربية من عقلانية وتجريبية ونقدية وتفكيكية وبنيوية.

خلاصة:

رغم المواقف والآراء التي قيلت عن الفلسفة الإسلامية في رؤى الاستشراق الغربي، وحصيلة الدراسات الاستشراقية لهذه الفلسفة تأصيلا وتوثيقا، وترجمة للكتب إلى اللغات الأوروبية، باعتبار جانب من هذا العمل ايجابيا ويصب في تعزيز الفكر الفلسفي والبحث عن مكامن قوته وضعفه، فإن الرؤية الرينانية خلقت دائما النظرة العدائية والتعصبية في نفي صفة الإبداع والتجديد، بل ظلت هذه الرؤية تغذي العقول والنظرة للآخر لأنها ببساطة مسلحة بخطاب انتقاصي واستئصالي اعتبارا من منتصف القرن التاسع عشر، حيث يخفي هذا الخطاب نزعة مركزية مغلفة بأهداف استعمارية، وهواجس في السيطرة على الشرق وإرغامه في اختيار الأنوار، عندما يتسلسل الخطاب الاستشراقي للنفوس، وينتج أهدافه الفكرية، ويوقظ فينا نزعة التخلي عن قيمنا، ويحسسنا بضعفنا، وأننا بالفعل حضارة ليس منتجة للأشياء والأدوات، والفكر الحر والعلم، وأبعد ما نكون عن الفلسفة والتفلسف بدعوى أننا شعوب سامية، ولا نصيب لنا في العلم والتفلسف، وعندما حاولنا الإبداع في الفلسفة حاصرنا الإسلام والتزمنا بتعاليم الدين الإسلامي ونصوصه المقدسة كما تقول أطروحة رينان، والواقع يشهد لنا بالإبداع من خلال ذوات، وجهود العلماء في ترسيخ العلم في النفوس من دون احتضان المجتمع والمؤسسات السياسية للمبدعين والمفكرين، فكان على الاستشراق عدم إغفال العوامل التاريخية في نشأة الفلسفة، وللقول أن المعرفة بنيت على الاتصال والانفصال في القراءة الموضوعية لتاريخ العلم والفلسفة معا. حتى خرجت ثورات في السياسة والفكر والمجتمع.

والحقيقة هناك فلسفة إسلامية يجب استكمال البحث فيها، ومحاولة استيعابها ونقدها لإعادة إنتاج البديل بمناهج أخرى، والفلسفة عندنا شهدت إبداعا واتصالا وانقطاعا بدون استمرارية مسلسل التجديد، فغاب السؤال في لحظات وأزمنة معينة لان جوهر الفلسفة هو السؤال.

.........................................
هوامش:
(1) مصطفى عبد الرازق "تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية " دار الكتاب المصري –دار الكتاب اللبناني الطبعة الأولى 2011 ص20
(2) فرح انطون "فلسفة ابن رشد" مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة 2012 ص59
(3) إرنست رينان " ابن رشد والرشدية " ترجمة عادل زعيتر، دار إحياء الكتب العربية القاهرة 1957 ص163
(4) انطون فرح " فلسفة ابن رشد" ص45
(5) محمد عثمان الخشت " الإسلام والعلم بين الأفغاني ورينان " دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع القاهرة 1998 ص 25
(6) إبراهيم مدكور " في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه " الجزء الأول، دار المعارف، 2003 ص20-21
(7) محمد عثمان خشت " الإسلام والعلم بين الأفغاني ورينان " ص 42
(8) ث. ج. دي بور " تاريخ الفلسفة في الإسلام " ص316
(9) مصطفى عبد الرازق " تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية " ص 55
(10) محمد حمدي زقزوق " الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري " دار المنار للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1989 ص12
(11) إرنست رينان " ابن رشد والرشدية " ص 41
(12) ارنست رينان " ابن رشد والرشدية " ص 71
(13) مصطفى عبد الرازق " تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية " ص 51
(14) ث..ج. دي بور " تاريخ الفلسفة في الإسلام " ص53
(15) ث.ج. دي بور – نفس المرجع – ص 34-35
(16) ث.ج. دي بور –نفس المرجع ص48
(17) هنري كوربان " تاريخ الفلسفة الإسلامية " ترجمة نصير مرة وحسن قبيسي، عويدات للنشر والطباعة لبنان الطبعة الثانية 1998 ص358
(18) هنري كوربان:تاريخ الفلسفة الإسلامية " ص368
(19) إبراهيم مدكور " في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه " ص35
(20) مالك بن نبي " إنتاج المستشرقين " دار الإرشاد للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1969 ص25
(21) علي سامي النشار " نشأة الفلسفة في الإسلام " الجزء الأول، دار المعارف، القاهرة، الطبعة التاسعة ص 52
(22) محمد عابد الجابري " الرؤية الاستشراقية في الفلسفة الإسلامية " مناهج المستشرقين، الجزء الأول، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم – مكتب التربية العربية لدول الخليج، 1985 ص311
(23) علي سامي النشار " نشأة الفلسفة في الإسلام " ص 60-61
(24) ادوارد سعيد " الاستشراق " ترجمة محمد عناني، رؤية للتوزيع والنشر،الطبعة الأولى 2006 ص242
(25) سالم يفوت " حفريات الاستشراق في نقد العقل الاستشراقي " المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 1989 ص63
(26) فؤاد زكريا "نقد الاستشراق وأزمة الثقافة العربية المعاصرة " الناشر مؤسسة هنداوي 2018 ص 30
(27) مكسيم رودنسون " جاذبية الإسلام " ترجمة إلياس مرقص، التنوير 2003للطباعة والنشر لبنان ص93
(28) إبراهيم مدكور – في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه " دار إحياء الكتب العربية 1947 ص25-26
(29) علي سامي النشار – المرجع السابق – ص36
(30) إبراهيم مدكور " في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه الجزء الثاني " ص09
(31) إبراهيم مدكور – نفس المرجع. ج2" ص185
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق