بقلم: م.م. سعد عبد الحسين نعمة/كلية الدراسات الانسانية الجامعة التابعة للعتبة العباسية-النجف الاشرف

(بحث مقدم الى (المؤتمر الوطني حول الاعتدال في الدين والسياسة) يومي 22 و23 اذار 2017، الذي عقد من قبل مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام ومركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة كربلاء ومركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية)

المقدمة

تعد العدالة واحدة من اكثر الموضوعات قدسية وشيوعاً في السلوك الاجتماعي ويمكن ان تتخذ وجوهاً متضاربة جداً حتى ضمن المجتمع الواحد، فأينما كان هناك اناس يريدون شيئاً ومتى ما كانت هناك موارد يراد توزيعها، فإن العامل الجوهري المحرك لعملية اتخاذ القرار سيكون احد وجوه العدالة.

وللعدالة سيادة على غيرها من المفاهيم المقاربة كالحرية والمساواة ذلك انها لا تقف عند حد معين، فقد يطالب الناس بمزيد من الحرية وفجأة يضطرون الى التوقف عند حد معين حتى لا تنقلب الحرية الى نقيضها، الا انهم لا يستطيعون التوقف عن محاولة ان يكونوا عادلين ولا يستطيع اي مجتمع ان يصل الى درجة الاشباع في تحقيق العدل لأنه لا يوجد حد نهائي للعدالة، فالعدالة بهذا المعنى هي الخير العام، فهي بذلك تهدف الى تحقيق المساواة بين الافراد عبر التوزيع العادل للموارد والخدمات الاساسية.

وهذا بدورة يهدف الى تحقيق رفاهية المجتمع لان مفهوم الرفاهية يشير الى حصول الأفراد على خدمات، وتأمينات اجتماعية بما يحقق ارتفاع مستوى المعيشة أو ضمان حد أدنى لها، وينطلق هذا المفهوم من حق كل إنسان في الحياة الكريمة، ومن نظرة اجتماعية وإنسانية قوامها وجود رابطة قوية بين رفاهية الأفراد ورفاهية المجتمع، وتشمل في دولة الرفاهية الخدمات والتأمينات على التعليم، والصحة، ومستوى من الدخل، وتوفير العمل، والتأمين ضد العجز والشيخوخة، وبقدر تعلق الامر بالعراق فمنذ نشوء الدولة العراقية شهد هذا المفهوم تقلبات بين الحضور والتهمش والاقصاء مما القى بأثاره على الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للأفراد والجماعات والمجتمع برمته، خاصة ان العدالة الاجتماعية في احد اوجهها تركز على المساواة وتكافؤ الفرص بين ابناء المجتمع الواحد، وهذا ما لا نجده اذ عانى المجتمع العراقي من زيادة كبيرة في اعداد المهمشين والفقراء والعاطلين وتعدى هذا الامر ليصل الى الاقصاء الاجتماعي داخل المجتمع الواحد وبين مكوناته واسقاط الهوية العراقية عن بعض العراقيين، وانقسام المجتمع الى طبقتين مما غيب الطبقة الوسطى ولدورها في تنمية المجتمع.

اما في مرحلة ما بعد سقوط النظام السياسي تجلت العديد من المتغيرات على الساحة العراقية جزء منها دافع لتحقق العدالة الاجتماعية او الوصول اليها على الاقل، والجزء الاخر طارد لها يبغي بقاء المجتمع منقسم سياسياً واجتماعياً متعارضة مع شكل ومضمون النظام السياسي الديمقراطي في العراق الجديد مقروناً ببروز التعددية السياسية والحزبية بمختلف اتجاهاتها وتوجهاتها التي نظرت الى العدالة الاجتماعية وحاولت الاقتراب منها او تحقيقها او الابتعاد عنها ومجافاتها من زاوية مختلف.

بناءاً على هذا التقديم سيتم تقسم هذه الدراسة الى المباحث الاتية:

المبحث الاول: مفهوم العدالة الاجتماعية..

المبحث الثاني: العدالة الاجتماعية في الشريعة الاسلامية..

المبحث الثالث: العدالة الاجتماعية في الانظمة الوضعية..

المبحث الرابع: واقع العدالة الاجتماعية في العراق..

المبحث الاول: مفهوم العدالة الاجتماعية.

تعد العدالة قاعدة اجتماعية اساسية للاستمرار حياة البشر مع بعضهم البعض فالإنسان لا يستطيع العيش لوحدة ومن ثم لا يقوى على تحقيق أهدافه بمعزل عن الاخرين، فالعدالة محور اساسي للأخلاق وفي الحقوق وفي الفلسفة الاجتماعية وهي قاعدة تنطلق منها بحوث ايجاد المقاييس والمعايير الاخلاقية والقانونية، وبذلك يندرج تحت مفهوم العدالة الاجتماعية تحقيق التكافؤ في الفرص والمساواة في الحقوق وتحسين الاحوال المعيشية للفقراء والحد من الاختلالات في توزيع الدخل وتحقيق التكافل الاجتماعي وضمان الحقوق للأجيال المستقبلية. فما هو مفهوم هذا المصطلح؟

اولاً:- العدالة في اللغة

لم يفرق اللغويون بين العدل والعدالة، فجعلوا العدالة كإحدى مشتقات مادة (عدل). وقد جاء في لسان العرب: ما قام في النفوس أنه مستقيم وهو ضد الجور، عدل الحاكم في الحكم يعدل عدلاً وهو عادل من قوم عدل، للجمع كتجر (1).

وورد في معجم فقه الجواهر ان العدالة في اللغة، أن يكون الإنسان متعادل الأحوال متساوياً، كما في المبسوط والسرائر والاستواء وِالاستقامة كما في المدارك وغيرها، وربما احتمل ان العدالة من العجل وهو القصد في المقنعة والنهاية، والمراد بالظاهر هنا خلاف الباطن، وكذلك أن العدالة عبارة عن ملكة نفسانية تبعث على ملازمة التقوى والمروءة، وملازمة التقوى يراد بها اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر، والمروءة تعني ان لا يفعل ما تنفر النفوس عنه عادة والقول بأن العدالة هي حسن الظاهر لا يخلو من مسامحة، إذ حسن الظاهر نفسه ليس بعدالة، بل العدالة غيره، وهو الطريق إليها (2).

وبذلك فإن العدل هو المساواة في المكافآت، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، والإحسان إن يقابل الخير بأكثر منه، والشر بأقل منه، ورجل عدل وعادل ورجال عدل، يقابل في الواحد والجمع.

وقد ورد في كتاب التعريفات: إن العدالة هي الاستقامة، أما العدل فهو عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط (3).

ويقول ابن منظور: إن العدل هو تقويمك الشيء بالشيء من غير جنسه حتى تجعل له مثلا (4).

وورد في القاموس المحيط للفيروز أبادي عن العدالة قوله: وعدل يعدل، فهو عادل من عدول، ورجل وامرأة، عدلُ عدلَ، وعدل الحكم تعديلاً.

والعدل: المثل والنظير، كالعدل والتعديل. أما الاعتدال: هو التوسط حال بين حالتين في كم أو كيف، وكل ما تناسب فقد اعتدل، وكل ما أقمته فقد عدلته وعدلته (5).

وأشار فخر الدين الطريحي في مجمع البحرين عن العدل لغة قوله: هو القصد في الأمور.

ورجل عدل: مقنع في الشهادة. والعديل: الذي يعادلك في الوزن. وعدلته تعديلاً فاعتدل: ما يعني سويته فاستوى (6).

وورد في تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي قوله في العدل لغة: هو الأمر المتوسط بين الإفراط والتفريط، والعدل ضربان، مطلق يقتضي العقل حسنه، ولا يكون في شيء من الأزمنة منسوخاً، ولا يوصف بالاعتداء بوجه، نحو الإحسان إلى من أحسن إليك، ولحق الأذية عمن كف أذاه عنك، وعدل يعرف كونه عدلاً بالشرع، ويمكن نسخه في بعض الأزمنة، كالقصاص واروش الجنايات، وأخذ مال المرتد، ولذلك قال تعالى: [فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ]*.

يمكن القول مما تقدم أن المعاني اللغوية للعدالة والتي سبق إيرادها تتفق على أن العدالة هي الاستقامة والمساواة والأمر الحسن، وفي ضوء تلك المعاني يمكن القول بأن العدالة هي (ما قام في النفوس أنه متيتم ويقتضي العقل حسنه). هذه أبرز الاتجاهات التي تناولت ألفاظ العدل والعدالة وما حالها في اللغة والتي تذهب بنا لتناول مفهوم العدل والعدالة اصطلاحاً.

ثانيا:- العدالة في الاصطلاح

تختص مادة العدالة الاجتماعية المفهوم والمضامين والمبادئ والمهمات فضلاً عن التحولات المختلفة عنها في الاتجاهات السياسية والرأسمالية، والاشتراكية، والإسلامية المجتمعية (السياسية والاقتصادية والثقافية والقانونية) فقد كان مطلب العدالة بمضامينها وما زال واحد من أول وأهم المطالب الإنسانية، الفردية والجماعية بحكم قدرة هذا المطلب على استبطان القسم الأعظم منه المطالب الإنسانية الأخرى، إن لم تقل كل أشكاله تلك المطالب ومستوياتها، الرامية لمعالجة شتى أوجه وأبعاد ظاهرة نقص العدالة أو غيابها في الحياة الإنسانية والمتمثلة في:

1- نقص أو غياب العدالة السياسية.

2- نقص أو غياب العدالة الاجتماعية والقانونية والإدارية.

3- نقص أو غياب العدالة الاقتصادية.

4- نقص أو غياب العدالة المعرفية.

ونظراً لارتباط بعض مواد العدالة الاجتماعية بالعدل، فإن المراد بها: هو أن تتاح لكل مواطن فرص التعليم والعمل والإنتاج وفقاً لقدرته وذكائه، وفرص الحياة الإنسانية الكريمة التي تلائم عمله وإنتاجه وقدرته واستعداده لتضحية النفس في خدمة الوطن والدفاع عنه، وأن الحياة الإنسانية الكريمة تقتضي أن يتجرد كل مواطن من خطر الجور والفقر والمرض. فعرفها البعض بأنها التوزيع العادل للدخل والثروة بين كافة أفراد المجتمع، دون تمييز بينهم بسبب الدين، أو الجنس، أو السن،أو اللون، أو غير ذلك من الأسباب(7)

وقال البعض أنها من سمات النظرية الاقتصادية الإسلامية، ولكن من أركان الاقتصاد وعنصر هام ورئيس من عناصره. وعرفت بأنها تعني: عدم إيقاع الضرر بالغير، وإعطاء كل ماله والتوازن بين المصالح المتعارضة بهدف كفالة النظام اللازم للسلام في المجتمع الإنساني وتقدمه. (8)

وعرفت بأنها: هي توزيع خيرات المجتمع على أفراده على أساس مقدار العمل أو أهميته. أن فكرة العدالة تقوم على المساواة الحقيقية التي تعبأ بالظروف الخاصة والجزئيات الواقعية وإذا استعمل لفظ العدالة على الشعور بالمساواة التي يقيدها لفظ العدل في مختلف صور استعماله.(9)

وبناء على ذلك تعرف العدالة وينظر الى العدالة من منظور فلسفي واجتماعي مختلف، فهناك العدالة القائمة على فكرة الحق (Right) وهناك العدالة القائمة على فكرة الخير (Good)، واذا كان تحقيق مفهوم (اعطاء كل ذي حق حقه) يقوم على فكرة ان استحقاق الانسان لحقه يعود لمجرد كونه انساناً سميت عندها العدالة بـــالعــــدالة الطبيعية (Natural Justice)، اما اذا كان استحقاق الانسان لحقه يقوم على قاعدة عامة يقبلها مجتمعه، سميت عندها العدالة بــالعدالة الاتفاقية (Gonventional Justice)، واذا كان الحق يستند الى قاعدة تجعل من ينتهكها مسؤولاً عن فعله امام سلطته عمومية سميت عندها بـــالعدالة القانونية Legal Justice))،((10 وتشير عدالة التبادل (Commutative Justice) الى تلك العلاقات التعاقدية التي تلزم كل فرد ان يعطي غيره حقه كاملاً دون التفات لقيمته الشخصية او مكانته الاجتماعية، بينما تحكم العدالة التوزيعية (Distributive Justice) توزيع المكافآت وتعيين العقوبات، اي تحدد استحقاقات الفرد من مكافأة او قصاص (11).

اما العدالة الاجتماعية (Social Justice) تعني نوعاً من المساواة له اهميته الجوهرية في تحقيق الصالح العام (12) وتتمثل (العدالة السياسية) في وجود دستور يضمن توزيع الحرية السياسية والمساواة الاجتماعية والحقوق الطبيعية، اما (العدالة الاقتصادية) فتتحقق اذا ما نجح النظام الاقتصادي في اشراك جميع الافراد في الحياة الاقتصادية وفي توزيع الثروة عليهم بنسب تتناسب مع عملهم وإسهامهم في الانتاج العام، وتتوخى (العدالة الجنائية) الدفاع عن المجتمع ضد الجريمة وفي الوقت نفسه تقويم سلوك الجاني الذي خرج عن اطار المجتمع، مع ضمان لحق كل متهم في ان يتمتع بمحاكمة تتيح له الحق الكامل في الدفاع عن نفسه حتى تنتهي المحاكمة الى قرار سليم سواء بالإدانة او بالبراءة(13).

ويشير مفهوم العدالة الاجتماعية: أن كل إنسان يجب أن يأخذ صفة من الحياة بشكل متلائم مع شخصيته الإنسانية، وأن يسود أبناء المجتمع لون واحد من التعامل، وتهيئة الفرص الكاملة للمشاركة في جميع الأصعدة والاستفادة من خيرات البلاد، وهذه العدالة ليست في خصوص التوزيع العادل للثروة فحسب، بل يشمل المساواة أمام القانون والأمور الحقوقية، ومحاربة التمييز العنصري والطبقية، فالعدالة الاجتماعية، هي إعطاء البشر حقوقهم في كل مجالات الحياة وعدم التمايز بينهم، بأي لون من ألوان التمايز، ومعاملتهم على أساس العدل، الذي هو أساس العدالة، أي إعطاء كل ذي حق حقه، وفق الحاجة والكفاءة والقدرة (14).

بالنسبة للمساواة يكون ذلك في مجال الضروريات التي تلزم لكل إنسان حتى يمكن استمراره في الحياة من مأكل ومسكن وملبس ضروري وغيرها أي نبغي أن يتساوى الجميع في كل ما يحفظ للإنسان حياته. إذاً يمكن القول أنه في حدود المجال السابق لا يسمح الإسلام ولا يقدر الغنى، أي أنه لا يعترف بأحقية فرد في إشباع ما زاد عن الحاجات الضرورية طالما أن موارد الحاجة تعجز عن توفير الضروريات لأفراد المجتمع. بذلك لا يسمح الإسلام بالغنى مع وجود الفقر والحرمان داخل المجتمع وإنما يبدأ الغنى والتفاوت فيه بعد إزالة الفقر والقضاء على الحرمان وبسبب ذلك أن توفير وضمان حد الكفاية لكل مواطن هو حق الله تعالى الذي يعلوا فوق كل الحقوق وكونه ذلك يجعل المجتمع آثماً إذ لم يتحقق هذا الحق لكل فرد (15).

ويعني مفهوم العدالة الاجتماعية، إعادة الحق السليب إلى صاحبه ورفع الظلم والإرهاب عن الطبقات الكادحة وتحقيق المساواة أمام القانون لكل أفراد المجتمع. فالعدالة الاجتماعية، هي الحرص على تحقيق أعلى مستوى من الإنصاف، حيث يزول كل شكل من أشكال الظلم الاجتماعي، وردم الفوارق بين طبقات المجتمع، والمسؤول عن ذلك هو وجود حكومة عادلة تعطي الروح للاجتماع الإنساني وتجسد العدل (16).

واخيراً يمكن القول يمكن توصيف العدالة الاجتماعية بأنها الحالة التي يشهد فيها المجتمع كل من (17):

1- انتفاء الظلم والاستغلال والقهر والحرمان من الثروة او السلطة او من كليهما.

2- اختفاء القهر والتهميش والاقصاء الاجتماعي.

3- اذكاء الاحساس بالإنصاف والتكافل والتضامن والمشاركة الاجتماعية.

4- انعدام الفروق غير المقبولة اجتماعياً بين الافراد والجماعات والاقاليم داخل الدولة.

5- تمتع المواطنين كافة بحقوق اقتصادية واجتماعية وسياسية وحريات متكافئة.

6- اتاحة الفرص المتكافئة لأبناء الوطن لتنمية القدرات والملكات وتوظيفها بما ييسر الحراك الاجتماعي ويساعد المجتمع على النمو.

7- عدم تعدي الاجيال الحاضرة على حقوق الاجيال المقبلة.

وبذلك يندرج تحت مفهوم العدالة الاجتماعية تحقيق التكافؤ في الفرص والمساواة في الحقوق وتحسين الاحوال المعيشية للفقراء والحد من الاختلالات في توزيعات الدخول والثروات وتحقيق التكافل الاجتماعي وضمان الحقوق للأجيال المستقبلية (18).

المبحث الثاني: العدالة الاجتماعية في الشريعة الاسلامية

إن كان الأصل أن يشترك الناس جميعاً اشتراكاً كاملاً وعلى قدم المساواة في الحصول على المستوى الضروري اللازم لحياتهم بما يتفق مع المستوى المعيشي العام السائد في المجتمع، فإنه بعد تحقيق هذا المستوى يجوز أن يكون هناك تفاوت بينهم.

والتفاوت الذي يقره الإسلام ليس هو التفاوت المفتوح غير المنضبط وغير المقيد بل هو تفاوت ترد عليه قيود وضوابط متعددة تحول دون تراكم الثروة في أيدي فئة معينة وقلتها في يد فئة أخرى، فبموجب العدالة الاجتماعية ليس التسوية المطلقة بين الناس إنما موجبها أن يتساوى الناس في تهيئة الفرص فيتوافر التعليم المثمر لكل الناس حتى تظهر القوى ويوسد إلى كل إنسان ما يصلح له من عمل، ويضع كل امرئ في العمل المناسب، هو التنظيم الجماعي السليم الذي يتوافر فيه إنتاج كل القوى من غير أن تهمل قوة أو تعمل فيها دون طاقتها أو فيما فوق طاقتها فيفسد الأمر (19).

ويعني مفهوم العدالة الاجتماعية، إعادة الحق السليب إلى صاحبه ورفع الظلم والإرهاب عن الطبقات الكادحة وتحقيق المساواة أمام القانون لكل أفراد المجتمع. فالعدالة الاجتماعية، هي الحرص على تحقيق أعلى مستوى من الإنصاف، حيث يزول كل شكل من أشكال الظلم الاجتماعي، وردم الفوارق بين طبقات المجتمع، والمسؤول عن ذلك هو وجود حكومة عادلة تعطي الروح للاجتماع الإنساني وتجسد العدل (20).

إن معظم أصحاب النظريات في موضوع العدالة يجمعون على أن المساواة الأساسية في حقوق الإنسان وفي الحقوق المدنية والمؤسسات السياسية للديمقراطية الليبرالية تكون في مجملها الشروط المسبقة والعناصر الحيوية للعدالة.

علاوة على ذلك فإن أصحاب نظريات العدالة يرون أن مرجعية مقياس المساواة لا تنحصر فقط في الحقوق السياسية والمدنية بل تتعداها لتشمل الحقوق الاقتصادية الاجتماعية والثقافية وتكافؤ الفرص.

ان مفهوم العدالة الاجتماعية تكتنفه النسبية اذ انه يختلف من اتجاه فكري الى اتجاه آخر ففي الشريعة الاسلامية تختلف طبيعة العدالة الاجتماعية في الشريعة الإسلامية عن طبيعتها في النظم الوضعية المقارنة اختلافاً بيناً، لاختلاف تصور الشريعة لها عن تصورات هذه النظم، حيث أن الشريعة جاءت أصلاً لإقامة العدالة بصورة عامة والعدالة الاجتماعية بحاجة بين الناس بصورة خاصة (21).

إن البحث عن العدالة الاجتماعية ومفهومها في الإسلام مهم وأساسي للغاية، لما له من مدخلية في فهم الإسلام بشكل صحيح، وإثبات واقعيته كنظام صالح لأن يحكم البشر من خلال اطروحته الانموذجية المنتقاة من مصادره الأساسية. حيث أن العدالة الاجتماعية هي الحلم المنشود منذ آلاف السنين على هذه الأرض التي طالما عاش عليها المظلومون متأملين انتصارهم على الطواغيت.

لقد كان الناس يعيشون في ظل جاهلية وفوضى يسيطر فيها ذوو السلطان على غيرهم، واستمر الأمر على هذه الحال حتى جاء الدين الإسلامي وثبت الحق والعدل والسعادة حيث أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم، على الرسول (7) ليكون دستور للناس أجمعين، وكانت العدالة الاجتماعية، مما أمر الله تعالى به في كتابه ونهى نهياً حاسماً عن مخالفتها (22).

كان العدل هو المقصد الأول للشريعة فإن كل الطرق التي تضمن تحقيقه وإقراره هي طرق شرعية حتى لو لم ينص عليها الوحي أو ترد في الأحاديث النبوية الشريفة كما يقول ابن قيم الجوزية: ((الله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر بل بين بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها والطرق أسباب ووسائل لا ترد لذواتها وإنما المراد غايتها)) (23).

يقول المودودي ((....إن الإسلام هو العدل بعينه... فإقامة العدل بين الناس، وتحديد ما هو العدل وما هو الظلم والجور، إنما هو من شأن خالق الإنسان وربه ولا حق عند سواه أن يضع للناس مقياساً للعدل والظلم)) (24).

وفي التصور الإسلامي تعد العدالة عند (مرتضى المطهري) ركناً من أركان ثلاثة لمنظومة قيم النهوض (الحرية ـ العدالة الاستقلال الوطني) (25) ويرى (غانم محمد صالح) أن أي مراجعة عملية للبناء السياسي الإسلامي تفصح عن أن مبدأ العدالة ظل دائماً المبدأ الأصيل في نظام القيم السياسية (26).

إن بناء العدالة الاجتماعية في الإسلام، ينهض على أساس تنظيم العلاقات الاجتماعية وفق الاستحقاقات الاجتماعية المتبادلة بين أفراد عن طريق إرساء حياة صالحة للمجتمع، لأن العدل الاجتماعي لا يمثل رغبة دينية فحسب، إنما هو ضرورة مصيرية للمجتمع الإنساني وتطوره الحضاري

ولهذا نجد أنبياء الله (ع) دعوا بعد التوحيد إلى حفظ ميزان العدل الاجتماعي بين أفراد المجتمع الإنساني (27).

يرتكز المودودي في تحديده لمفهوم العدل على ثوابت الشريعة الإسلامية وهي:

1- أن الحاكمية المطلقة لله تعالى المتصف بصفات الكمال كالعدل التام.

2- أن الإنسان المؤمن خليفة الله في الأرض والخليفة يعبر عن إرادة مستخلقة في حكم الموجودات المستخلف عليها.

3- إن إرادة المستخلف في تدبير هذه الموجودات بواسطة خليفته تكون معلومة للخليفة عن طريق إرسال الرسل وإنزال الشرائع السماوية، وعنن طريق أعمال العقل السليم فيها (28).

يرى بعض الباحثين أن على الشريعة الإسلامية أنها لا تفرق بين العدل والعدالة في اللغة والاصطلاح، فكلاهما يؤدي إلى معنى واحد، وهو إحقاق الحق، بتطبيق أحكام الشرع، نميز أن الشريعة الإسلامية قد استعملت كلمة أخرى تؤدي معنى العدالة في الفكر العربي ـ قديمه وحديثه ـ وتسمو عليها وهي الإحسان (29)

وفي التصور الإسلامي تتجدد معالم العدالة الاجتماعية، بالعدل والإحسان والشورى وحماية الضعيف، وإدانة الظلم والتوازن بين حقوق شعب وحقوق السلطة السياسية وجعل من أهم غايات النظام السياسي، أن يجعل محورة العدالة الاجتماعية على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية كافة (30).

تولى الدين الإسلامي شؤون الحياة الإنسانية، فكان له تصور كلي كامل عن الآلوهية والكون والحياة والإنسان، تجسد في القرآن والحديث وفي سيرة الرسول (7) وسننه العملية، وجسد الإسلام الحياة على أنها تراحم وتواد وتعاون وتكامل، وحدد الأسس وقرر النظم بين المسلمين على وجه خاص، وبين جميع أفراد الإنسانية على وجه عام، فكان هدف الإسلام، الوحدة المطلقة المتعادلة المتناسقة، والتكافل العام بين الأفراد والجماعات، وهذا هو أساس جوهر تحقيق العدالة الاجتماعية في ظل الإسلام التي تراعي العناصر الأساسية في فطرة الإنسان غير متجاهلة للطاقة البشرية (31) وبالتالي يمكن القول أن العدالة الاجتماعية من أهم المبادئ التي أرساها الإسلام والتي يقوم عليها المجتمع الإسلامي، والأسس التي تؤسس عليه العلاقات بين أفراد المجتمع المسلم، والعدل هو المعيار الذي يدرك من خلاله ثبات المجتمع واستقراره، وبذلك عمل الإسلام على تثبيت وترسيخ قيمة العدالة بين الناس حتى ربط جميع نواحي الحياة بناءاً على أسس العدالة، فالعدالة مرتبطة بأنظمة الإدارة، والحكم والمواثيق بين الناس، والاقتصاد والتفكير، والأسرة والتربية وغيرها من أنظمة الإسلام المختلفة حتى أن التاريخ قد شهد على سلامة المجتمعات التي حكمها الإسلام، وكيف حماها من خراب العمران، وكيف حال المجتمعات من دمار النفوس وانحطاط الأخلاق.

اذا كان هذا التصور الاسلامي للعدالة الاجتماعية. فكيف يسعى الى تحقيقها في المجتمع؟

العدل الاجتماعي في الإسلام هو عملية إصلاح الأمة بأفرادها ومؤسساتها وهو مرتبط بالقيم الاجتماعية التي تحدد صيغ أداء فعاليات الحياة في أي مجتمع، أما في حالة فقدان العدل الاجتماعي بجميع أشكاله فسوف يلحق ضرر بالإنتاجية، مما ينعكس على الاقتصاد الوطني، لأن العدالة الاجتماعية هي مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية، والعدالة تولد التوازن الاجتماعي على مستوى النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي (32) وهكذا يتم الوصول إلى العدالة الاجتماعية عبر التوزيع العادل للدخل على المستوى الاقتصادي (عن طريق الصدقة) أو عن طريق (الحسبة) التي تعد صورة من صور تدخل الدولة لمراقبة سلامة النشاط الاقتصادي، أما إذا كانت فرض الكفاية على الأفراد عن القيام بكافة أوجه النشاط الاقتصادي للمجتمع فإذا عجز الأفراد عن القيام بذلك أو اعرضوا عنها أو قصروا فيها أو انحرفوا ضدها، فإنه مثل هذه الأحوال يصبح شرعاً لازماً على الدولة بأن تتدخل وتقوم بهذه الأوجه، كما يحرص الإسلام على كفالة حد الكفاية لكل فرد وعلى تحقيق التوازن الاقتصادي في المجتمع والعدالة في التوزيع عند انتفائه (33). وكما جاء في قوله تعالى: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) (34).

وأيضاً يتم الوصول إلى العدالة الاجتماعية في الشريعة الإسلامية من خلال نظام التكافل الاجتماعي الذي يهدف إلى قيام التوازن بالموازنة والميزان بين الأفراد والجماعات والطبقات أي أن التكافل الاجتماعي يقيم ويحافظ على النسيج الاجتماعي ويحقق الموازنة في حد الكفاية للمجتمع وضبط التفاوتات بضوابط الحلال الديني والكفاية في العطاء، ووضع سقف للتفاوت يمنع الاحتكار والأثرة والطغيان.

اما الاساس الاخر الذي استندت اليه الشريعة الاسلامية لتحقيق العدالة الاجتماعية فهو الزكاة والضمان الاجتماعي و باللغة المعاصرة نستطيع ان نعرفه بالتزام الحكومة نحو شعبها، فالسلطة يجب أن تحرص على إبقاء الحد الأدنى من المعيشة اللائقة للشعب وتوفير المساعدة لكل من يحتاج إليها ايضا (35).

وبذلك يمكن القول أن تدخل الدولة في الاقتصاد الإسلامي هو فرض من فروض الشريعة الإسلامية إلى جانب جهود الأفراد، ويمكن بلورة هذا الدور في تحقيق الرفاهية المتوازنة في المجتمع من خلال الأخذ بكل مكونات الرفاهية وروافدها بقدر كافي دون إفراط أو تفريط خصوصاً في المجالات الروحية والمادية، وبذلك يمكن القول ان الشريعة الإسلامية تجعل كل من الفرد والمجتمع هو الهدف الأساس مع الأخذ بضرورة عدم التعارض في المصالح، فالإسلام يكفل كل من المصالح الخاصة والعامة ويضمن عدم إهدار بعضها على البعض الآخر، على أساس أن كل منها مكمل للآخر وإذا حصل التعارض ترجح المصلحة العامة على حساب المصلحة الخاصة (36).

المبحث الثالث: العدالة الاجتماعية في النظم الوضعية

يركز هذا المبحث على العدالة الاجتماعية في الفكر الرأسمالي والفكر الاشتراكي مع بيان اوجه الشبه والاختلاف بيهم و بين الشريعة الاسلامية.

اولاً:- العدالة الاجتماعية في الفكر الرأسمالي

العدالة الاجتماعية في الفكر الرأسمالي، فاذا أردنا تعريف الفكر الرأسمالي فيمكننا القول بأنه الفكر الذي نادت بمبادئه الثورة الفرنسية والذي يتميز بنزعة فردية ويتركز على أساس احترام وتقديس حريات جميع الأفراد كالحرية الاقتصادية والسياسية وينادي بالمساواة حيث يقدر لكل فرد حقوقاً تسبق وجود الدولة ومن ثم فإن حماية تلك الحقوق هي الغاية من الدولة (37).

ونظراً للأزمات المتلاحقة، تدخلت الدولة لصالح الطبقات الفقيرة، لا تحقيقاً للعدل الاجتماعي، ولكن للحفاظ على مبادئ الرأسمالية، التي قامت على أن الحرية الاقتصادية، ونظام السوق، وباعث الربح يحقق العدالة والتوازن التلقائي بين الإنتاج والاستهلاك.

يمكن تحديد طبيعة العدالة الاجتماعية في النظام الرأسمالي بأنها عدالة ضمنية ومادية ونسبية وقاصرة، حيث أن الرأسمالية تقسم أفكارها الاقتصادية على الحيادية، فتهمل الحاجات الضرورية الروحية والأخلاقية على أساس علمانيتها وتطلق الحرية الاقتصادية للأفراد دونما قيد، لتحقيق أكبر اشباع للحاجات المادية، الأمر الذي قد يضر بالجماعة في كثير من المجالات (38).

حيث أن العدالة الاجتماعية في الفكر الرأسمالي طرحت على أساس النزعة الفردية بتحقيق مصلحة طبقة معينة، فهو يقرر لكل فرد من هذه الطبقة المنفذة اقتصادياً حقوقاً تتركز على أساس احترام وتقديس حرياتهم العامة، لكنه ينادي بالمساواة لكل فرد نظرياً، ومن ثم فإن حماية تلك الحقوق هي الغاية من الدولة وجزء من العدالة الاجتماعية (39)، ففي النظام الرأسمالي الذي يستمر بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج لابد أن تنشأ فروق واسعة في توزيع الدخل والثروة بين الطبقات المالكة، وهذه الفروق لا تعود إلى الفوارق بين الأفراد في القرارات والملكات وما يتبعها من فروق في الأداء والإنجاز فحسب، وإنما تعزى بطبقة أساسية إلى تركز الثروة في طبقة قد لا تشكل سوى نسبة ضئيلة من السكان وإلى توارث هذه الثروة ومعها المكانة والنفوذ من جيل إلى جيل في هذه الطبقة وانفراد طبقة ما بملكية وسائل الإنتاج يؤدي إلى ظاهرة الاستغلال الرأسمالي القائم على العمل المأجور، كما يؤدي إلى غيرها من صور الاستغلال التي قد ترتبط بالاحتكار أو بالمضاربات العقارية والمالية وغير ذلك (40).

فالتركيز على الفرد وإخفاء قدر كبير من الحرية له في سبيل تحقيق مصلحته الشخصية باعتبار أن الفرد أقدر الناس على التعرف على مصلحته وبالتالي على تحقيقها في ضوء ما يحتمل في نفسه في نفسه من نزاعات طبيعية، ويفض ذلك إلى التوافق التلقائي بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة.

وعن هذه الفلسفة تنبثق مجموعة من المبادئ التي تحكم الفكر الرأسمالي والتي تمثل المقومات الرئيسية للنظام الرأسمالي وتتمثل بـ الملكية الفردية، الحرية الاقتصادية، وحافز الربح (41).

وعليه فإن الدولة في ظل الفكر الرأسمالي بناء سياسي محايد لا يجوز له أن يتدخل، وتقتصر وظائف الدولة على أنشطة تقليدية وهي (42):

1- حماية الوطن من اعتداءات وغزوات الدول الأخرى.

2- حماية كل فرد من أفراد المجتمع بقدر الأفكار ضد الظلم أو الاعتداء من جانب أي فرد أخر وذلك بإقامة مرافق العدالة.

3- إنشاء وإدارة بعض الأشغال العام التي لا يمكن أن يكون من مصلحة أي فرد أو مجموعة صغيرة من الأفراد أقامتها نظراً لعجز الفوائد المتحققة منها عند تغطية نفقات إقامتها.

لكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوار عدم تدخل الدولة خاصة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وخاصة بعد الأزمات الاقتصادية أدت هذه الظروف إلى ضرورة تدخل الدولة لمساعدة العاطلين، ومساعدة الشركات للخروج من الأزمات وكذلك تقديم الخدمات للمواطنين، لذلك يمكن القول أن هذا النظام اعتمد في تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال اعتماد سياسة (التدخل ـ واللاتدخل للدولة)، فهي تتدخل ليس لمعالجة الأزمات لا بل لتجاوزها، لأن الهدف الأساسي وجود الدولة هو ليس لحفظ النظام والأمن، لا بل لتحقيق الرفاهية العامة الاقتصادية والاجتماعية من خلال التركيز على التنمية البشرية والاقتصادية للوصول أي الاستدامة في التنمية خاصة وأن رأس المال البشري هو العامل الأساس لتحقيق التنمية المستدامة، القائمة على أساس العدالة الاجتماعية ليست للجيل القائم إنما بين الأجيال الحاضرة والمستقبلية.

إلا أن هذا التدخل يفترض أن يكون قليلاً أي ليس شمولياً وذكياً قائم على أساس الشفافية والمسائلة وعدم تعارض المصالح وإن نجاح الدولة في تحقيق هذا يتطلب تداولاً للسلطة مستمراً ومستقراً قائم على أساس ترسيخ لمفهوم دولة القانون واستغلال للقضاء والرفاهية الشعبية.

ثانياً:- العدالة الاجتماعية في الفكر الاشتراكي

ان طبيعة العدالة الاجتماعية في النظام الاشتراكي قامت الأفكار المالية والاقتصادية للنظام الاشتراكي على المادية، ولفهم طبيعة العدالة الاجتماعية في هذا النظام في هذا النظام، لابد من معرفة ظروف نشأته، التي تمثلت في تحريف المسيحية، وفي الصراع المرير بين العقل والدين، وفي المظالم والقسوة الدائمة التي تهدها أوربا، مما نفر الناس من الدين، فظهرت العلمانية والمذهب المادي، حيث رد رجال النهضة على ذلك بإقصاء الدين كلية عن ميدان الفكر والمجتمع، واتخذوا موقفاً عدائياً من الكنيسة وأفكارها، وكذلك من منهج تفكيرها أيضاً، فقامت نهضة أوربا على أساس مادي (43).

تطالب المذاهب الاشتراكية من الناحية الاجتماعية بتحقيق المساواة بين الأفراد أي إلغاء الفوارق بين الطبقات، كما تنادي المذاهب الاشتراكية جميعاً من الناحية الاقتصادية بالقضاء على الرأسمالية وإلغاء الملكية الفردية لأموال الإنتاج واستبعاد المنافسة فالرأسمالية تعتبر العدوة الطبيعية للطبقة العمالية ولابد من تحويل الملكية الخاصة لأموال الإنتاج إلى ملكية اشتراكية أو اجتماعية، حيث لا يستغل أصحاب الأعمال جهود العمال، وقد نعت الاشتراكي الإنكليزي (سدني ويب) الرأسماليين بأنهم طفيليات اجتماعية تعيش على الجزية التي تفرضها على عمل المواطنين وإنهم يعتبرون على أحسن الفروض مرتكبين السرقة لاشعورية فلا حق لهم فهي، رأس المال الموجود تحت أيديهم ومن العدالة أن تنزع ملكيتهم لصالح المجموع (44).

والفكر المادي قد سبق الاشتراكية، واقتصر اثر ماركس فقط على تعميقه ونشره، فقد ألغي أي تفكير غير مادي في أي من المجالات، فكل شيء مادي ولا أثر للروح عنده، فقد اعتمد ماركس نظرية التطور في علم الاقتصاد ووضع مذهباً يتناول تطوراً كاملاً للحياة، يقوم على التفسير المادي للتاريخ، فجعل القوى المادية السلطان الحاسم على نشاط الإنسان، الذي عده مادياً بصفة اساسية وأنكر وجود الله تعالى، وعد الدين مخذلاً للشعوب، واعتبر القيم الأخلاقية انعكاس للوضع الاقتصادي، وليس لها وجود أصيل في الحياة، لذا قامت الفلسفة الاشتراكية على أساس فكرة الصراع والاستغلال فقامت على أفكار مثل قيمة العدل وفائض القيمة وتراكم الأموال والتفسير المادي للتاريخ والصراع بين الطبقات ودكتاتورية البروليتاربا (45)

ان هدف الاشتراكية إلى تحقيق العدالة للمجتمع وتوفير فرص العمل للأفراد، دون استغلال، على مبدأ الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، ففي المجال الاقتصادي لا يتحقق أسلوب الإنتاج الاشتراكي إلا عندما تصبح وسائل الإنتاج ملكاً للجميع، أي للدولة ويكون هدف الإنتاج تلبية الحد الأقصى من حاجات المجتمع ويكون العمل مفروضاً على الكل ومتوافر للقادرين عليه ويتم الإنتاج وفق خطط تطلقها الدولة وتشرف على تنفيذها، ويتم توزيع الناتج وفق قانون التوزيع الاشتراكي أي لكل شخص أجره حسب عمله ونوعه.

أما في المجال الاجتماعي ينعدم في النظام الاشتراكي الصراع الطبقي في المجتمع وتزول بزوال هذا الصراع الخلافات بين الشعوب ويصبح القانون هو الضابط لحياة المجتمع إلا أنه لا يمكن في مرحلة بناء الاشتراكية تحقيق المساواة الاجتماعية لاختلاف نوع العمل وبقاء بعض طبقات المجتمع كالعمال والفلاحين وفئات أخرى كالمثقفين، إذ يؤدي هذا إلى ظهور بعض التناقضات التي لا تحمل طابع التناصر الحاد ويمكن حلها في إطار التطور المستمر للنظام الاشتراكي.

أما في المجال السياسي فيفتر النظام الاشتراكي أن تكون السلطة بيد المنتجين والعمال (البروليتاريا) مع وجود حزب طليعي يقود الدولة والمجتمع ويتم حل القضايا الاجتماعية الأساسية بمشاركة جماهيرية ديمقراطية واسعة توفرها المنظمات الشعبية (46).

إن هذه المرحلة هي مرحلة انتقالية إلى حين الوصول إلى مرحلة الشيوعية من خلال زوال الطبقات وانحلال الدولة(47).

من خلال هذا يمكن القول أن هذه النظرية تدعو إلى ضرورة تدخل الدولة في الأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بحجة تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية والوصول إلى مجتمع الرفاهية، وبالتالي يأخذ هذا الأنموذج بنمط الدولة المتدخلة في كل جوانب حياة المجتمع، إلا ان حقيقة الأمر أن هذه النظرية لا تمس الواقع بصلة حقيقة وأن الأنظمة التي إدعت الأخذ بها لم تستطيع نقلها من أطرها النظرية أي واقعها الطبيعي العملي، فلا يمكن أن نتصور اقتران غياب الطبقات بزوال الدولة من جانب، ولا يمكن أن نتصور أن هناك مجموعة من الأفراد تكون بدون سلطة حقيقية، فظاهرة السلطة ارتبطت بالمجتمعات البدائية، ابتداء من الأسرة وانتهاءاً بالمجتمع الدولي ولا يمكن التصور في الوقت الحاضر أن هناك مجتمع بدون سلطة تدير شؤونه داخلياً وخارجياً.

ومن ثم زوال الدولة لا يؤدي بالضرورة إلى زوال صراع الطبقات فالإنسان ميال في سبيل تحقيق مصلحته الذاتية لذلك أن تصورنا غياب الدولة فلا يمكن أن نتصور عدم ظهور الصراع في المجتمع.

ومن خلال هذا يمكننا القول إذا كانت القاعدة في النظام الرأسمالي هي الحرية الاقتصادية لمصلحة الأفراد والاستثناء هو تدخل الدولة وكانت القاعدة في الاشتراكية تدخل الدولة وانفرادها بالنشاط الاقتصادي، والاستثناء هو ترك بعض الحرية للأفراد في هذا النشاط، فإن الشريعة الإسلامية توازن بين حق الأفراد في الحرية الاقتصادية وبين حق الدولة في التدخل في النشاط الاقتصادي وانفرادها في بعض وجوهه، بحيث يكمل كلاهما الآخر، فكلاهما يقرره الإسلام في وقت واحد، وكلاهما أصل وليس استثناء، وكلاهما مقيد وليس مطلق.

المبحث الرابع: العدالة الاجتماعية في العراق

العدالة موضوع وغاية الافراد والجماعات وهؤلاء هم الذين يتشكل منهم المجتمع ويتكون، والدولة باعتبارها تنظيم سياسي قانوني، تكون اولى مهماتها بحسن ادارة هذا المجتمع على اسس العدالة الاجتماعية، والحفاظ علية، وتنظيم اموره، خاصة فيما يتعلق بتحقيق مصالح ومطالب الافراد والجماعات، فتحقيق العدال الاجتماعية يتطلب دوراً نشيطا وفعالاً وايجابياً من قبل الدولة. وتأسياً على هذا سنتناول المحاور الآتية:

اولا: العدالة الاجتماعية في العهد الملكي

بقدر تعلق الامر بالعراق فأنه لم يشهد هذا التنظيم في اوقات الاحتلال العثماني، وانما قامت الدولة العراقية الحديثة اثر المطالبات الشعبية التي تجسدت في نشوب ثورة العشرين ومعها قام النظام السياسي الذي اخذ بالشكل البرلماني الملكي وتجسد ذلك في القانون الاساسي العراقي الصادر عام 1925، ومن خلال قراءة نصوص هذا القانون لا نجدة اشار بصراحة الى العدالة الاجتماعية وانما احتواها ضمناً (كحق الملكية، وحق الطوائف المختلفة من تأسيس المدارس لتعلم افرادها بلغتها الخاصة، وقانونية الضرائب بمقتضى القانون على العكس من العهد العثماني) وغيرها من النصوص.

ونحن هنا ليس بصدد دراسة الواقع القانوني في هذا المبحث للنصوص الدستورية المتعلقة بالعدالة الاجتماعية بقدر تعلق الامر بدراسة الواقع السياسي التطبيقي لهذه النصوص لما له الاثر المباشر على المواطن العراقي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً.

فالواقع الاجتماعي بالجمود والتخلف ولهيمنة عدد محدود من الافراد، بسبب الاستعمار والاقطاع وكانت الامية متفشية في اوساط واسعة من المواطنين اذا تقدر بـ (90%) من مجموع السكان لا سيما في المناطق الريفية فالمجمع العراقي آنذاك مقسم بصورة غير متناسقة الى طبقتين غنية وفقيرة، ولغياب ملحوظ للطبقة الوسطى التي تأخذ على عاتقها زمام المبادرة واحداث التغيير في المجتمع، مع غياب عدالة توزيع السلطة والثروة، وانحياز السياسات التوزيعية لصاح الفئات الاقطاعية.

اما الواقع الاقتصادي والاجتماعي للعراق في تلك الفترة كان يسبغ على هذا الحق مفهوماً مطلقاً، فالملكيات الإقطاعية الكبيرة في العراق كانت هي السائدة في أوائل القرن العشرين، وقد ساعد الاحتلال الانكليزي على تشجيعها بمساعدة كبار التجار والإقطاعيين، حيث استحوذ الإقطاعيون على اكبر مساحة ممكنة من الأراضي، إذ استأثر (2%) من مجموع الملاّك ﺒ (68%) من مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، في حين إن (98%) من الملاّك لا تتجاوز نسبة أراضيهم (32%) من مساحة الأراضي الزراعية (48).

واخيرا الواقع السياسي كان يشير الى خلل كبير في تطبيق القانون الاساسي مما يمكن القول ان هذا الدستور كان معطلاً، خاصة فيما يخص اليه الوصول الى السلطة اذا بقت حكراً على شخصيات محددة، والعلاقة بين السلطات التي ضلت مستأثرة الى حداً بعيد لسيطرة العوائل والقبيلة والعشيرة والمذهب، حتى يمكن وصف هذا النظام بنظام حكم العوائل.

ثانياً: العدالة الاجتماعية في العهود الجمهورية (1958 - 2003)

صدر الدستور العراقي سنة 1958 ليعلن نهاية العهد الملكي وبداية العهد الجمهوري للدولة العراقية، واتسم هذا الدستور بطابع التأقيت، حيث صدر بعد قيام ثورة 14/تموز/1958 التي أعلنت سقوط القانون الأساسي العراقي لسنة 1925وكافة تعديلاته (49).

تبني بعض السياسات التي عبرت عن الحاجة الاجتماعية، إذ قامت الحكومة بإصدار القوانين والاوامر عبرت عن حاجات شعبية ضرورية من مثل قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958، والانسحاب من حلف بغداد، كذلك الانسحاب من منطقة الاسترليني لفك العراق من السيطرة السياسية والاقتصادية التي كان يقبع تحتها لصالح بريطانيا،

كذلك الغاء العديد من القوانين كقانون اسقاط الجنسية وسحبها لعام 1939، وتبعتها الجمهوريات الاخرى في قرارات التأميم للموارد الطبيعية لتعود بالرفاهية على السكان، وبالفعل تم النهوض بالواقع الاقتصادي والاجتماعي للمواطن العراقي.

الان كل الجمهوريات منذ عام 1958-2003 اتسمت بطابعها الانقلابي، وسيطرة شخص او مجموعة من الافراد على السلطة السياسية، واعتمدت منهج الاقصاء السياسي الذي اخذ دورة بشكل فاعل نحو التركيز على الاقصاء الاجتماعي خاصة بعد تولي حزب البعث السلطة السياسية، اذا اعتمد على مبدأ القسوة والعنف والاقصاء والتهجير وقتل الاخر في سبيل البقاء في السلطة.

ففي الجمهورية الاولى 1958 شهدت تضييق الفوارق الطبقية ومساواة الغني بالفقير عن طريق توفير مستلزمات الحياة له وحل مشكلة السكن بتوفير المساكن لجميع افراد الشعب، اذ وزعت الدولة الدور السكنية على الموظفين والضباط وضباط الصف في جميع محافظات القطر تقريباً كما في منطقة الثورة والشعلة والاسكان الشعبي وغيرها، كما سعت لتغيير الاحوال الاجتماعية نحو الافضل(50).

اما في فترة الجمهورية الثانية 1963، اذا اصبحت الدولة بمجموعة القوانين الاشتراكية المالك للعديد من المنشئات والصناعات النفطية، الا انها لم تستطع بالمقابل تشغيل المشاريع المؤسسة، فضلاً عن عدم سيطرة الدولة على المصدر الاساسي لتوليد الفائض الاقتصادي النفطي وعدم تحقيق أي نمو على الصعيد الاجتماعي. (51)

اما في الجمهورية الثالثة، 1968 شهدت تطورات على صعيد الاحوال الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين والعوائل العراقية بغض النظر عن خلفياتهم الاجتماعية وانحداراتهم الطبقية والتي كان لها الفضل في تقليل الفوارق الاقتصادية والاجتماعية نوعاً ما، وتحقيق نوع من العدالة الاجتماعية في توزيع الدخل بين شرائح المجتمع في المراحل الاولى، وبالتالي تقليل الهوة الاجتماعية بين شرائح المجتمع، اما على مستوى ادارة السلطة في كل الجمهوريات فكانت حكراً على المكون (السني)، دون المكونات الاخرى. (52)

الا ان واقع العدالة الاجتماعية تغير كثيراً بعد الحرب العراقية-الايرانية اذا اعتمد النظام السابق القبلية والطائفية كأساس في ادارة السلطة وتفاقمت، المشكلة مع الاكراد، وشهد المكون الشيعي اقصاء واضحا بل تعدى الامر الى تصفية علماء الشيعة من الحوزة العلمية في النجف الاشرف، اسقاط الجنسية العراقية عن الالاف من العراقيين وتهجيرهم الى الدولة الاسلامية الايرانية بحجة اصولهم الفارسية.

ان هذه المرحلة من تاريخ العراق شهدت اقصاء وتصفية الآخر، والغاء جميع الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لأغلب سكان العراق، والغاء جميع انتماءاتهم لتقديم الولاء والطاعة للحزب الواحد ولرئيس هذا الحزب. فلا يمكن الحديث عن أي عدالة في هذه المرحلة.

وانما شهدت هذه المرحلة تبعيث الدولة، ثم هيمنة حزب البعث على مفاصلها والاندماج بها، وتم دمج شبكة القرابات مع حلفاء من مناطق اخرى في الحزب وبالتالي في الدولة(53).

ثالثاً: العدالة الاجتماعية بعد التغيير السياسي

أسقط الغزو الانكلو-امريكي، السلطة المركزية الاستبدادية في العراق في (9 نيسان 2003) مما ادى الى زوال الكابح المركزي للنزعات والهويات العراقية المتنوعة عرقياً ودينياً ومذهبياً، وبعد ان كان المجتمع العراقي يرزخ تحت وطئه سلطة استبدادية التي الغت كل الهويات والانتماءات القومية لحساب الولاء لها، مما حذي بأفراد المجتمع يستعيدون هويتهم الاصلية وانتماؤهم الضيق، واصبح لكل مجموعة انتماءات مذهبية يستندون اليها ويستمدون الاحساس بالانتماء لها، وهي سمة لازمت تقريباً اغلب الطوائف والجماعات بحيث اصبحت الانتماءات سواء كانت دينية او مذهبية او عرقية او حتى سياسية (علمانية وشيوعية) هي الوازع الاول والوحيد تقريباً، مما أسهم بالنزوع نحو الهويات الضيقة المحدودة مع استعادة ذاكرة الصراعات والخلافات والتناقضات القديمة(54)، خاصة ان النسيج الاجتماعي العراقي يضم اطيافاً متنوعة فهناك قوميات متعددة (العربية، الكردية، التركمانية) وهناك من ديانة (الاسلام، المسيحية) وهناك طوائف متنوعة (الصابئة، الايزيدية)، وهذا التعدد والتنوع ينسحب حتى على المذاهب في اطار الدين الواحد، اذ ينقسم المسلمين الى سنة وشيعة، ويتوزع المسحيين الى كاثوليك وارثودكس وبروتستانت فضلاً عن القبائل والعشائر، وهذا التنوع في جميع الصعد المكونة للطيف الاجتماعي العراقي، ولًّد تبايناً في الشعور والانتماء لدى المواطن العراقي بين العرق (القومية) والدين والمذهب والعشيرة، والتي قد تتحول الى عامل يهدد وحدة النسيج الاجتماعي العراقي، وقد اصبح هذا التنوع عاملاً سلبياً في الحياة السياسية لاسيما بعد الاحتلال الامريكي للعراق، وعملت الاحزاب والتنظيمات السياسية على اسس عرقية وطائفية بعكس مواثيقها، وبرامجها واهدافها لا بل بعكس ايديولوجياتها اذ شهدناها ابتعدت تماماً عن هذه الاسس.(55)

انطلاقاً من خطورة هذه الاوضاع وخوفاً من استغلال اية جهة للتعددية القومية والدينية والطائفية يتعين طرح بديل وطني لمجتمع عربي يجمع بين (الوحدة والتعددية) الدينية والاثنية وهو مجتمع (الوحدة في التعدد) والذي يقوم على عنصرين: (عنصر الوحدة) الذي يتضمن وحدة رابطة المواطنة التي تجمع المواطنين بصرف النظر عن انتمائهم الديني او المذهبي او القومي، وهي تعني وحدة نظرة السلطة السياسية للمواطنين في حقوقهم وواجباتهم على ان يكون هذا العنصر تجسيداً لمبدأ (عدم التمييز)، وان تطبيق هذا المبدأ يساهم في ازالة رواسب التخلف ويخلق رابطة مواطنة حقيقية لان زوال التمييز من ذهنية المواطنين والتخلي عن النظرة الدونية لأية مجموعة او طائفة هي المفتاح الاجتماعي-الثقافي لإزالة التمييز بصورة فعليه، وان ازالة التمييز هذه لا تتعارض مع مبدأ (دين الدولة الاسلام) لأنه وبخلاف ذلك سنكون امام دولة تعصبية ومنغلقة تتعارض مع حضارة العصر وحقوق الانسان وتؤدي للتفتيت والانفصال، و(عنصر التعددية) الذي يعني تعددية الاديان والمعتقدات والقوميات ضمن الاطار الوطني الشامل وتعددية الرأي والفكر في تسيير الشؤون العامة، فالتعددية واقع لا يجوز انكاره لان عدم التمتع بالتعددية الفكرية والسياسية في أي مجتمع يجعل التعبير الديني او الطائفي صيغة للخطاب السياسي كبديل عن الصيغة السياسية الديمقراطية، وبالتالي تتحول الطوائف الى احزاب، ولذا فان صمام الامان الذي يحول دون ذلك هو تعزيز التعددية الاجتماعية والسياسية لتحل محل التيارات الطائفية بحيث يتوزع المواطنون من جميع الاديان والطوائف على الاحزاب والتنظيمات السياسية والفكرية وفق اختياراتهم، مما يتيح لهم المشاركة في الحياة العامة وبالتالي فان مجتمع (الوحدة في التعدد) يجعل المواطن العراقي فخوراً بانه عراقي قبل أي انتماء اخر فلا يذكر انه سني او شيعي، عربي او كردي او تركماني او فيلي او شبك، مسلم او مسحيي، آشوري او كلدوآشوري، صابئي او يزيدي، الا لأغراض تسجيلها في سجلات الاحوال المدنية على ان تكون هذه التعددية الحضارية عنصر تفاعل توحيدي وليس عنصر تناحر يقود الى العنف، فالتعددية والتنوع في المجتمع العراقي وفي ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها البلد تتطلب من كل طرف ومكون سياسي ان يدرك ان له دور في بناء العراق وهذا يقتضي حصول نوع من (التوافق الوطني) بحيث يتجنب الجميع سياسة الاقصاء والتهميش(56).

اضافة الى ذلك يمكن تطبيق الدستور العراقي بصورة سليمة، خاصة وانه نص على ان العراق دولة جمهورية ديمقراطية اتحادية، فيمكن الاستفادة من العديد من الجوانب:

الجانب الاول: هو طبيعة النظام السياسي العراقي الديمقراطي ففي ظل هذا النظام اصبح لكل المكونات حق المشاركة السياسية والمشاركة في صنع واتخاذ القرار الداخلي والخارجي، والمشاركة في ادارة دفة الحكم، فلم تعد السلطة حكراً على مكون معين او طبقة معينة او فرد او مجموعة من الافراد، وان اقتصر الامر على التأثير في السلطة دون المشاركة، وهذا يعد شرطاً لازماً للعدالة الاجتماعية.

الجانب الثاني: وهو ملازم للجان الاول في الدستور العراقي لعام 2005 الكثير من متلازمات العدالة والعدالة الاجتماعية متمثلة بمبادئ المساواة، وتكافؤ الفرص وسيادة القانون واستقلال القضاء، وحق الفرد في المعاملة القضائية والإدارية العادلة، والتعويض العادل عند نزع الملكية، وعدالة المرشح للمناصب السيادية العليا والمشاركة العادلة في إدارة مؤسسات الدولة وعدالة توزيع المنح والمساعدات والقروض الدولية للأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم، وضمان الشفافية والعدالة، والتوزيع العادل للثروة المائية داخل العراق، والانصاف في توزيع واردات النفط والغاز، وتخصيص الحصة العادلة من الايرادات المحصلة اتحاديا للأقاليم والمحافظات.

مما يعني ان الدستور تضمن العدالة الاجتماعية، ونظمها من خلال الزم كل الأطراف اشخاص وأحزاب بضرورة بناء دولة القانون والمؤسسات التي تسعى لتنشئة الإنسان وإكسابه الحقوق وحثه على اداء الواجب منتهجة اسلوبا علميا لنشر وتحقيق مؤسسات قانونية تعني بتحقيق العدالة الاجتماعية.

اما الجانب الثالث: هو يمكن الافادة من الفيدرالية كآلية لتوزيع السلطة والثروة، مما يحقق العدالة الاجتماعية، كيف؟ من خلال حسن ادارة التنوع وضمان وحدته، لان هذه الوحدة تأتي من وحدة الشعب لا من وحدة الارض، وهذه الوحدة لا يمكن بلوغها في أي مجتمع تعددي مالم يوجد شعور بالرضا لدى مختلف مكونات الشعب الاجتماعية والقومية والمذهبية، وهو شعور لا يأتي من فراغ وانما من خلال ادراك هذه المكونات جميعاً، انها غير مستبعدة من مصدر القرار وغير مهمشة من الحياة السياسية في البلاد، بل ادراكها ان لها دور في ادارة شؤون البلاد والتمتع بخيراته وثرواته.

الخاتمة والاستنتاجات

واذا كانت العدالة والعدالة الاجتماعية قد دخلت في سلم اولويات الشعوب واحتلت حيزاً كبيراً في تفكير واهتمام الحركات الاجتماعية والسياسية، واختلطت بنضالها من اجل الخروج من نير المستبدين والتمتع بحق الحرية والمساواة والعيش الكريم.

العدالة الاجتماعية، تمثل عنصرا اساسيا في عملية اصلاح النسيج الاجتماعي في البلدان التي تعيش اوضاع النزاعات وحالات ما بعد النزاعات ومنها العراق.

ذلك ان العدالة الاجتماعية تحتوي مجموعة من العناصر متمثلة في المساواة وتكافؤ الفرص والانصاف والمشاركة والحرية ورفض الظلم والاستبداد واعتماد التعددية والقبول بالآخر المختلف والتسامح واحترام حقوق الأنسان واستقلال القضاء واستقلالية الجامعات ومحاربة الارهاب وتجريم وتحريم وتأثيم الفساد والفتنة الطائفية والتعصب القومي، والحد من البطالة ومكافحة الفقر والامية وغيرها من المبادئ والمطالب التي تنتهي سياسيا بالنتيجة إلى الادارة العادلة للشأن العام في الدولة.

الاستنتاجات

1- إن مفهوم العدالة الاجتماعية، مفهوم عام يشمل كل مجالات الحياة، وذلك لأن موضوعه هو المجتمع، وأساسه الأول هو العدل. والإسلام حقق العدالة الاجتماعية وحارب الظلم بشتى أنواعه، ولم يميز بين المسلمين وغير المسلمين في ذلك. أما النظم الاجتماعية والوضعية الاُخرى، فإن فرص تحقيق العدالة الاجتماعية، تلازمها النسبية في نتائجها وحقائقها، وذلك لأنها تظهر كأثر لفلسفات سياسية راجعة لأهواء الأفراد في المجتمع.

2- الائتلافات والتحالفات على اساس البرامج السياسية وليس الانتماءات العرقية والطائفية مع الحرص على تأمين المشاركة الواسعة من سائر تنوعات المجتمع العراقي.

3- بناء مؤسسات الدولة كافة لسد العوق المؤسساتي على اساس المواطنة والكفاءة والنزاهة.

4- مواصلة العمل الحزبي في العراق لتعزيز الحقوق والحريات الضامنة لتحقيق العدالة والعدالة الاجتماعية، ثم لا يمكن ان نتصور هناك ديمقراطية بدون تعددية حزبية.

5- استكمال التشريعات الضامنة للديمقراطية والحريات لسد العوز التشريعي، وفق ما جاء به الدستور.

6- توسيع مساحة الحريات وحق التنوع القومي والديني والثقافي ومكافحة التمييز بأشكاله كافة والدعم المطلق لحق مساواة المرأة مع الرجل وتعزيز مشاركتها بإدارة الشأن العام، وسن القوانين الضامنة لذلك.

7- تعزيز اللامركزية وتمكين الحكومات المحلية من ممارسة صلاحياتها استناداً إلى الدستور وقانون المحافظات.

8- بناء المؤسسات الثقافية والتعليمية على اسس خالية من الأفكار والتأثيرات الفئوية الضيقة وقائمة على حب الوطن ومبادئ الديمقراطية وثقافة التسامح، مع تفعيل قانون الزامية التعليم ومجانتيه ومكافحة الامية واحترام الحريات الاكاديمية والعمل بمبدأ استقلالية الجامعات علمياً وادارياً ومالياً.

9- اخيراً تعد العدالة الاجتماعية من اكثر الموضوعات قدسية وشيوعاً في السلوك الاجتماعي تقوم على اساس التوزيع العادل للدخل القومي بين طبقات المجتمع المختلفة الذي يعد العنصر الاساس للعدالة الاجتماعية، لكونه يقلل من الفوارق الاجتماعية بين طبقات المجتمع الواحد ويعمل على تحقيق المساواة في فرص الحياة وتوسيع مجالات تنمية الامكانات الذاتية للأفراد واستغلالها بأقصى درجاتها لكون التفاوت في القدرات الذاتي لأفراد المجتمع امراً طبيعياً، فالعدالة الاجتماعية هدفها تذليل اي عقبات قد تواجه التساوي في كل فرص الحياة، وهي منظومة فكرية، اقتصادية، اجتماعية تشمل المساواة والعدل والتمكين واتاحة الفرص للجميع وتتضمن في الانظمة السياسية المتنوعة عن طريق الدساتير والقوانين، وهناك صلة وثيقة بين العدالة الاجتماعية والنظام الاقتصادي والاجتماعي للدولة فهي مبدأ اساس من مبادئ التعايش السلمي يتحقق في ظله الازدهار وتحسين الاحوال المعيشية للفقراء والحد من الاختلالات في توزيعات الدخول والثروات وتحقيق التكافل الاجتماعي وضمان الحقوق للأجيال المستقبلية.

..................................
(1) ابن منظور، لسان العرب، دار المعارف، المجلد الرابع (ش ـ ع) ص (2838 ـ 2842).
(2) معجم فقه الجواهر، الغدير للطباعة والنشر، لبنان، ط1، 1418 هـ ـ 1997 م، ح4، ص459، 460.
(3) السيد الشريف علي بن محمد الجرجاني، كتاب التعريفات، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط1، 1424 هـ، 2003 م، ص121،.
(4) أبو الفضل جمال الدين محمد بن عكرمة بن علي (ابن منظور)، لسان العرب (قم، أدب الحوزة 1407 هـ) ح11، ص430.
(5) مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز أبادي، القاموس المحيط، ح4، دار العلم للجميع، بيروت، د. ن، ص13.
(6) فخر الدين الطريحي، مجمع البحرين، تحقيق: أحمد الحسيني، ط2، مكتبة نشر الثقافة الإسلامية، ايران، 1480 هـ ح3،، ص143.
(7) موريس كرانسوتون، معجم المصطلحات السياسية، دار النهار للنشر، بيروت- لبنان،ط 3، 2005،ص 27.
((8] ستيفن ديلو وتيموثى ديل،التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدني، ترجمة ربيع وهبه،المركز القومي للترجمة، القاهرة،ط1،2010،ص 96.
(9) ماير، توماس، نيكول براير، مستقبل الديمقراطية الاجتماعية، المطبعة الاقتصادية،عمان،2008،ص 34-35
(10) J.Gould، W.L.Kold، a dictionary of the social sciences، new York، the free press، 1965، p.364.
(11) احمد زكي بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، مكتبة لبنان، بيروت، 1982، ص232.
(12) احسان محمد الحسن، موسوعة علم الاجتماع، الدارة العربية للموسوعات، بيروت، 1999، ص460.
(13) علي نور الدين، الافاق الحديثة في تحقيق العدالة الجنائية (في الافاق الحديثة في تنظيم العدالة الجنائية)، مطابع الاهرام التجارية، القاهرة، 1971، ص7-8.
(14) فاضل الجابري، العدالة الاجتماعية في الإسلام، ط1، قم، المركز العالمي للدراسات الإسلامية، 1418 هـ، ص103 ـ 108.
(15) محمد شوقي الفنجري،، الإسلام والمشكلة الاقتصادية، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، د. ت، ص81.
(16) ثروت بدوي، أحوال الفكر السياسي والنظريات والمذاهب السياسية الكبرى، القاهرة دار النهضة العربية، 1970، ص184.
(17) سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الاسلام، دار الكتب العربية، القاهرة، ط6، 1964، ص ص31-32.
(18) عبد الحميد براهيمي، العدالة الاجتماعية والتنمية في الاقتصاد الاسلامي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 1997، ص54.
(19) الشيخ محمد أبو زهرة، المجتمع الإنساني في ظل الإسلام، بيروت، دار الفكر، د. ت، ص121.
(20) ثروت بدوي، أحوال الفكر السياسي والنظريات والمذاهب السياسية الكبرى، القاهرة دار النهضة العربية، 1970، ص184.
(21) خميس محمد هرون أبو بكر، العدالة الاجتماعية كأهم ركائز البنيان المالي في الشريعة الإسلامية وفي الأنظمة الوضعية المعاصرة مع الإشارة إلى مصر، إطروحة دكتوراه، غير منشورة، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، 2007، ص31.
(22) أحمد عدنان عزيز الميالي، العدالة الاجتماعية عند الإمام علي ابن أبي طالب (ع) رسالة ماجستير غير منشورة، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 2007، ص17.
(23) آمال غني عبد العزاوي، العدالة الاجتماعية في الفكر السياسي الإسلامي، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 1998، ص53.
(24) أبو علي المودودي، الحكومة الإسلامية، نقله إلى العربية أحمد إدريس ط1، القاهرة، المختار الإسلامي للطباعة والنشر، 1977، ص192.
(25) راجع كتاب مرتضى مطهري، قيم النهوض: الحرية ـ العدالة ـ الاستقلال الوطني، معهد المعارف الحكيمية للدراسات الدينية والفرسفية، بلا تاريخ.
(26) غانم محمد صالح، مفهوم الحرية في الفكر السياسي، معطيات اسلامية أمام أفكار ونظريات غربية، المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، عمان، الأردن، 2014، ص9.
(27) أحمد عدنان عزيز الميالي، المصدر السابق، ص19.
(28) أنظر أحمد أدريس، أبو علي المودودي، صفات من حياته وجهاده، تونس، دار بو سلامة للطباعة والنشر، د. ت، ص18 ـ 22.
(29) اسماعيل نامق حسين، المصدر السابق، ص91.
(30) المصدر نفسه، ص21.
(31) أحمد عدنان عزيز الميالي، مصدر سبق ذكرة، ص23.
(32) خميس محمد هارون، مصدر سبق ذكره، ص167.
(33) المصدر نفسه، ص168.
(34) القرآن الكريم، سورة الحشر، الآية (7).
(35) منصور أحمد إبراهيم، عدالة التوزيع والتنمية الاقتصادية، رؤية إسلامية، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2005، ص147
(36) خميس محمد هارون، مصدر سبق ذكره، ص196.
(37) ثروت بدري، أصول الفكر السياسي والنظريات والمذاهب السياسية الكبرى، ج1، (القاهرة، دار النهضة العربية، 1970)، ص184
(38) خميس محمد هارون أبو بكر، المصدر السابق، ص30.
(39) ثروت بدوي، المصدر السابق، ص 184.
(40) مراد دياني، اتساق الحريات الاقتصادية والمساواة الاجتماعية في نظرية العدالة أو استقراء معالم النموذج الليبرالي المستدام لما بعد الربيع العربي، المركز العربي للأبحاث، ودراسة السياسات، الدوحة قطر، سلسلة دراسات، العدد 5، 2013، ص8 ـ 9.
(41) محمد جمدي النشار، النظم الاقتصادية، الاسكندرية، شركة النشر المصرية، 1965، ص32 ـ 34.
(42) أماني عني عبد العزاوي، المصدر السابق، ص15.
(43) خميس محمد هارون أبو بكر، مصدر سبق ذكره، ص28.
(44) محمد حلمي مراد، أصول الاقتصاد، ج1، مطبعة نهضة مصر، القاهرة، 1961، ص96.
(45) خميس محمد هارون أبو بكر، المصدر السابق، ص28 ـ 29.
(46) محمد حلمي مراد، أصول الاقتصاد، ج1، مطبعة نهضة مصر، القاهرة، 1961، ص 468 ـ 469.
(47) حميد حنون خالد، الأنظمة السياسية، مكتبة السنهوري، بيروت، 2012، ص14.
(48) حيدر ادهم عبد الهادي،: دراسات في قانون حقوق الإنسان، دار الحامد، عمان، ط2، 2009، ص 86
(49) يراجع: وائل عبد اللطيف الفضل، دساتير الدولة العراقية من عام 1925 لغاية عام2004، دار الشؤون الثقافية، ط2، 2006، ص57.
((50] ليث عبد الحسين الزبيدي، ثورة 14 تموز 1958 في العراق، دار الحرية للطباعة والنشر، بغداد، 1979، ص277.
(51) محمد صبري ابراهيم، الوحدة الوطنية والنظام السياسي العراقي دراسة في المعوقات والحلول، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية العلوم السياسية، 2007، ص 74
(52) المصدر نفسة، ص 74
(53) فالح عبد الجبار، المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في العراق، دار الامين، القاهرة، 1995، ص59.
(54) سامح رشاد: العراق المحتل.. تقويض الدولة والنظام، السياسة الدولية، القاهرة، المجلد 41، العدد 164، ابريل 2006، ص 137.
(55) د. جاسم يونس الحريري: قراءة في مستقبل العراق السياسي وانعكاساته على الامن الاقليمي والدولي، سلسلة دراسات استراتيجية، العدد 72، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2005، ص30-31.
(56) باسيل يوسف بجك، قراءة قانونية لمستقبل وحدة شعب العراق، المستقبل العربي، العدد 323، كانون الثاني 2006، ص102-103.

انقر لاضافة تعليق