إعداد: م د. ميثم منفي كاظم العميدي-كلية الإمام الكاظم (ع) للعلوم الاسلامية الجامعة/بابل

(بحث مقدم الى مؤتمر (الاصلاح التشريعي طريق نحو الحكومة الرشيدة ومكافحة الفساد) الذي اقامته مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام وجامعة الكوفة/كلية القانون 25-26 نيسان 2018)

المقدمة:

موضوع البحث:

تشكل الوثيقة الدستورية راسا الهرم في القاعدة القانونية اذ تستمد كل القوانين شرعيتها منها، كما انها تحدد طبيعة النظام السياسي وشكل الدولة في مجتمع ما ولها بالغ التأثير في انشاء فلسفة الحكم، وتتأثر تلك الوثيقة بالاعتبارات السياسية والثقافية والاجتماعية وغيرها من العوامل اذ تتغير تلك الوثيقة بتغير تلك العوامل ومن هذا المنطلق فان صفة التأقيت هي صفة ملازمة للدستور اذ ليس من المنطق السليم ان تبقى قواعد القانون الدستوري في دولة معينة ثابتة وبدون تغير لان القواعد تلك من صنع الانسان وان الظروف المحيطة به تتغير باستمرار وبالتالي ينتج عن تلك الحالة ضرورة مراجعة النصوص الدستورية بما يتناسب مع المتغيرات المستجدة.

يضاف الى ما تقدم هو ان الدستور هو المنشأ للسلطات العامة في الدولة من سلطة تشريعية وتنفيذية وقضائية ويحدد اختصاصاتها ونطاق العلاقة بينها وخصوصا التشريعية والتنفيذية وفي بعض الاحيان تشوب العلاقة بين تلك السلطات بعض الغموض يحتاج وفقها لتدخل المشرع الدستوري عن طريق التعديل لإعادة التوازن بينها على نحو ينسجم مع النظام الذي اقامه الدستور.

ان اهمية البحث في الموضوع تكمن في كونه يأخذ اطارا دستوريا يتمثل بإعادة النظر بالنصوص الدستورية من قبل الهيئات الدستورية المختصة. ومدى حاجة تلك النصوص الى المراجعة وكيفية تأثيرها على طبيعة النظام السياسي والعلاقة بين السلطات ومستوى التعاون بينهما، كما تكتسب دراسة التعديل الدستوري اهمية فائقة بسبب حداثة التجربة العراقية وحاجة الدستور العراقي لمراجعات دستورية مناسبة لأجل معالجة القصور في بعض نصوصه.

مشكلة البحث:

ان البحث في موضوع حدود تعديل الدستوري يثير إشكاليتين وهما النظرية والعملية

اولا: المشكلة النظرية: تتمثل المشكلة النظرية في الاتي:

1- مدى معالجة التعارض بين النصوص المنظمة للتعديل الدستوري وفق دستور جمهورية العراق لعام 2005 وخصوصا التعارض بين المادة 126 والمادة 142؟

2- ما هو الاثر المترتب على تعديل الدستور وخصوصا النصوص المنظمة للتوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية على نحو ينسجم مع قواعد النظام البرلماني؟

3- ماهي المعوقات القانونية والسياسية لتعديل النصوص الدستورية؟

ثانيا: المشكلة العملية: تتمثل المشكلة العملية مدى امكانية تطبيق النصوص المنظمة للتعديل الدستوري على ارض الواقع؟

منهج البحث:

اعتمد البحث منهجا تحليليا، اعتمد بالدرجة الأساس على التجربة الدستورية العراقية وفق دستور 2005 والدستور الفرنسي لعام 1958 والدستور المصري لعام 2014 يضاف اليها بعض التجارب الدستورية الاخرى التي تعزز البحث.

ان البحث في الموضوع يكون وفق خطة علمية في مبحثين تخصص الاول منها لبيان ماهية التعديل الدستوري ونخصص الثاني لبحث الجهة المختصة بالتعديل والاثر المترتب عليها.

المبحث الاول
ماهية التعديل الدستوري وحدوده

ان اعادة النظر في النصوص الدستورية يرتبط بتغير ظروف الحياة وعلى كافة المستويات كون الدستور عقد اجتماعي معبر عن الارادة العامة لشعب معين في دولة محددة وتلك الارادة تستوجب تعديل نصوص الدستور كلما سنحت تلك الظروف، يضاف اليها ان عملية اللجوء الى التعديل لابد من مسوغات والتي قد تكون اما اكمال القصور او مسوغات سياسية ولبيان الموضوع سوف نتناوله في مطلبين نخصص الاول لبيان مفهوم التعديل وحدوده ونبحث في المطلب الثاني مسوغات التعديل.

المطلب الاول
مفهوم التعديل الدستوري وحدوده

يعد التعديل الدستوري الوسيلة الابرز لمعالجة الاشكاليات التي تشوب نصوص الدستور فهو وسيلة لإصلاح النظام الدستوري وللوقوف على تعديل الدستور وبيان مفهومه سوف نقوم بتقسيم هذا المطلب الى فرعين نخصص الاول لبيان تعريف التعديل ونخصص الثاني لبيان حدود التعديل

الفرع الأول: تعريف التعديل الدستوري

اولا: اصل كلمة تعديل الدستور: وردت كلمة التعديل في القران الكريم في قوله تعالى (الذي خلقك فسواك فعدلك)(1)، ويشير البعض من المفسرين الى المقصود من كلمه التعديل في هذه الآية (ان الارادة الالهية للخالق عزو وجل تتجه الى تصويب افعال الانسان في حالة خروجها عن الطريق السليم والسوي فهو جل شانه يغير فعل البشر من الصورة السيئة الى الصورة المثلى والحسنة، والتعديل يعني التقويم) (2).

اما في اللغة الانكليزية فقد جاء التعديل بمصطلح (amendement) وهو تعديل نص دستوري اما عن طريق استبداله بنص اخر او حذفه، وان الهدف منه هو اكمال القصور او معالجة الخلل في الوثيقة الدستورية (3).

اما في مجال الفقه الدستوري فقد عرف التعديل بانه اعادة النظر في احكام الوثيقة الدستورية كليا او جزئيا (4).

ويمكن ان نعرف التعديل الدستوري بانه اليه لتغير بعض او كل نصوص الدستور لأجل معالجة الخلل فيها ولتحقيق اهداف محددة.

ثانيا: اصل كلمة التعديل في الدساتير: اختلفت الدساتير حول ايراد كلمه التعديل فاتجه البعض منها الى تبني كلمة التعديل وجانب منها اورد كلمة التنقيح بينما نص الاخر على الاخذ بعبارة المراجعة، ومن الدساتير التي تبنت كلمت التعديل هو الدستور الفرنسي لعام 1958 حيث جاء الباب السادس عشر منه بعنوان في تعديل الدستور، وسار دستور جمهورية العراق لعام 2005 على ذات النهج حيث اشار المادتين 126 و142 الى اليه تعديله، اما الدستور المصري لعام 2014 فقد اشارت المادة 226 منه الى تعديل الدستور، والدستور الياباني لعام 1946 قد اخذ بكلمة التعديل وذلك في الفصل التاسع والذي جاء بعنوان التعديلات، والدستور الاكوادوري لعام 2008 المعدل قد تضمن كلمة التعديل وذلك الفصل الثالث من الباب التاسع.

اما الدستور السويسري لعام 1999 فقد تبنى مصطلح المراجعة الشاملة والجزئية وذلك في الفصل الثاني والذي جاء بعنوان المبادرة والاستفتاء حيث استهلته المادة 138 والتي تضمنت المبادرة الشعبية لاقتراح مراجعة شاملة للدستور الاتحادي.

ومن الدساتير التي تبنت كلمة تنقيح الدستور هو الدستور التونسي الملغى لعام 1959 حيث جاء الباب العاشر منه بعنوان تنقيح الدستور.

الفرع الثاني: نطاق التعديل الدستوري

ان سلطة الجهة المختصة بتعديل الدستور لا تكون مطلقة بل هي مقيدة وفق النصوص الدستورية المنظمة لها وغالبا ما تقوم السلطة التأسيسية الاصلية بوضع حدود للتعديل تحدد بموجبه نطاق التعديل (5). ومن الجدير بالذكر ان بعض الدساتير تحظر تعديل بعض نصوصها وهذا ما يطلق عليه الحظر الموضوعي (6)، والحظر الزمني الذي يمنع اجراء تعديلات على جميع نصوص الدستور او بعضها خلال فترة زمنية محددة(7). ومن الدساتير التي تضمنت وضع قيود زمنية وموضوعية هو الدستور الامريكي لعام 1787 في المادة 5 منه والتي نصت على ان (... الا يؤثر اي تعديل يتم ويقر قبل سنة والف وثمانمائة 1808 في اي صورة كانت على العبارتين الاولى والرابعة من الفقرة التاسعة من المادة الاولى، ألا تحرم أية ولاية دون رضاها من حق تساوي الاصوات في مجلس الشيوخ..). والدستور الفرنسي لعام 1958 حيث تضمن حظرا موضوعيا في المادة (89) والتي نصت على ان (لا يجوز ان يكون الشكل الجمهوري للحكومة موضوع للتعديل). كما تضمن الدستور حظرا زمنيا في المادة 7 الفقرة الاخيرة بنصها على انه (لا يمكن تطبيق المادتين 49 و50 والمادة 89 من الدستور اثناء فترة شغور رئاسة الجمهورية واثناء الفترة الممتدة بين التصريح النهائي للمانع الحاصل لرئيس الجمهورية وانتخاب خلفه).

كما تضمن القانون الاساسي الالماني لعام 1949 قيدا موضوعيا في المادة 79/ ف3 والتي نصت على انه (لا يجوز اجراء تعديلات على القانون الاساسي من شانها ان تمس تجزئة الاتحاد الى ولايات اتحادية او مشاركة الولايات من حيث المبدأ في عملية التشريع بشكل فعال او يمس القواعد الاساسية الواردة في المادتين 1 و20)، والدستور الاكوادوري لعام 2008 قد تبنى حظرا موضوعيا وذلك في المادة 441 من خلال منع اجراء اي تعديل يمس البنية الاساسية للدولة وطبيعتها وعناصرها المكونة كما يمنع اي تعديل يضع قيود على الحقوق والضمانات (8). كما تضمن الدستور المصري لعام 2014 حضرا في المادة 226 والتي اشارت الى ان...وفي جميع الاحوال لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية او مبادى الحرية او المساواة مالم يكن التعديل متعلقا بمزيد من الضمانات.

اما دستور جمهورية العراق لعام 2005 فقد اورد حضرا موضوعيا مؤقتا وذلك في المادة 126 البند ثانيا اذ نص على انه (لا يجوز تعديل المبادئ الاساسية الواردة في الباب الاول والحقوق والحريات في الباب الثاني من الدستور الابعد مرور دورتين انتخابيتين). ويشير البعض من الفقه الى السلطة المختصة في الدستور مقيدة بقيد موضوعي يتمثل بمنع اجراء التعديل على الباب الاول والثاني لضمان التطبيق السليم لأحكام الدستور الاساسية المتضمنة المبادئ الاساسية والحقوق (9).

ومن المبادئ الواردة في الباب الاول من الدستور هي الخاصة بشكل الدولة الاتحادي ونظام الحكم الذي حددته المادة الاولى بانه نيابي برلماني وعلاقة الدين بالدولة ومبادئ الديمقراطية والتعددية القومية والمذهبية في العراق وهويته العربية والاسلامية فضلا عن اللغات وسيادة القانون واعتبار الشعب مصدر السلطات وتبني مبدأ التداول السلمي للسلطة السياسية عبر صناديق الاقتراع، اما الباب الثاني فهو المتعلق بالحقوق السياسية كحق الانتخاب والترشح وتولي الوظائف العامة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحقوق الاخرى (10).

ويرى الباحث ضرورة تعديل الدستور واضافة مادة تتضمن حظر التعديلات التي تمس وحدة الاراضي العراقية ومبدأ التداول السلمي للسلطة السياسية والنظام الديمقراطي الذي تبناه الدستور. ونتساءل عن القيمة القانونية للحظر الزمني والموضوعي الذي يرد على تعديل الدستور؟

للإجابة على هذا التساؤل ينبغي استعراض موقف الفقه الدستوري منه وباستعراض ذلك الموقف نلحظ بانه قد انقسم الى عدة اتجاهات، اول تلك الاتجاهات يذهب الى انعدام القيمة القانونية لأي نص دستوري يحظر التعديل لان الدستور بحسب وجهة نظرهم وثيقة اجتماعية لا يمكن ان تصادر حقوق الاجيال القادمة وان تلك القيود عبارة عن رغبات وتوجهات لبعض الاطراف السياسية للحفاظ على مصالحها المختلفة (11)، في حين ذهب اتجاه آخر الى صحة الحظر الزمني دون الموضوعي ويعلل ذلك ان السلطة التي وضعت الدستور ليس بمقدورها ان تلزم السلطات المختصة بالتعديل لاحقا كما ان الحظر الزمني يحقق الاستقرار النسبي في تطبيق احكام الوثيقة الدستورية(12).

وذهب آخرون الى ضرورة التميز بين الاعتبارات السياسية والقانونية وحسب وجهة نظرهم فان حظر التعديل يعد سليما من الناحية القانونية لأنه يستند الى نص قانوني يستمد شرعيته الدستورية منه (13)، اما من الناحية السياسية فان الحظر ليس صحيحا كونه يتعارض مع مبدأ سيادة الشعب لان هذا المبدأ يفترض حق الشعب الدائم في مراجعة النص الدستورية في اي وقت يشاء كونه صاحب السلطة السياسية (14). وذهب جانب من الفقه الى صحة الحظر الموضوعي والزمني وذهب جانب من الفقه الى صحة الحظر الموضوعي والزمني، وذهب جانب من الفقه الى صحة الحظر الموضوعي والزمني لأنها تحمل نفس القيمة القانونية لبقية النصوص الدستورية وان الدستور يعد بمثابة وثيقة واحدة غير قابلة لتجزئة وان النصوص المنظمة للتعديل يمكن اجراء تعديل عليها وفق الآليات المنصوص عليها في الدستور(15)، ونرى ان الاتجاه الاخير هو الاقرب للصواب لأنه يتفق مع المنطق السليم وكون تلك النصوص قابلة لتعديل ويحق للسلطة المختصة تعديلها وفق الضرورة.

المطلب الثاني
مسوغات التعديل الدستوري

ان اعادة النظر في النصوص الدستورية وفق الاجراءات المنصوص عليها في الدستور يستند الى عدة مسوغات تلك التي تدفع السلطة المختصة لمراجعة المواد وتعديلها وهذه المسوغات اما تكون لإكمال النقص التشريعي او الصياغة او لأسباب شخصية او سياسية ولبيان الموضوع سوف نبحثه في الفرعيين الآتتين:

الفرع الأول: اكمال النقص والصياغة

لكل تعديل دستوري اسبابه وتلك الاسباب قد تكون ظاهرية او مخفية اذ تستدف تحقيق المصلحة العامة في دولة معينة واولى تلك المسوغات هي اكمال النقص في نصوصه لان في حالة التطبيق تظهر بعض العيوب للوثيقة الدستورية وتلك العيوب مردها هو عدم معالجة بعض الموضوعات الهامة كتلك التي تتعلق بالسلطات العامة او تتعلق بالحقوق والحريات، فمن الطبيعي ان تقوم السلطة المختصة بالتعديل لإكمال القصور في جميع الدول سواء اكانت الدول الديمقراطية ام الديكتاتورية (16).

يضاف الى ما تقدم يتم تعديل نص دستوري يشوب فيه قصور في الصياغة وخصوصا ان بعض الدساتير تعاني من هذا القصور نتيجة لهيمنة احدى السلطات او الافراد الحاكمين، كما ينتج عن الظروف الخاصة في كتابة الدساتير والاستعجال في كتابتها خللا في تماسك الوثيقة وتضارب في بعض النصوص، منها على سبيل المثال دستور جمهورية العراق لعام 2005 والذي كتب في ظروف خاصة يعاني فيها البلد من وجود جماعات ارهابية وقوات دولية على اراضيه وضعف في مؤسسات الدولة اضافة الى حداثة التجربة الديمقراطية، ومن تلك النصوص التي اشابها التعارض هو نص المادة 126 التي حظرت تعديل الباب الاول والثاني من الدستور الا بعد مرور دورتين انتخابيتين، وبين المادة 142 والتي اجازت تعديل كل المواد الدستورية دون مراعاة القيود الواردة في المادة السابقة اضافة الى اغفالها في معالجة بعض الامور الهامة المتعلقة بالسلطات العامة والثروات الطبيعية.

الفرع الثاني: المسوغات الشخصية

يفترض المبدأ الديمقراطي توقيت مدة القائمين بأعباء السلطة العامة وخصوصا رئيس الدولة في الدول ذات النظام الجمهوري اذ غالبا ما تحدد مدة الرئيس بدورتين فقط غير قابلتين للتجديد وان الغرض من التحديد هو احترام النظام الديمقراطي ومبدا التداول السلمي للسلطة السياسية إلا ان بعض التطبيقات قد خرجت عن هذا النطاق وسمحت بتعديل الدستور لأسباب شخصية تتعلق بالسماح لرئيس الدولة بالترشح وتولي منصب الرئاسة لمدد اخرى خلاف لما هو منصوص في الدستور قبل اجراء التعديل(17).

ومن التطبيقات على الدوافع الشخصية للتعديل هو تعديل الدستور السوري لعام 1973 وذلك بتقليل سن الترشح من 40 الى سن 35 تمهيدا لتولي بشار الاسد رئاسة الدولة خلفا لوالده حافظ الاسد والذي توفي العام 2000 (18). كما شهدت التجربة الدستورية في لبنان تعديلا دستوريا لأسباب شخصية تتمثل بالسماح للرئيس امين لحود من تولي الرئاسة لفترة ثانية كون الدستور اللبناني لعام 1926 يحدد مدة رئيس الدولة بفترة رئاسية واحدة وبالفعل تم تعديل الدستور في العام 2004 (19).

والشي ذاته للدستور التونسي لعام 1959 والذي تعديله عام 1975 لغرض تولي الرئيس حبيب بو رقيبة منصب الرئاسة لمدد مفتوحة (مدى الحياة) (20).

الفرع الثالث: المسوغات السياسية

تلعب العوامل السياسية دورا هاما في التعديل الدستوري وهذه العوامل تتعلق اما بتغير النظام السياسي الى احد انواع النظم النيابية او تتضمن تقوية المركز الدستوري لإحدى السلطات العامة في الدولة، ومن التعديلات التي تتعلق بتغير النظام السياسي هي التجربة الدستورية في النيبال حيث اجري استفتاء شعبي عام 2008 وافق الشعب بموجبه على تغير النظام من ملكي الى الجمهوري وبالفعل تم اعلان الجمهورية هناك ومراجعة الدستور بصفة شاملة (21). والتعديلات الدستورية التي اجريت على الدستور التركي لعام 1982 عام 2017 لتغير النظام السياسي من برلماني الى رئاسي تحقيقا لرغبات الرئيس طيب رجب اردوغان في تعزيز مركزه السياسي (22).

وقد يكون الغرض من التعديل معالجة وضع احدى السلطات العامة ومن المثال على ذلك التعديل الثاني والعشرون للدستور الامريكي عام 1951 والذي حدد مدة رئيس الدولة بولايتين فقط (23).

اما في فرنسا فإن التعديلات التي اجراها الرئيس شارل ديغول عام 1962 تعود اسبابها الى اهداف سياسية اولها جعل انتخاب رئيس الجمهورية من قبل الشعب بعدما كان ينتخب من قبل البرلمان (24) يضاف اليها تحقيق الاستقلال في القرار السياسي للجمهورية الفرنسية في مواجهة القوى الكبرى الاخرى المتمثلة بالولايات المتحدة والاتحاد الاوربي (25).

وبرز دور المسوغات السياسية في مصر قبيل اقرار دستورها لعام 2014 اذ كان الدستور السابق لعام 2012 نتيجة لثورة يناير 2011 والتي اطاحت بنظام الرئيس حسني مبارك واقامت نظام سياسي جديد الان العمل به لم يدم الا سنة واحدة اذ تم تعطيله عام 2013 بعد ثورة 25 يونيو والتي اطاحت بحكم الاخوان المسلمين آنذاك وتم اقرار دستور جديد وهو دستور 2014 والذي استمد معظم احكامه من الدستور السابق مع تعديل بعض احكامه (26).

اما في العراق فان التوافقات السياسية تلعب دورا هاما في اقرار الدستور وتعديلاته وبالرجوع الى وقت كتابة الدستور عام 2005 نلحظ بان احدى المكونات قد رفضت مشروع الدستور ونتيجة للاتفاق في الساعات الاخيرة قبيل الاستفتاء تم التوافق مع بعض ممثلي الاحزاب لتلك المكونات على اضافة مادة دستورية وهي 142 والتي تسمح بتشكيل لجنة لتعديل الدستور دون مراعاة الحظر الوارد في المادة 126 ونرى ان المادة السابقة كانت نتيجة اتفاق سياسي بين الكتل وباشرت تلك اللجنة عملها الا انها لم تصل الى نتيجة نظرا لحجم الخلافات السياسية بين الكتل (27).

المبحث الثاني
الجهة المختصة بالتعديل والاثر المترتب عليه

اذا كانت الانظمة الدستورية متفقة حول ضرورة التعديل الا انها تختلف بشان السلطة المختصة بالتعديل والاجراءات المتبعة في اعادة النظر في النصوص الدستورية ويرجع سبب ذلك الى نوع الجمود الي يصيب النصوص ودرجة الحظر، كما يختلف الأثر المترتب للتعديل الدستوري على العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ولبيان الموضوع سوف نبحثه في مطلبين نخصص الاول منها لدراسة الجهة المختصة بالتعديل ونختم الحديث في المطلب الثاني عن الاثر المترتب على التعديل.

المطلب الاول
الجهة المختصة بالتعديل الدستوري

تباينت الدساتير في الدول المختلفة حول تحديد السلطة المختصة بالتعديل الدستوري ويرجع سبب ذلك الى طبيعة النظام السياسي القائم فيها وهيمنة احدى السلطات على الاخرى فالبعض من الدساتير منح السلطة التشريعية دورا في الاقتراح وقد تشرك معه السلطة التنفيذية، اما الاقرار النهائي فقد تكون سلطة البت الى السلطة التشريعية او الشعب، ولبيان الموضوع سوف نبحث الجهة المختصة بالاقتراح التعديلي في الفرع الاول ونتناول الجهة المختصة بالإقرار التعديلي في الفرع الثاني.

الفرع الأول: الجهة المختصة بالاقتراح التعديلي

لم تنتهج الدساتير الوطنية اسلوبا موحدا في تحديد السلطة المختصة بإقتراح التعديل الدستوري ويعزو سبب ذلك لاختلاف المركز الدستوري للسلطات العامة ومدى تأثيرها في النظام السياسي القائم، فنلحظ البعض منها يذهب الى اعطاء اختصاص الاقتراح الى السلطة التنفيذية وجانب اخر يمنح هذا الحق الى السلطة التشريعية بينما جعلتها دساتير اخرى اختصاص مشترك بين السلطتين ولبيان الموضوع سوف ابحثه في الآتي:

اولا: انفراد السلطة التنفيذية في الاقتراح التعديلي: تنفرد السلطة التنفيذية في بعض الاحيان بمهمة تقديم اقتراح تعديل الدستور ويرجع سبب ذلك الى رغبة المشرع الدستوري في تعزيز مركز السلطة التنفيذية وزيادة تأثيرها مقارنة بالسلطة التشريعية (28)، ومن الدساتير التي تبنت هذا النهج هو الدستور الجزائري لعام 1976 والذي حصر حق الاقتراح برئيس الجمهورية بدلالة المادة 191 والتي نصت على انه (... لرئيس الجمهورية وحده حق المبادرة باقتراح تعديل الدستور في نطاق الاحكام الواردة في هذا الفصل). ويذهب أحد الفقهاء الجزائريين في تحليله لمضامين هذه المادة بالقول ان الدستور الجزائري عزز من سلطات رئيس الجمهورية وابرز تلك السلطات هو المبادة بتعديل الدستور وجعله اختصاصا شخصيا له(29).

ثانيا: انفراد السلطة التشريعية باقتراح التعديل: تنص العديد من دساتير الدول منح اختصاص التعديل الدستوري للبرلمان لكن بإجراءات مشددة تختلف عن اليه اقرار القوانين العادية ومن تلك الدساتير هو دستور الولايات المتحدة الامريكية لعام 1787 والذي حصر حق اقتراح التعديل بجهتين تشريعيتين وهما الكونغرس والمجالس التشريعية للولايات بدلالة المادة 50 والتي نصت على انه (.. للكونغرس ان يقترح كلما رأى ثلثا اعضاء المجلسين ضرورة التعديل الدستوري)، والدستور الفرنسي لعام 1875 والذي اشترط موافقة السلطة التشريعية بمجلسيها والتي تجتمع بهيأة مؤتمر وبأغلبية خاصة(30)، اما القانون الاساسي الالماني لعام 1949 فقد حدد سلطة الاقتراح التعديلي بالبرلمان بدلالة المادة 79/1 والتي نصت على ان(.. يمكن اجراء التعديل على القانون الاساسي فقط من خلال قانون يتضمن نصا واضحا لتغير النص الوارد في القانون الاساسي او للإضافة عليه....).

وسار الدستور العراقي لعام 2005 على ذات النهج بمنح سلطة الاقتراح التعديلي الى لجنة مشكلة من قبل مجلس النواب وذلك في المادة 142 والتي نصت على ان (اولا: يشكل مجلس النواب في بداية عمله لجنه من اعضائه تكون ممثلة للمكونات الاساسية في المجتمع العراقي مهمتها تقديم تقرير الى مجلس النواب خلال مدة لا تتجاوز اربعة اشهر تتضمن توصية بالتعديلات الدستورية التي يمكن اجراؤها وتحل اللجنة بعد البت في مقترحاتها).

ثالثا: اشتراك السلطة التشريعية والتنفيذية في الاقتراح التعديلي: تتجه البعض من النظم الدستورية الى منح سلطة الاقتراح لكل من السلطتين التشريعية والتنفيذية ويعلل ذلك هو الرغبة لدى المشرع الدستوري في ايجاد نوع من التوازن بين السلطتين(31). ومن الدساتير هو الفرنسي لعام 1958 الذي اعطى حق الاقتراح لكل من البرلمان والسلطة التنفيذية بدلالة المادة 89 والتي نصت على انه (..لكل من رئيس الجمهورية واعضاء البرلمان الحق في المبادرة بتعديل الدستوري بناء على اقتراح من رئيس الوزراء...). وكذلك الدستور التركي لعام 1982 في المادة 175 والتي نصت على ان (..يقترح التعديل الدستوري كتابيا لا يقل عن ثلث اعضاء الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا..ويجوز لرئيس الجمهورية ان يطرح للاستفتاء اي مشروع قانون لتعديل الدستور اعتمدته اغلبية اعضاء الجمعية الوطنية الكبرى...).

اما الدستور المصري لعام 2014 فقد اعطى اقتراح التعديل لكل من رئيس الجمهورية ومجلس النواب بدلالة المادة 226 والتي نصت على انه (لرئيس الجمهورية ولخمس اعضاء مجلس النواب طلب تعديل الدستور). اما الدستور العراقي لعام 2005 فقد منح حق الاقتراح لكل من السلطة التنفيذية ومجلس النواب وحسب ما تقتضيه المادة 126/اولا والتي نصت على ان (لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين او لخمس اعضاء مجلس النواب اقتراح تعديل الدستور). ولدى تحليل هذا النص نلحظ بان المشرع الدستوري قد ساوى بين المركز الدستوري لطرفي السلطة التنفيذية في اقتراح التعديل، ويشير البعض الى ان سبب جعل هذا الاختصاص مشتركا هو تأثر اللجنة المكلفة بكتابة الدستور بآلية التوافق السياسي الخاصة بتوزيع المناصب السيادية بين المكونات الشعب العراقي والرغبة في ايجاد نوع من التوازن بين تلك المكونات (32).

من جانب اخر اعطى هذا الحق لخمس اعضاء مجلس النواب على نحو تجاهل فيه المجلس الثاني وهو مجلس الاتحاد علما ان السلطة التشريعية في العراق تأخذ بالتكوين الثنائي، لذا يرى الباحث ضرورة تعديل نص المادة 126 على نحو يجعل كل من رئيس الجمهورية يقترح على مجلس الوزراء تعديل الدستور، واشراك مجلس الاتحاد بعملية الاقتراح بوصفه المجلس الثاني في السلطة التشريعية، كما نرى ضرورة اشراك خمس ثلاث محافظات بطلب اقتراح تعديل الدستور وذلك لتعزيز مظاهر الديمقراطية غير المباشرة في الدستور.

الفرع الثاني: الجهة المختصة بالموافقة على التعديل الدستوري

لم تسلك دساتير الدول المختلفة مسلكا موحدا من ناحية اقرار التعديلات الدستورية، اذ تتجه البعض منها الى جعل الاختصاص محصورا بالبرلمان وحده بينما يمنحه الآخرون الى السلطتين التشريعية والتنفيذية في حين يحصره البعض بالشعب وحده بوصفه صاحب السلطة الاصلية(33). وبخصوص الدستور الفرنسي لعام 1958 نلحظ بأن المشرع الفرنسي قد اناط سلطة اقرار التعديل بجهتين وهما الشعب في اطار استفتاء شعبي بدلالة المادة 89 والتي نصت على ان (... ويكون التعديل نهائيا متى وافق عليه الشعب)، ويشير البعض من الفقه الى هذا النص يكرس رغبة المشرع في تعزيز المشاركة الشعبية في الامور الهامة وخصوصا تعديل الدستور لما يترتب عليه من اثار تسري نتائجها على مصير الامة الفرنسية (34).

اما الطريق الثاني فهو منح الاختصاص الى البرلمان بدلالة الشطر الاخير من المادة 89 والتي نصت على انه (... غير ان مشروع التعديل لا يعرض على الاستفتاء متى قرر رئيس الجمهورية عرضه على البرلمان المنعقد في مؤتمر وفي هذه الحالة لا يوافق على مشروع التعديل الا اذا حاز اغلبية ثلاثة اخماس الاصوات المعبر عنها ويكون مكتب الجمعية هو مكتب المؤتمر)، وباستقراء النص نلحظ بان الدستور الفرنسي قد وضع شروط مشددة في تعديل الدستور عن طريق البرلمان عبر النص على انعقاد البرلمان بغرفتيه الشيوخ والجمعية الوطنية اضافة الى شرط الاغلبية الخاصة لتمرير التعديل والمتمثلة بموافقة ثلاثة اخماس.

اما الدستور التركي لعام 1982 قد اعتمد مسارين في اقرار التعديلات الدستورية عبر منحها اما للبرلمان وذلك في المادة 175 والتي نصت على ان (... ويتطلب اعتماد مشروع قانون التعديل الدستور أغلبية ثلاثة اخماس اجمالي عدد اعضاء الجمعية الوطنية في اقتراع سري..) او للاستفتاء الشعبي بدلالة الشطر الاخير من المادة 175 والتي نصت على ان (ويجوز لرئيس الجمهورية ان يطرح للاستفتاء اي مشروع لتعديل الدستور اعتمدته اغلبية ثلثي اعضاء الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا مباشرة او بعد اعادته اليها.... ويستلزم دخول قوانين تعديل الدستور المطروحة للاستفتاء الحصول على موافقة اكثر من نصف الاصوات الصحيحة...).

وبشان الدستور المصري لعام 2014 نشير الى انه قد اعطى اختصاص اقرار التعديل الدستور الى جهتين وهما البرلمان والشعب وذلك في المادة 226 بقولها (...وفي جميع الاحوال يناقش مجلس النواب طلب التعديل خلال ثلاثين يوما من تاريخ تسلمه ويصدر المجلس قراره بقبول طلب التعديل كليا او جزئيا بأغلبية اعضائه، واذا رفض الطلب لا يجوز طلب تعديل المواد ذاتها قبل حلول دور الانعقاد الحالي، واذا وافق المجلس على طلب التعديل يناقش نصوص المواد المطلوب تعديها بعد ستين يوما من تاريخ الموافقة، فان وافق على التعديل ثلثا اعضاء المجلس عرض على الشعب لاستفتائه عليه خلال ثلاثين يوما من تاريخ صدور الموافقة، ويكون التعديل نافذا من تاريخ اعلان النتيجة وموافقة غالبية عدد الاصوات الصحيحة للمشاركين في الاستفتاء..)، ولدى تحليلنا لمضامين هذا النص نلحظ بان المشرع الدستوري المصري قدد شدد من اجراءات اقرار التعديل الدستور اذ اشترط تمرير التعديل بمرحلتين اولهما موافقة البرلمان بأغلبية الثلثين وهي اغلبية خاصة تختلف عن الاغلبية المشروطة لتمرير القوانين الاعتيادية والمرحلة الثانية الاستفتاء الشعبي والمتمثل بموافقة اغلبية المشاركين في عملية الاستفتاء ونرى الرغبة من التشديد هو رغبة المشرع في استقرار الوثيقة الدستورية في ظل الاجواء غير المستقرة التي تشهدها الحياة السياسية في مصر.

وبشان الدستور العراقي لعام 2005 نلحظ بانه قد منح مجلس النواب والشعب ورئيس الجمهورية اختصاص اقرار التعديلات الدستورية في المادة 126 والتي نصت على انه (... وبناء على موافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب وموافقة الشعب بالاستفتاء العام ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة ايام..) والمادة 142 التي نصت على ان (ثانيا: تعرض التعديلات المقترحة من قبل اللجنة دفعة واحدة على المجلس للتصويت عليها وتعده مقرة بعد موافقة الاغلبية المطلقة لعدد اعضاء المجلس. ثالثا: تطرح المواد المعدلة من قبل مجلس النواب وفقا لما وردة في البند ثانيا من هذه المادة على الشعب للاستفتاء عليها خلال مدة لا تزيد على شهرين من تاريخ اقرار التعديل في مجلس النواب، رابعا: يكون الاستفتاء على المواد المعدلة ناجحا بموافقة اغلبية المصوتين واذا لم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات او اكثر..).

وباستقراء تلك النصوص نلحظ بان المشرع الدستوري قد وقع في ازمة كبيرة من جانب لم يشر الى دور مجلس الاتحاد في عملية التعديل وخصوصا ان السلطة التشريعية تتكون منه ومن مجلس النواب اضافة الى التضارب بين المادتين حيث يشترط في المادة 126 موافقة اغلبية ثلثي اعضاء مجلس النواب والمادة 142 يشترط الاغلبية المطلقة لذا يرى الباحث ضرورة تعديل الدستور وازالة المادة 142 لانتفاء الحاجة اليها وتعديل المادة 126 وادخال مجلس الاتحاد ضمن منظومة السلطة التشريعية وانتهاج اسلوب الدستور الفرنسي باعتماد طريق المؤتمر عن طريق اجتماع طرفي السلطة التشريعية وتمرير التعديل بأغلبية ثلاثة اخماس او ثلثين والطريق الثاني هو الاستفتاء الشعبي المنصوص عليه في الدستور.

المطلب الثاني
الاثر المترتب على التعديل الدستوري

ينتج عن مراجعة واجراء التعديلات على النصوص الدستورية اثار تنصرف نتائجها الى العلاقة بين السلطات ابرزها تزايد او تحديد اختصاص احدى السلطات او انتهاء مدتها او ينتج عنها اعادة التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ولتسليط الضوء على هذا الموضوع سوف نقوم بتقسيم هذا المطلب الى فرعين نخصص الاول لبيان اثر التعديل على السلطة التشريعية ونختم الحديث في اثر التعديل على السلطة التنفيذية في الفرع الثاني.

الفرع الأول: اثر التعديل الدستوري على السلطة التشريعية

يقوم النظام الديمقراطي على اسس هامة ابرزها قيام الشعب بانتخاب نواب ممثلين عنه يمارسون السلطة السياسية تحت مسمى السلطة التشريعية (35)، وبما ان الشعب يعد الصاحب الاصلي للسلطة السياسية فمن حقه الطبيعي اجراء مراجعات على عمل وتنظيم احدى السلطات والذي يعد البرلمان ابرزها (36)، وينتج على التعديلات الدستورية اثار هامة على السلطة التشريعية ابرزها حل المجلس النيابي او حل احد مجلسيه ومن تلك الدساتير هو الدستور السويسري لعام 1999 اذ يترتب على التعديل الشامل او المراجعة الشاملة للدستور حل الجمعية الاتحادية بمجلسيها الشعب والمقاطعات وحسب ماتنص عليه المادة 193 الفقرة ثالثا والتي تنص على ان (اذا وافق الشعب على المراجعة الشاملة يعاد انتخاب مجلس الشعب والمقاطعات من جديد)، ويشير البعض من الفقه السويسري الى المشرع قد تبنى الحل التلقائي للبرلمان كأثر ناتج عن التعديل الشامل ويعكس ذلك رغبة الشعب في ابداء رأيه في النظام السياسي الجديد واختيار ممثلية في البرلمان مما يعزز النظام الديمقراطي ومبدا سيادة الشعب بوصفه السلطة التأسيسية الاصلية (37).

ولم تشر الدساتير محل الدراسة الى اثر التعديل الدستوري على البرلمان، اما في العراق فقد انفرد القانون الاساسي العراقي لعام 1925 بالنص على حل مجلس النواب وهو احد مجلسي البرلمان (مجلس الامة) المكون منه ومن مجلس الاعيان، ويعكس ذلك رغبة المشرع الدستوري في تشديد اجراءات التعديل من اجل تحقيق الاستقرار السياسي في الدولة (38)، اما دستور جمهورية العراق لعام 2005 فلم يعالج اثر التعديل الدستوري على السلطة التشريعية ومن المؤمل ان يقوم المشرع بالمعالجة الدستورية لمركز مجلس الاتحاد بوصفه المجلس الثاني في السلطة التشريعية ومنحه اختصاصات فعلية اسوة بمجلس النواب.

الفرع الثاني: اثر التعديل الدستوري على السلطة التنفيذية

طبقا لمبدأ الفصل بين السلطات فان وظائف الدولة تقسم بين ثلاث سلطات ابرزها هي السلطة التنفيذية والتي تتولى تنفيذ القوانين وادارة المرافق العامة (39)، وبما انها احدى السلطات العامة فقد يطالها اثر التعديل الدستوري الذي تجريه السلطة المختصة دستوريا، ومن الدساتير التي اثرت التعديلات على المركز الدستوري للسلطة التنفيذية هو الدستور الفرنسي لعام 1958 اذ غيرت طريقة انتخاب الرئيس الى الانتخاب المباشر من قبل الشعب بموجب تعديل 1962 (40)، كما اطالت التعديلات الاخرى مركز رئاسة الدولة بوصفها احدى جهازي السلطة التنفيذية وذلك في العام 2000 عندما قلصت مدة ولاية رئيس الدولة الى خمس سنوات غير قابلة للتجديد مرة واحدة (41)، والتعديلات التي وسعت من دائرة مسؤولية رئيس الدولة عام 2008 اذ اصبح مسؤولا في حالة اخلاله بواجباته الدستورية بعد ان كانت مسؤوليته مقتصرة على الخيانة العظمى (42). اما الدستور التركي لعام 1982 فان التعديلات التي اجريت عليه في العام 2017 قد وسعت من اختصاصات رئيس الجمهورية اذ ترتب عنها تحويل النظام السياسي الى رئاسي وبموجب تلك التعديلات اصبح الرئيس يختص بتعيين واقالة كبار الموظفين الحكوميين، وله الحق في تعيين اربعة قضاة في المجلس الاعلى للقضاء، وفرض حالة الطوارئ واصدار المراسيم الرئاسية (43).

وبشأن دستور جمهورية مصر العربية لعام 2014 فانه دخل النفاذ منذ ثلاث سنوات ونصف ولم تدخل عليه اي تعديلات دستورية وكذلك دستور جمهورية العراق لعام 2005 لم تجرى عليه تعديلات ومن المؤمل ان يقوم المشرع الدستوري بإجراء تعديلات تمسح بتطبيق قواعد النظام البرلماني الذي اعتنقه الدستور في المادة الاولى والحد من هيمنة مجلس النواب عبر توسيع اختصاصات رئيس مجلس الوزراء وإعادة التوازن المفقود بين السلطتين التشريعية والتنفيذية

الخاتمة

اولا: النتائج

بعد ان انتهينا من كتابة بحثنا هذا توصلنا الى النتائج الآتية:

1- توصلنا الى وضع تعريف محدد لتعديل الدستور وهو آلية لتغير بعض او كل نصوص الدستور لأجل معالجة الخلل فيها ولتحقيق اهداف محددة. كما تبين لنا ان للتعديل الدستوري نوعين من الحدود وهما القيد الموضوعي والشخصي.

2- استبان لنا ان للتعديل الدستوري عدة مسوغات اهمها اكمال النقص التشريعي ومعالجة العيوب في الصياغة والمسوغات الشخصية التي تتضمن تعديل الدستور بناء على رغبات شخصية للقابضين على السلطة السياسية لغرض السماح لشخص معين اما بتولي السلطة او الاستمرار بتوليها والمسوغات السياسية والهدف منها تغيير النظام السياسي من نوع الى آخر.

3- لاحظنا اختلاف الانظمة الدستورية حول تحديد الجهة المختصة باقتراح التعديل فالبعض منها يمنح هذا الاختصاص الى السلطة التنفيذية في حين منحها آخر الى البرلمان او اشراك كلا السلطتين في الاقتراح، كما تبينا لنا تباين الدساتير حول السلطة المختصة بالموافقة على التعديل ودور الشعب فيها.

4- توصلنا الى ان تعديل الدستور يترتب عليه نتائج واثار تتعلق بالسلطات العامة والتي من ابرزها السلطة التشريعية اذ ينتج عن التعديل اثر هام وهو حل البرلمان وانتهاء مدته القانونية، كما بحثنا اثار التعديل على السلطة التنفيذية وتوصلنا ان التعديل قد ينتج عنه تزايد اختصاصاتها مقارنه مع البرلمان او منح احد فروع السلطة التنفيذية سلطات اضافية تفوق المركز الدستوري للفرع الاخر.

ثانيا: التوصيات

من خلال بحثنا موضوع حدود التعديل الدستوري واثره على السلطتين التشريعية والتنفيذية نقترح التوصيات الآتية:

1- نقترح على المشرع الدستوري اضافة مادة الى الدستور تتضمن فرض حظر موضوعي يتعلق بعدم جواز تقسيم اراضي جمهورية العراق ومبدأ التداول السلمي للسلطة السياسية والنظام الديمقراطي.

2- نرى ضرورة تعديل الدستور واشراك مجلس الاتحاد في مراحل التعديل الدستوري بوصفه احد مكونات السلطة التشريعية كون الدستور العراقي قد اخذ بالثنائية البرلمانية.

3- نقترح اشراك الشعب في الاقتراح التعديلي للدستور اسوة بالأنظمة الدستورية الاخرى عبر السماح لمئتي الف ناخب بتقديم مقترح تعديل الدستور الى السلطة التشريعية على ان تتولى تلك السلطة دراستها وعرضها على الشعب في مرحلة لاحقة.

4- نرى ضرورة تعديل الدستور ومنح السلطة التنفيذية اختصاصات تعيد بموجبها التوازن المفقود بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وحسب قواعد النظام البرلماني الذي تبناه الدستور في المادة الاولى منه.

...........................................
الهوامش
(1)- الآية 7 من سورة الانفطار.
(2)- ابو بكر الرازي: مختار الصحاح، دار الكتاب العربي، بيروت، بلا سنة نشر، ص 417-418.
(3)- اوليفية دوهاميل وايف مني: المعجم الدستوري،ترجمة منير القاضي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1983، ص596.
(4)- د. لطيف نوري: القانون الدستوري والنظام الدستوري في العراق، بغداد، 1979،ص73.
(5)- د. رجب محمود طاجن: قيود تعديل الدستور، دار النهضة العربية، القاهرة، 2008، ص 55 و.د. فتحي فكري: القانون الدستوري – المبادئ الدستورية العامة، دستور 1971، الكتاب الاول، القاهرة، 2007، ص414.
(6)- د. عبد الغني بسيوني عبدالله: القانون الدستوري، المبادي العامة، الدستور اللبناني، الدار الجامعية، بيروت، 1987، ص155
(7)- د. ابراهيم درويش: القانون الدستوري – النظرية العامة والرقابة الدستورية، دار النهضة العربية، القاهرة، 2004، ص135.
(8)- نصت المادة 441 من الدستور الاكوادوري على ان (يجري على النحو الاتي تعديل مادة واحدة او عدة مواد من الدستور ذلك لا يغير في البنية الاساسية للدولة او طبيعتها او عناصرها المكونة ولا يضع قيودا على حقوق وضمانات معينة ولا يغير اجراء التعديل:..)
(9)- د فائز عزيز اسعد: دراسة ناقدة لدستور جمهورية العراق، دار البستان للطباعة والنشر، بغداد، 2006، ص 81.
(10)- د. حسين عذاب السكيني: الموضوعات الخلافية في دستور العراقي،النظام البرلماني – السلطة التنفيذية، دار الغدير للطباعة، البصرة، 2009، ص 16، ود ميثم منفي كاظم العميدي: هيمنة السلطة التشريعية في بعض الانظمة الدستورية، اطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة بابل، كلية القانون، 2015، ص 76.
(11)- د. عبد الحميد متولي: المفصل في القانون الدستوري، دار الكتاب العربي، القاهرة، بلا سنة نشر، ص155.
(12)- George Burdeau: Droit Constitutional , 21 Edition ,Par Francis Haman , Paris. 1988 , p84
(13)- د رمزي طه الشاعر: النظرية العامة في القانون الدستوري، ط4، دار النهضة العربية، القاهرة، 2005، ص 764.
(14)- د يحيى الجمل: النظام الدستوري في جمهورية مصر العربية، القاهرة، 1974، ص71. و.د. ثروت بدوي: القانون الدستوري وتطور الانظمة الدستورية في مصر، دار النهضة العربية، القاهرة، 1969، ص 98.
(15)- د رفعت عيد سيد: الجوانب السياسية والقانونية لتعديل المادة 76 من الدستور، دار النهضة العربية، القاهرة، 2005، ص 38.
(16)- نبراس المعموري: محنة الدستور واشكاليات التعديل، بغداد، 2016، ص34.
(17)- د. بركات محمد: اسباب واهادف التعديل الدستوري في الجزائر – دراسة في ظل التحولات العربية الراهنة، بحث منشور في مجلة جانفي، جامعة ميسلة،الجزائر، 2016، ص94.
(18)- com www.lKhbar
(19)- www. Argeek.com
(20)- د. بركات محمد: اسباب واهادف التعديل الدستوري في الجزائر – دراسة في ظل التحولات العربية الراهنة، مصدر سابق، ص94.
(21)-www. Moqatel.com
(22)-.www.alhayat.com
(23)- د سامي جمال الدين: القانون الدستوري والشرعية الدستورية، منشاة المعارف الاسكندرية، 1988، ص 89 وما بعدها.
(24)- Bernard Chantebout: Droit Constitutional ,20 edition,Armand Colin,Paris ,2003,p413.
(25)- د. بركات محمد: اسباب واهادف التعديل الدستوري في الجزائر – دراسة في ظل التحولات العربية الراهنة، مصدر سابق، ص93.
(26)-www. Aham.org.eg
(27)- www.Niqash.org
(28)- د. محسن خليل: القانون الدستوري والدستور اللبناني،دار النهضة العربية، القاهرة، 1979، ص 377.
(29)- د. ادريس بوكرا: الوجيز في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، دار الكتب، القاهرة، 2003، ص87.
(30)- د. مصطفى ابو زيد فهمي: القانون الدستوري والنظم السياسية، دار الهدى، القاهرة، 1999، ص 96.
(31)- د محسن خليل: القانون الدستوري والدستور اللبناني، مصدر سابق، ص 378. و د. سعد عصفور: القانون الدستوري، منشاة المعارف، الاسكندرية، بلا سنة نشر، ص 199.
(32)- د. حسين عذاب السكيني: الموضوعات الخلافية في الدستور العراقي، دار الغدير، البصرة، 2008، ص76.
(33)- د. عبد الغني بسيوني: اسس التنظيم السياسي، الدولة والحكومة، الدار الجامعية، الاسكندرية، 1985، ص 132.ود. محمد رفعت عبد الوهاب: القانون الدستوري والمبادئ الدستورية العامة،دراسة في النظام الدستوري المصري، دار الجامعة الجديدة، الاسكندرية، 2000، ص 124.
(34)- د. صلاح الدين فوزي: واقع السلطة التنفيذية،دار النهضة العربية، القاهرة، 2003 ص 81 ود ادمون رباط: الوسيط في القانون الدستوري، دار العلم للملايين، بيروت، 2004،ص 341.
(35)- د. طعيمه الجرف: نظرية الدولة والاسس العامة للتنظيم السياسي، دار الفكر العربي، القاهرة، 1966، ص163 ود. محسن خليل: النظم السياسية والقانون الدستوري، منشأة المعارف، الاسكندرية، 2971، ص 248.
(36)- د. ثروت بدوي: النظم السياسية، القاهرة، 1975، ص 220. و.د. عثمان خليل: المبادي الدستورية العامة، بلا دار نشر، بغداد، بلا سنة طبع، ص198.ودانا عبد الكريم:حل البرلمان واثاره على مبدا استمرارية اعمال الدولة، المؤسسة الحديثة للكتاب، بيروت، 2010، ص105.
(37)- George Arthur: the federal constitution of Switzerland , Bern , 1977 , p 90
(38)- د. لطيف نوري: القانون الدستوري والنظام الدستوري في العراق، ط2، بغداد، 1976، ص200.
(39)- د. سعاد الشرقاوي: النظم السياسية المعاصرة،دار النهضة العربية، القاهرة،،2007 ص109 ود.د سامي جمال الدين: النظم السياسية والقانون الدستوري، منشأة المعارف، الاسكندرية، 2005ص 298
(40)- جابريل ايه موند و جي بنجهام باويل الابن: السياسات المقارنة في وقتنا الحاضر، نظرة عالمية، الاهلية للنشر والتوزيع، القاهرة، بلا سنة، ص 334.
(41)- د. عصام سليمان: الانظمة البرلمانية بين الواقع والتطبيق، منشورات الحلبي، بيروت، 2010، ص142 و.د رفعت عيد سيد، مصدر سابق، ص 198.
(42)- د. عزت مصطفى حسني: مسؤولية رئيس الدولة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2008، ص280.
(43)- www.bbc.com.

انقر لاضافة تعليق