بقلم: ألكسندرا فيتزه

بدأت المركبة الجوَّالة «بيرسيفيرانس» Perseverance، التابعة لوكالة «ناسا»، بعد أكثر من 15 شهرًا من هبوطها عند فوهة «جيزيرو» Jezero على سطح المريخ، بحثها الدؤوب عن أي دلائل على وجود حياة سابقة على الكوكب.

في الثامن والعشرين من شهر مايو الماضي، نخرت المركبة صخرة للحصول منها على عيّنة دائرية، قطرها 5 سنتيمترات، من الصخور الواقعة عند دلتا نهر في الفوهة، أو ما كانت كذلك فيما مضى. تشكَّلت هذه الدلتا قبل مليارات السنين، حين ألقى نهر قديم برواسبه لتشكل طبقات في تلك الفوهة، ومن أجلها بالأساس أرسلت «ناسا» المركبة الجوالة إلى هناك؛ ذلك أن رواسب الأنهار في كوكب الأرض عادةً ما تكون زاخرةً بالحياة.

يَظهر في صور العينة التي نخرتها المركبة حبات صغيرة من الرواسب، ويأمل العلماء أن تحوي آثارًا كيميائية، أو من نوعٍ آخر، لحياة نشأت على الكوكب الأحمر. وفي تغريدة على موقع «تويتر»، كتب سانجيف جوبتا، عالم جيولوجيا الكواكب بجامعة إمبريال كوليدج لندن، أن الصور استدعَت إلى ذاكرته سطرًا شعريًا من قصيدةٍ لويليام بليك، ترجمته: "أن ترى عالمًا في حبة رمل".

ستُمضي المركبة الشهور القليلة القادمة وهي تستكشف دلتا «جيزيرو»، ريثما يقرر العلماء الأماكن التي سيحفرون فيها للحصول على عينات من صخور المريخ. وتعتزم وكالة «ناسا»، ومعها وكالة الفضاء الأوروبية، التقاط هذه العينات والعودة بها إلى الأرض بحلول عام 2033 على أقرب تقدير، لتكون أول عينات تُجلَب من المريخ إلى الأرض.

حطَّت المركبة «بيرسيفيرانس» على سطح المريخ في شهر فبراير من العام 2021، على بُعد عدة كيلومترات من حافة الدلتا. وأمضت كثيرًا من شهورها الأولى على المريخ وهي تستكشف قاع الفوهة، الذي تبيَّن – على غير المتوقَّع – أنه يتكون من صخور نارية؛ وهي الصخور التي تتكون حين تَبرُد المواد المنصهرة. وهكذا، حالف الحظُّ العلماء، إذ سيكون في إمكانهم تحديد عمر الصخور النارية اعتمادًا على التحلل الإشعاعي للعناصر الكيميائية بها. لكنّ كثيرًا من الباحثين كانوا متلهفين لوصول المركبة إلى الدلتا، لاعتقادهم أن رواسبها، بحباتها الدقيقة، يمكن أن تحمل أظهر الأدلة على وجود حياة على المريخ.

وصلت المركبة أخيرًا إلى قاعدة الدلتا في إبريل الماضي، لتجد صخورًا رمادية رقيقة الطبقات، أطلق عليها العلماء «الأحجار الطينية»، يمكن أن تكون قد تكونت من الرواسب التي تكوَّنت على ضفاف نهر بطيء الجريان، أو بحيرة. ووجدت أيضًا أحجارًا رملية خشنة الحبات، يمكن أن تكون قد تكونت بفعل نهر سريع الجريان.

تمثل هذه الأحجار هدفًا مثاليًّا لدراسة طيف واسع من البيئات المرّيخية التي ربما نشأت بها حياة، وفق ما قالته كيتي ستاك مورجان، وكيلة البعثة للشؤون العلمية في «مختبر الدفع النفاث» (JPL) في مدينة باسادينا بولاية كاليفورنيا الأمريكية، في السابع عشر من مايو الماضي، في الجزء الذي عُقد على الإنترنت من مؤتمر علوم أحياء الفضاء لعام 2022.

بعد ذلك، وجَّه مهندسو المهمة المركبة إلى خارج تلك المنطقة، التي يطلق عليها «البحيرة المسحورة» Enchanted Lake، لتتجه نحو المنطقة التي تُسمّى «فجوة منقار الصقر» Hawksbill Gap، حيث تعمل المركبة حاليًّا. نخرت المركبة العيّنة من حجر رملي يقع في إحدى أكثر طبقات صخور الدلتا انخفاضًا؛ ما يدلُّ على أن تلك الصخرة هي من أقدم الصخور التي تكونت بفعل نهر جيزيرو البائد، ولذا فهي مكان مثالي للبحث عن آثار حياة سابقة.

جولة استكشافية قبل التقاط العيّنات

ترتفع الدلتا نحو 40 مترًا فوق قاع الفوهة. سيصعد القائمون على المركبة بها نحو مقدمة الدلتا، ثم يعودون بها مرةً أخرى، وفي أثناء ذلك، يدرسون أين وكيف يجب أن يحفروا للحصول على العينات. "الأمر شبيه بأن تُلقي نظرةً عامةً على مائدة الطعام، لتستكشف ما عليها من أصناف، قبل البدء في ملء طبقك"، هكذا وصفَتْ هذه العملية جينيفر تروسبر، مديرة مشروع البعثة في المختبر. ستفحص المركبة الصخور في طريقها صعودًا، وفي الأثناء، ستعمل على نخر المزيد من العيّنات كي يتمكن العلماء من رؤية باطن الصخور. وفي طريق العودة، ستحفر المركبة في الصخور التي وجدها العلماء مثيرةً للفضول، كي تجمع عينات منها.

مثل طفلٍ يجمع أحجارًا ثمينة ليضيفها إلى مجموعته المفضلة، يتباحث العلماء فيما بينهم أي الصخور أجدر أن يأتوا منها بعينات، حتى تكون حصيلتهم من العينات متنوعةً جيولوجيًّا قدر الإمكان. تحمل المركبة على متنها 43 أنبوبًا لحفظ العينات، كل أنبوب منها أسمك قليلًا من قلم رصاص. وتُخطط «ناسا» ووكالة الفضاء الأوروبية أن تجلِبا إلى الأرض 30 من هذه الأنابيب بعد ملئها.

والحقُّ أن العلماء يعكفون الآن على بحث أي المواقع يمكن أن تُترك فيها الدُّفعة الأولى من العيّنات، كي تجلبها مركبة فضائية في المستقبل. وما إن تنتهي المركبة من رحلة عودتها، فقد تودِع بعض العينات عند قاعدة الدلتا، في أرض منبسطة واسعة تقع بين «البحيرة المسحورة» و«فجوة منقار الصقر». يقول كينيث فارلي، المشرف العلمي للمشروع وعالم الكيمياء الجيولوجيّة في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا، إنه "من الوارد جدًا أن تُنشئ المركبة أوّل خبيئة من العينات هناك"، وأضاف: "حينها، يَجدُّ الجِد".

لم يكن مشرفو المهمة يتوقعون البدء في الحصول على العينات وإيداعها بهذه السرعة، لكن مكان المركبة مثالي لمركبات الفضاء التي ستذهب لتأتي بالعينات مستقبَلًا، إذ تصفه تروسبر قائلةً: "إنه موقع ممتاز حقًا للهبوط على المريخ".

تعتزم وكالة «ناسا» عقد اجتماع عمومي لعلماء الكواكب في سبتمبر المقبل؛ لتقييم ما جمعته من عينات، وما إذا كانت قيمتها العلمية تجعلها جديرة بأن تُسيَّر لها بعثة أخرى لجلبها إلى الأرض.

هذا سؤال محوري، بالنظر إلى تتطلبه إعادة العينات من وقتٍ ومال. وترغب «ناسا» في إشراك أطيافٍ أوسع من المجتمع العلمي، من أجل تقييم العينات، والنظر فيما إذا كانت، كما يراها فريق المهمة، "أقْيَمَ مجموعة من العينات نرى أننا يمكننا الحصول عليها من هذا الموقع"، بحسب فارلي.

المهمة تُؤتي ثمارها

تعمل وكالة «ناسا» ووكالة الفضاء الأوروبية على خطةٍ تتكلَّف 5 مليارات دولار أمريكي لإرسال مركبتَي هبوط إلى المريخ، حاملتين معهما مركبة جوَّالة لالتقاط العيّنات، وصاروخًا سينطلق بها إلى مدار المريخ، إضافةً إلى مركبة لالتقاط العينات من المدار المرِّيخي والعودة بها إلى الأرض. كانت مقررًا أن تنطلق أولى المهام في عام 2026، لكن ذلك الجدول الزمني تغيّر بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ إذ أوقفت وكالة الفضاء الأوروبية جميع أنشطتها المشتركة مع وكالة الفضاء الروسية بسبب الحرب. كما عرقلت التوترات القائمة مخططات مشروع روسي أوروبي مشترك، كان يستهدف إرسال مركبة جوَّالة إلى المريخ. وتعكف الآن وكالة «ناسا» ووكالة الفضاء الأوربية على وضع مخططات جديدة لمهماتهم المستقبلية على سطح المريخ. ولدى الوكالتين متسع من الوقت؛ إذ إن أنابيب العينات المحمولة على متن المركبة «بيرسيفيرانس» مصمَّمة لتحمُّل الظروف القاسية للمريخ لعقود عدة.

وإلى جانب التقاط عينات من صخور المريخ، حققت المركبة «بيرسيفيرانس» اكتشافات أخرى في فوهة «جيزيرو»، منها التعرُّف إلى الكيفية التي تَقذف بها الزوابع الترابية كمياتٍ كبيرة من الغبار في الهواء (C. E. Newman et al. Sci. Adv. 8, eabn378;2022)، وكيفية تذبذُب سرعة الصوت في مناخ المريخ الغني بثاني أكسيد الكربون (S. Maurice et al. Nature 605, 653–658; 2022).

قَطعَت المركبة «بيرسيفيرانس» حتى الآن مسافةً تزيد على 11 كيلومترًا، وسجلَّت رقمًا قياسيًّا جديدًا للمسافة المقطوعة خارج الأرض، حين قطعت 5 كيلومترات في غضون 30 يومًا مريخيًّا، وذلك في مارس وإبريل الماضيين.

وكان للمروحية الصغيرة «إنجنيوتي» Ingenuity، رفيقة المركبة «بيرسيفيرانس» في مهمتها، دور محوريّ في بعض ما أنجزته الجوالة، لكن يبدو أن عمرها على المريخ قد شارف على الانتهاء. فالمروحية مصمَّمة بالأساس لتؤدي 5 رحلات فقط، لكنها جاوزت جميع التوقعات، بأدائها 28 رحلة. وساعدت، بما أتاحته من منظور فوقي، في استجلاء أفضل المسارات للمركبة «بيرسيفيرانس»، واستطلاع منطقة منبسطة عند قاعدة الدلتا، قد تكون مهبطًا ملائمًا لمهمات جديدة في المستقبل.

لكن في أوائل مايو الماضي، فقدت المروحية «إنجنيوتي» التواصل مع المركبة «بيرسيفيرانس»، وكان ذلك حين حجب الغبار في الجو ضوء الشمس الذي تحتاجه المروحية لتشحن خلاياها الشمسية وبطاريتها. وتعاني المروحية الآن من سماء ملؤها الغبار، ومن انخفاض درجات الحرارة، تزامُنا مع حلول فصل الشتاء المرّيخيّ، وربما يستعصي عليها الطيران في النهاية، يقول فارلي: "أيًّا كان ما سيحدث في المستقبل، فإن المروحية «إنجنيوتي» نجحت في مهمتها".

اضف تعليق