بقلم شروق الأشقر

لطالما تساءل العلماء عن سر الارتفاع الكبير في معدل الأيض عند الطيور، ولم يكن ثمة مسار أفضل لفهم هذه الظاهرة من دراسة أسلاف تلك الحيوانات، ما فتح الباب أمام دراسة معدلات الأيض في الديناصورات بحكم أنها تمثل السلف القديم للطيور التي تعيش اليوم. Credit: J. Wiemann

للكائنات الحية طبائع مختلفة في طريقة تكيُّفها مع البيئة المحيطة؛ إذ تحافظ الطيور على دفء أجسامها من خلال الحرارة الناتجة عن بعض عمليات التمثيل الغذائي، أما السحالي والزواحف فتعتمد على حرارة الشمس لإبقائها دافئة، وترتبط كلتا المجموعتين –تصنيفيًّا- بالديناصورات ارتباطًا وثيقًا، ولهذا السبب ساد لعقود طويلة جدلٌ بين علماء الحفريات حول ماهية طبيعة أجسام الديناصورات، وكونها من ذوات الدم الحار مثل أحفادها من الطيور، أم من ذوات الدم البارد كأبناء عمومتها من الزواحف والتماسيح.

ويُعد استنتاج فسيولوجية عمليات التمثيل الغذائي الخاصة وسرعتها في تحويل الأكسجين إلى طاقة لحيوان منقرض عاش ومات قبل ملايين السنين أمرًا في غاية الصعوبة والتعقيد، إلا أن ذلك يساعد كثيرًا في تحديد نشاط هذا الكائن وكيف كانت حياته اليومية.

في هذا الإطار، كشفت دراسة جديدة نشرتها دورية نيتشر (Nature) عن طرق جديدة لدراسة معدلات التمثيل الغذائي للديناصورات، باستخدام أدلة علمية في عظامها المتحفرة تُظهر مقدار تنفُّس تلك الحيوانات خلال آخر ساعة من حياتها، وتكشف أن الديناصورات الأولى وكذلك الزواحف الطائرة كانت جميعًا من ذوات الدم الحار، ثم بدأت في التنوع بين الدم الحار والدم البارد مع مرور الزمن.

تقول جاسيمينا ويمان، المؤلف الرئيس للدراسة: "لقد أكدت دراستنا الحالية الافتراضات السابقة عن أن أوائل الديناصورات والزواحف الطائرة كانت من ذوات الدم الحار، ولكن ما توصلت إليه الدراسة الحالية من معدلات دقيقة للتمثيل الغذائي في مجموعات الديناصورات يُعد أمرًا مذهلًا".

وتضيف "ويمان" في تصريحات لـ"للعلم": أعتقد أن أحد أكثر الجوانب تعقيدًا لإعادة بناء التمثيل الغذائي للديناصورات هو كيفية ربط خطوط الأدلة المختلفة، بما في ذلك معدلات الأيض ودرجات حرارة الجسم ومعدلات النمو، ولذا نعتقد أننا وجدنا في دراستنا هذا الرابط بين كل الأدلة، والذي يصف معدل التمثيل الغذائي وكمية الأكسجين التي يتنفسها الكائن الحي ويحولها إلى طاقة كيميائية.

وأوضحت أنه "كجزء من هذا التحويل، يتم إطلاق بعض الطاقة في شكل حرارة، وتُعد الآليات البيوكيميائية المختلفة مسؤولةً عن هذا التسرُّب في الطاقة في مجموعات مختلفة من الكائنات الحية".

الديناصورات بين دمٍ حار وبارد

تُعد عملية التمثيل الغذائي (Metabolism) -أو ما يُعرف بـ"الأيض"- إحدى أهم العمليات البيولوجية في أجسام الكائنات الحية؛ فهي المسؤولة عن الحفاظ على الحالة الحية للخلايا والأنسجة عبر سلسلة من التفاعلات الكيميائية الحيوية التي تعمل في الأساس على تحويل الغذاء إلى طاقة، من خلال هدم المواد الغذائية داخل الجهاز الهضمي وتحويلها إلى طاقة حيوية.

وتُعد الثدييات والطيور أكثر الحيوانات تعقيدًا في عملية التمثيل الغذائي، أما الطيور فلديها أعلى معدل أيض بين كل الحيوانات التي تعيش اليوم، ولطالما تساءل العلماء عن سر ذلك الارتفاع الكبير في معدل الأيض عند الطيور، ولم يكن ثمة مسار أمام العلماء لفهم هذه الظاهرة البيولوجية أفضل من الرجوع بالزمن إلى الوراء لدراسة أسلاف تلك الحيوانات، ما فتح الباب أمام دراسة معدلات الأيض في الديناصورات بحكم أنها تمثل السلف القديم للطيور التي تعيش اليوم.

فالطيور "ديناصورات حية"، وهي الوحيدة التي نجت من الانقراض الجماعي نهاية العصر الطباشيري، وتُعد دراسة معدل الأيض في الديناصورات مهمة، ليس فقط لأنها ستعمل على تفسير ارتفاع معدلات الأيض في الطيور اليوم، بل لأنها بلا شك ستعطي دليلًا ملموسًا عما إذا كانت الديناصورات من ذوات الدم الحار (لها معدل أيض مرتفع وتستطيع تنظيم درجة حرارة أجسامها) أم من ذوات الدم البارد (لها معدل أيض منخفض وتعتمد في تدفئة أجسامها على مصدر خارجي).

والطيور هي الحيوانات الحية الوحيدة التي تُعتبر بشكل عام ذات دم حار (درجة حرارة الجسم شبه ثابتة حوالي 42 درجة مئوية) والثدييات (التي تشملنا نحن البشر مع درجة حرارة جسم شبه ثابتة حوالي 37 درجة مئوية)، أما الزواحف فتُعد من ذوات الدم البارد، ومع كون الطيور من ذوات الدم الحار والزواحف من ذوات الدم البارد، وقعت الديناصورات في سجال علمي كبير!

ثرمومتر محفوظ بعظام الحفريات

اعتاد العلماء استخدام طرق عدة لدراسة معدلات الأيض في الديناصورات، ومنها الطرق الجيوكيمائية متمثلةً في إشارات النظائر الكيميائية التي تُعد بمنزلة "ثرمومتر قديم" إن جاز التعبير، في دراسة حفريات عظام الديناصورات للاستدلال على بعض العمليات البيولوجية القديمة، ورغم أنها تعطي نتائج مذهلة وكشفت العديد من الخبايا عن حياة الديناصورات، غير أنها جميعها قابلة للنقد والخطأ، إذ إن عمليات التحفُّر يمكن أن تغيِّر من البيانات الجيوكيمائية للعظام المتحفرة، لذا وجب البحث عن طرق بديلة تعطي نتائج أكثر دقة.

كما اعتاد العلماء استخدام علم الأنسجة عبر دراسة حلقات النمو في عظام الحيوانات القديمة، والتي تشبه حلقات الأشجار، وتؤشر هذه الحلقات لسنوات النمو في الكائن الحي، ومن خلال حساب المسافات بينها يمكن معرفة ما إذا كان هذا الكائن سريع النمو أو أنه ينمو ببطء، ومن ثم يقاس ذلك على معدلات الأيض، إذ إنه من المعروف أن الحيوانات ذات معدل الأيض العالي لديها معدل نمو سريع، بخلاف ذوات المعدل المنخفض التي تنمو ببطء، غير أن هذه الطريقة أيضًا يعيبها شيءٌ من عدم الدقة، إذ إن سرعة النمو أو بطأه يمكن أن يكون على علاقة بعمر الحيوان أكثر من علاقته بمعدل التمثيل الغذائي، فضلًا عن أن تطبيق هذه الطريقة للوصول إلى تلك المعلومات قد يتلف الحفرية.

العظام لا تكذب

ولما كانت كل الطرق القديمة فيها مجال للشك، كان لزامًا على العلماء التوصل إلى طرق جديدة لاستكشاف خبايا هذه الحيوات السحيقة، وهذا ما توصل إليه الفريق القائم على هذه الدراسة، إذ استهدفوا واحدةً من السمات المميزة لعملية التمثيل الغذائي وهي استهلاك الأكسجين؛ فعندما تتنفس الحيوانات، تتشكل المركبات الجانبية التي تتفاعل مع البروتينات والسكريات والدهون، تاركةً وراءها "نفايات" جزيئية، هذه النفايات مستقرة للغاية وغير قابلة للذوبان في الماء، لذلك تُحفظ في أثناء عملية التحفر، ليُحفظ بذلك سجلٌّ كاملٌ لتنفُّس هذا الحيوان، وبالتالي سجلٌّ كاملٌ لمعدل الأيض.

بحث العلماء عن هذه الأجزاء من النفايات الجزيئية في أحافير عظام داكنة اللون؛ لأن تلك العظام تشير إلى حفظ الكثير من المواد العضوية في أثناء عملية التحفر، ثم فُحصت تلك العظام باستخدام مطياف الأشعة تحت الحمراء لتحويل رامان وفورييه، وهي طريقة جذابة بشكل خاص لعلماء الحفريات؛ لأنها غير مدمرة للحفريات، ويعمل هذا المطياف على التقاط إشارات الجزيئات الأيضية في كلٍّ من عظام الحيوانات الحية التي تعيش اليوم، وكذلك تلك المنقرضة والمتحجرة عن طريق تعريضها لضوء الليزر ليس أكثر، مما أتاح للباحثين دراسة عدد كبير من العينات في وقت قصير ودون تدميرها.

قوبل استخدام هذه التقنيات الفريدة بحفاوة بالغة؛ إذ لاقت الدراسة استحسان العديد من متخصصي دراسة الديناصورات، يقول جريجوري إيريكسون، عالِم الحفريات بجامعة ولاية فلوريدا الأمريكية، وغير المشارك في البحث، في حديثه لـ"للعلم": "إنها دراسة مثيرة للغاية، تفتح آفاقًا جديدة لمستقبل علم الحفريات الفقارية؛ ليكون علمًا تكامليًّا وأكثر اعتمادًا على التقنيات الحديثة".

وأضاف: أعتقد أن معظم الباحثين يتفقون على أن الديناصورات من ذوات الدم الحار، لست متأكدًا من أن الجمهور يفهم تداعيات ذلك، هذه هي القصة ببساطة، أظهرت نتائج الدراسة أن الأمر كان أكثر تعقيدًا، أظن أنهم على حق، فالطرق التي استخدمها هذا الفريق لا تشوبها شائبة، ونحن العلماء بحاجة إلى إعادة التفكير في هذا النموذج.

ويضيف إيريكسون: "دائمًا ما أؤمن أن دراسة الحيوانات المنقرضة باستخدام الحيوانات الحية التي تعيش اليوم أمرًا يستحق الثناء، أعتقد أن استنتاجات هذه الدراسة تؤثر على جوانب لا تُعد ولا تُحصى في دراسة الديناصورات وفهمنا لتطور الطيور، بل فهمنا للطاقة الحيوانية، والنمو، وبيولوجيا السكان، والتكاثر، وغيرها من الموضوعات المهمة".

الديناصورات تشبه أحفادها من الطيور

درس الفريق 55 عظمة فخذ جُمعت من حيوانات مختلفة، بما في ذلك الديناصورات وأبناء عمومتها من الزواحف الطائرة (Pterosaurs) وأقاربها من الزواحف البحرية والطيور والثدييات والزواحف الحديثة، ثم قارن الفريق كمية المنتجات الثانوية الجزيئية المرتبطة بالتنفس مع معدلات التمثيل الغذائي المعروفة للحيوانات الحية، واستخدموا هذه البيانات لاستنتاج معدلات التمثيل الغذائي للحيوانات المنقرضة، ووجد الفريق أن معدلات التمثيل الغذائي للديناصورات كانت مرتفعةً بشكل عام.

تنقسم الديناصورات تشريحيًّا إلى فصيلين كبيرين تبعًا لشكل عظام الحوض: طيريات الحوض (لها عظام حوض تشبه الطيور)، وسحليات الحوض (لها عظام حوض تشبه الزواحف).

تنقسم سحليات الحوض بدورها إلى مجموعتين كبيرتين هما الثيروبودات (كل الديناصورات آكلة اللحوم) والصوروبودات (ديناصورات آكلة عشب).

كان للديناصورات طيرية الحوض، مثل ترايسيراتوبس وستيجوصورس وهادروصورس، معدلات أيضية منخفضة شبيهة بتلك الموجودة في الحيوانات ذوات الدم البارد التي تعيش اليوم، بينما كانت الديناصورات سحلية الحوض ذات معدل أيضي مرتفع تمامًا كمثيلتها من الحيوانات ذوات الدم الحار التي تعيش اليوم.

وتفاجأ الباحثون عندما اكتشفوا أن بعض هذه الديناصورات لم تكن فقط من ذوات الدم الحار، بل كانت معدلات الأيض لديهم مماثلة للطيور الحديثة، وأعلى بكثير من الثدييات، بل يمكن القول عنها إنها الحيوانات التي تملك أعلى معدل أيض بين كل الحيوانات المنقرضة.

تسهل معدلات التمثيل الغذائي المرتفعة في الحيوانات ذات الدم الحار النمو السريع، بينما تؤدي معدلات التمثيل الغذائي المنخفضة في الحيوانات ذات الدم البارد إلى نمو أبطأ نسبيًّا.

وهنا تضيف "ويمان": "لطالما اعتقد العلماء أن الديناصورات العاشبة الضخمة من الصوروبودات كانت ثابتة الحرارة الخارجية أو ما يُعرف علميًّا بـ"عظيمة الحرارة Gigantothermy"، وهو ما يعني أنها كان لديها معدلات أيض منخفضة لتتمكن من ضبط حرارة أجسامها هائلة الضخامة، غير أن دراستنا الحالية تنفي ذلك تمامًا، وتثبت أن هذه الكائنات كان لديها أحد أكثر معدلات الأيض ارتفاعًا".

أما جيمنجي أوكانور -عالِمة الحفريات وأمينة متحف فيلد للتاريخ الطبيعي بالولايات المتحدة، وغير المشاركة في البحث- فتقول في حديثها لـ"للعلم": "هذه النتائج لا تغير فقط ما يمكن أن نتعلمه عن الحيوانات المنقرضة، بل تغير من مفهومنا حول نمط حياتهم، إن معرفة أن بعض الحيوانات -مثل ديناصورات الصوروبودات الضخمة- لديها معدلات أيض مرتفعة، سيغير طريقة تفسيرنا لسلوكهم وبيولوجيتهم".

هل أسهمت عملية الأيض في انقراض الديناصورات؟

بالإضافة إلى إعطائنا نظرة ثاقبة حول نمط الحياة القديمة للديناصورات، تساعدنا هذه الدراسة أيضًا على فهم العالم من حولنا على نحوٍ أفضل اليوم، فلقد ماتت الديناصورات، باستثناء الطيور، في انقراض جماعي قبل 65 مليون سنة، عندما ضرب نيزك الأرض، ويميل علماء البيئة اليوم إلى تأكيد أهمية معدل التمثيل الغذائي لضمان نجاة الحيوانات من الاضطرابات البيئية، بافتراض أن وجود معدل أيضي مرتفع بشكل عام هو إحدى المزايا الرئيسية للنجاة من الانقراض الجماعي والانتشار الناجح بعد ذلك، واقترح بعض العلماء أن الطيور نجت بينما ماتت الديناصورات غير الطيرية، بسبب زيادة القدرة الأيضية للطيور، لكن الدراسة الحالية تنفي كل تلك الادعاءات وتُظهر أن هذا ليس صحيحًا؛ إذ إنه بناءً على نتائج تلك الدراسة، فلقد انقرضت العديد من الديناصورات رغم أن لديها معدلات أيض شبيهة بالطيور.

رغم أن هذه الدراسة أجابت عن عدة تساؤلات مهمة ظلت لغزًا ردحًا طويلًا من الزمن، إلا أنها وبدورها فتحت الباب أمام أسئلة وألغاز علمية أكبر، ما يفتح الباب أمام ضرورة إجراء دراسات مستقبلية للإجابة عنها.

وفي هذا السياق يقول داريو لوبيز، عالِم الحفريات الفقارية بمدرسة نوفا للعلوم والتكنولوجيا ومتحف دا لورينها بالبرتغال، وغير المشارك في الدراسة: في الواقع إذا جرى تأكيد نتائج هذه الدراسة، فإنها تفتح الباب أمام سجال علمي جديد: متى ولماذا طورت الحيوانات السلوية (رباعيات الأطراف التي تضع بيضها بغشاء سلوي أي قوي ومع ذلك شفاف) خاصية الدم الحار لأول مرة؟ لماذا وكيف "عكست" طيريات الحوض معدلات تمثيلها الغذائي؟ وكيف على الرغم من ذلك تمكنوا من استعمار خطوط العرض العالية بينما لم تفعل الصوروبودات من ذوات الدم الحار ذلك؟".

وعليه، تستمر الديناصورات وغيرها من الحيوانات المنقرضة في نيل اهتمام العقل البشري، والشغف بفك خبايا هذه الحيوانات السحيقة، من أجل فهم أوضح لحاضر الحياة على وجه الأرض ومستقبلها.

اضف تعليق