السفر عبر الزمن، والبحث عن أماكن أخرى للحياة أو مخلوقات فضائية تشبه الأنسان، هو المادة الأساسية لروايات الخيال العلمي أو صناع السينما في هوليود، وتحكي هذه الروايات والأفلام عن الثقوب السوداء وتصورها على إنها بوابات تقودنا إلى عوالم أخرى من الكون، وأنا بدوري أَثْنَى على عمل هؤلاء الشَيّق والدقيق، وهم يحيلون العلوم الصرفة إلى أدب رفيع أو فن جميل، حتى أن الصورة التي إلتقطت للثقب الأسود أخيراً ظهرت وكأنها مطابقة لأحداث فلم بين النجوم للمخرج كريستوفر نولان، ولكني لا أنصحك أن تجرب ذلك بنفسك بالوقت الحالي على الأقل، فالسقوط في الثقب الأسود فكرة سيئة جداً، فالشخص الداخل للثقب الأسود سيبدو على ما يرام وستتم العملية بوقت طبيعي، ولكنه حالما يتخطى أفق الحدث ستُوقف قوى الجاذبية الزمن وستمطه أو تستطيل جزيئاته بسبب التفوات الهائل بين قوى الجاذبية التي يتعرض لها طرف الجسم الأقرب للثقب الأسود والقوى التي يتعرض لها الطرف الأبعد، ويتمدد حتى يصبح أشبه بالمعكرونة أو كما أسماها العلماء (التحول إلى السباجيتي spaghettification)، سأحاول أن أفتح بوابة هذا العالم العجيب والرهيب بشيء من التبسيط وكالعادة سوف أتجنب المعادلات الرياضية.

لو قمنا برمي رمح بزاوية فوق الأفق، فأنه سيتخذ مساراً منحنياً قبل سقوطه على الأرض، ولو أطلقنا قذيفة مدفع فأنها ستتخذ نفس المسار المنحني ولكنها ستجتاز مسافة أبعد من الرمح، والقوة المؤثرة على جميع المقذوفات لو أهملنا مقاومة الهواء هي قوة الجاذبية فقط، وستبقى جميع هذه الأجسام أسيرة في مجال الجاذبية الأرضية إلا أن تقذف بسرعة إبتدائية قدرها 11.2 كيلومتر/الثانية فأنها ستتحرك مبتعدة عن الأرض ولن تعود إليها ثانية، وستدخل مدار حول كوكب الأرض وتبقى تدور حوله بدون أن تقع كالأقمار الصناعية، تسمىٰ هذه السرعة بسرعة الإفلات، والصواريخ التي تطلق إلى الفضاء الخارجي كالقمر أو المريخ يجب أن تطلق بسرعة أكبر من سرعة الإفلات حتى تستطيع الهروب والافلات من جاذبية الارض، وسرعة الإفلات لأي كوكب أو جرم سماوي تعتمد فقط على كتلة الكوكب أو الجرم السماوي، فسرعة الأفلات على القمر هي 2.4 كيلومتر/ الثانية والشمس هي 617.5 كيلومتر/الثانية، وتصل سرعة الإفلات من نجم نيوتروني إلى %40 من سرعة الضوء البالغة 300 ألف كيلومتر/الثانية، أما الثقب الأسود Black Holes فأن سرعة الإفلات من جاذبيته تفوق سرعة الضوء، وبما أن الأجسام غير قادرة على الوصول إلى سرعة الضوء حسب النظرية النسبية لآنشتاين، فلا يمكن لأي جسم أن يفلت من جاذبية الثقب الأسود، وحتى الضوء لايفلت من جاذبية الثقب الأسود بالرغم من أن كتلته السكونية تساوي صفر، وهو ليس كالقذائف التي تطلق من على سطح الأرض والتي ستبطيء سرعتها بسبب الجاذبية ثم تتوقف عن الحركة لتسقط ثانية، فلايمكن تفسير عدم هروب الضوء من الثقب الأسود بسبب هذه الديناميكية، ولكن الثقوب السوداء تقوم بحني الزمكان فلا يستطيع الضوء الأفلات منه وتبقى موجة الضوء تحوم عند نصف قطر شوارزشيلد Schwarzschild Radius حتى يقل تردده ويزداد طوله الموجي ويفقد طاقته في صراعه أو مسيره الطويل في مجال الجاذبية، وأكتسبت الثقوب السوداء إسمها من هذه الخاصية فتبدو وكأنها قبر أسود لا يخرج منه ضوء أو مادة أو أية حركة ، أو نسبة لعدم قدرتنا على رؤية ما يوجد في داخلها ولكن يمكن رصدها بوساطة المحيط القريب عليها من مادة تشع أشعة سينية X- ray)) بسبب سرعة دورانها العالية والتي تصل إلى الملايين، وكذلك النجوم التي تدور حولها بسبب جاذبيتها الكبيرة، وأول من قال بوجود نجوم بالأصل سوداء في السماء هو العالم الفيزياء الأنكليزي جون ميتشل عام 1783 وتبعه العالم الفرنسي لابلاس عام 1798 وكان هذا مجرد تصور، ولكن أول من أتى بالدليل الرياضي على وجودها هو عالم الفيزياء الألماني شوارزشيلد Schwarzchild، ومن شدة شغفه بالفيزياء قام بحل معادلات النسبية العامة لآنشتاين عام 1916 وهو في جبهة القتال في الحرب العالمية الأولى، فقال لو قمنا بضغط الشمس التي نصف قطرها 700 ألف كيلومتر وتجميع كتلتها إلى 3 كيلومتر فقط دون أن ينقص شيء من كتلتها، فأن أشعتها ستجد صعوبة في الأنطلاق منها، أي ستتحول إلى ثقب أسود، وهذا الحد ممكن الوصول إليه لأي جرم سماوي أو جسم ما لأن الذرة في حالتها الاعتيادية معضمها فراغ وتوجد مسافات بينية بين الذرات حتى لو كانت المادة صلبة كالحديد، سمي فيما بعد بنصف قطر شوارزشيلد ويتناسب طرديا مع كتلة النجم أو الجسم، فالأرض حتى تتحول إلى ثقب أسود يجب أن تنضغط إلى نصف قطر 0.89 سم ولكن الأرض لن تتحول أبدأً إلى ثقب أسود، فالكواكب هي توابع للنجوم وحياتها تختلف عن حياة النجوم، التي تتمثل بالتفاعلات النووية- الحراية وهي في غاية العنف والشراسة عندما تكون في شبابها ثم تنهار وتموت بعد أن تستهلك معضم وقودها ( الهيدروجين والهيليوم) لتتحول بالنهاية إلى قزم أبيض أو نجم نيتروني أو ثقب أسود، فالنجم وهو مرحلة الطفولة أو الشباب يوجد فيه توازن بين الضغط الناتج نتيجة التفاعلات النووية وقوى الجاذبية نحو مركز النجم أو باطنه، وعندما ينفذ الهيدروجين ومن ثم الهليوم تنخفض درجة حرارة النجم وتبدأ عملية التقلص والتكدس حيث تتغلب قوى الجاذبية على جميع القوى الأخرى، ويصبح ثقب أسود إذا كان حجمه ثلاث مرات أو أكثر من الشمس، وإذا كان أقل يتحول إلى قزم أبيض، والثقوب السوداء ليست خيال علمي بل هي حقيقة كونية وفيها فائدة عظيمة في استقرار المجرات وكذلك نشأتها، فإن الثقوب السوداء العملاقة في وسط كل مجرة تجمع المواد المحيطة بها في عمق المجرة وتدفعها بعيدا على شكل رياح قوية تؤدي إلى تدفق واسع النطاق للغاز الجزيئي المشكل للنجوم تصل سرعته إلى %25 من سرعة الضوء، وبالتالي تؤثر على شكل ومصير المجرة الحاضنة ( ساتحدث عن حياة النجوم في مقال آخر).

وقد تمكنت العالمة الفلكية ستيفاني كوموسا من معهد ماكس بلانك، من مراقبة ثقب أسود في مجرة نائية من النوع القزم على بعد 1.8 مليار سنة ضوئية، وهو يعتاش على جثة شمس تقضي نحبها منذ عشر سنوات، وتأتي أهمية هذا الاكتشاف ليس فقط بمراقبة الثقب الأسود وهو يتلهم كل مايحيط به من غبار سديمي وسحب وشموس وكواكب، بل أيضاً من فهم الكيفية التي تقوم بها الثقوب السوداء بدور مركزي في المحافظة على استقرار المجرات، بل وفهم نشأة المجرات نفسها، ومعها أيضا كيف تكونت الثقوب السوداء، ويظن البعض أن الثقوب السوداء تمتص أو تبتلع أي جسم أو جرم سماوي قريب منها حتى سُمَّيت بوحوش الفضاء، والحقيقة أن الثقوب السوداء تمتص وتبتلع كل جرم أو نجم يدخل منطقة إفق الحدث وهي كرة نصف قطرها يساوي نصف قطر شوارزشيلد وتسمى نقطة اللاعودة يزداد كلما إبتلع الثقب الأسود المزيد من المادة، فلو تحولت الشمس إلى ثقب أسود فإن الأرض سوف تبقى تدور حول الشمس ولا تبتلعها ولكنها سوف تتجمد وتنتهي الحياة عليها لأننا سوف نفقد الطاقة القادمة إلينا من الشمس، أما الغازات القريبة من الثقب الأسود فقبل أن تدخل منطقة إفق الحدث فأنها تدور حول الثقب الأسود بسرعات عالية جداً تصل إلى الملايين وتشع موجات كهرومغناطيسية لأنها جسيمات مشحونة ويحمر لونها كلما أقتربت أكثر من إفق الحدث بسبب تمدد الزمن نتيجة الجاذبية الكبيرة للثقب الأسود حتى إذا دخلت منطقة إفق الحدث إختفت ولا نعلم على وجه الدقة ما يحدث داخل الثقب الأسود، وما نعلمه هو وجود المتفرِّدة Singularit حيث تنكمش المادة في منطقة لامتناهية في الصغر وفي الكثافة وكذلك بأنحناء الزمكان وتكاد تشبه المتفرِّدة في الأنفجار العظيم عند بدء الزمان، حيث كان يعتقد أن هذا الجزء معزول عن الكون وسوف تختفي جميع المعلومات التي تحملها سابقاً بما فيها الشفرات الوراثية وتنهار قوانين الفيزياء وقدرتنا على التنبؤ بالمستقبل، حتى قدم ستيفن هويكينغ ورقته البحثية في أوائل سبيعنات القرن الماضي، فقال أنّ هذه الثقوب السوداء ليست فعلا سوداء، بل وجد حسب الفيزياء الكمومية أنّ هناك أزواجا من الجسيمات وأضدادها تتولّد عند أفق الحدث، ثم تفترق ليلتقف الثقب الأسود أحد الزوجين وينطلق الآخر إلى الفضاء، مما يعني أنّ الثقب الأسود ينتج جسيما، وتُسمى هذه الجسيمات المنطلقة إشعاعات هوكينغ Hawking radiations، وإذا كان هوكينغ محقاً فمعنى ذلك أنه قد لا توجد حتّى متفرّدة في مركز الثقب الاسود، مما يعني أنّ المادة ستكون فقط محتجزة خلف الأفق الظاهري ولا تدمر المعلومات المتعلقة بتلك المادة، بل تغادر الثقب الأسود عن طريق إشعاع هوكينغ, بالرغم من ذلك فإنها ستكون مُشوشة ومختلفة تماما عن الحالة التي دخلت بها الثقب الأسود، مما يجعل من الصعب جدا معرفة حالتها أو ماهيّتها قبل أن يبتلعها الثقب الأسود، وحسب نظرية هويكنيغ فأن الثقوب السوداء سوف تتبخر بمرور الوقت تتبخر تاركة "فراغًا لا يحتوي شيئًا" وتتحول إلى موجات من أشعة كاما، ولكن سوف تستغرق زمناً طويل وحسب كبر الثقب فلو كان بحجم الشمس فسوف يستغرق حوالي 10 أس 87 سنة، علماً أن المتبقي من عمر الكون حوالي 14 مليار سنة، وهذا الفرض لهويكينغ يتعارض مع خاصية الثقب الأسود وهو عدم قدرة أي شيء سواء كانت مادة أو إشعاع من الأفلات أو الهروب منه، ولكنه أجاب عن ذلك بما تخبرنا به نظرية الكم وذلك أن هذه الجسيمات لاتأتي من داخل الثقب الأسود، بل من الفضاء الخاوي(الفراغ) خارج إفق الحدث للثقب الأسود مباشرة، وعلى وفق مبدأ اللادقة لهايزنبرك لايمكن للمجال في هذا الفراغ أن يكون صفراً بالضبط، لذلك يمكننا أن نتصور في الفراغ تذبذبات كأزواج من جسيمات الضوء أو الجاذبية، وهذا الزوج يكون جسيماً والآخر مضاداً للجسيم يتحركان منفصلين عن بعضهما ثم يلتقيان معاً ثانية ويفني أحدهما الآخر وعمر هذه الجسيمات صغير جداً لايمكن رصده ولكنها شبيه بالتغيرات الصغيرة التي تحدث في طاقة مدارات ألكترونات الذرة، لأن الجسيم تكون طاقته موجبة ومضاد الجسيم تكون طاقته سالبة ولذا فهو يجد في طلب شريكه ويفني أحدهما الآخر، ولكن بوجود جسم ضخم كالثقب الأسود ومجال جاذبيته كبير جداً فيمكن للجسيم التقديري ذي الطاقة السالبة أن يسقط داخل الثقب الأسود ويتحول إلى جسيم حقيقي أو مضاد للجسيم أما شريكه فقد يسقط كذلك داخل الثقب الأسود أو يهرب من جوار الثقب الأسود كجسيم حقيقي أو مضاد جسيم، وفي هذه الحالة فلن يفني أحدهما الآخر ويبدو للراصد عن بعد إنه قد إنبعث من الثقب الأسود، وهذه العملية تشبه عملية تَّخليق المادة في الدقائق الثلاث الأولى من بدء الكون لحظة الأنفجار العظيم، وفي النهاية سوف يخسر الثقب الأسود جزء من كتلته بسبب إنبعاث شعاع ستيفن هوكينغ، ووفقاً لمعادلة آنشتاين الشهيرة (E=MC2) في تكافيء الكتلة والطاقة أو إن الكتلة والطاقة شيء واحد، إذاً فإن الثقوب السوداء سوف تتبخّر في نهاية المطاف.

وفي عام 1935، استخدم آينشتاين وناثان روزن نظرية النسبية العامة لاقتراح وجود جسور في نسيج الزمكان تُعرف بجسور اينشتاين-روزن أو الثقوب الدودية Wormhole ، تصل هذه الثقوب بين نقطتين مختلفتين وموجودتين في الزمكان، مما يؤدي نظرياً إلى خلق طريق مختصر يُمكن أن يُقلل من زمن السفر والمسافة بين المجرات، كما هو في أفلام الخيال العلمي، تحتوي الثقوب الدودية على فَمين (mouths) مع وجود لحنجرة تصل الفمين معاً، يبدأ بثقب أسود وينتهي بثقب أبيض (White hole) المعاكس الزمني النظري لثقبٍ أسود (Black hole)، يجذب أفق حدث الثقب الأسود المادة، في حين يقوم أفق حدث الثقب الأبيض بقذف المادة على الرغم من استمرار الثقب الأبيض نفسه بجذبها إليه، أي أن الفرق الرئيسي بين النوعين يكمن في طريقة تصرف أفق الحدث (Event Horizon) فأفق الحدث للثقب الأسود يبتلع المادة الداخله اليه ولايمكنها أن تهرب منه وأفق الحدث للثقب الأبيض يبعد المادة عنه ولايمكن لأي شيء أن يعبر من خلاله إلى داخل الثقب الأبيض، وتبقى الثقوب الدودية هي مجرد حلول رياضية لمعادلات حقل آينشتاين للنظرية النسبية العامة ولم يكتشف أحد حتى الآن وجودها، ومع ذلك فهو موضوع مغري للدراسة والبحث لأن تلك الثقوب الدودية سوف تمحو ماضي الإنسان، ويسقط حساب الزمن الماضي وتنقله إلى عالم موازٍ فيه مستقبل لانهائي يعيش فيه للأبد، ويرى البعض أن الثقوب السوداء هي بواباتٌ لأكوانٍ أخرى، أو أنّ الثقوب السوداء ممكن أن تكون السبب في نشوء أكوانٍ أخرى كاملة، مسبّبةً انفجاراتٍ عظيمةٍ أخرى (وكوننا كان واحداً من هذه الأكوان) ولكن هذه الفكرة مازالت قيد الجدل. ويوجد ثقب أسود في كل مركز مجرة بما فيها مجرتنا درب التبانة أي أنه يبعد عنا قرابة 27 ألف سنة ضوئية، في اتجاه كوكبة الرامي A* في مكان هو الأكثر لمعانا للمجرة، وقدرت كتلته بنحو 4.1مليون مرة بقدر كتلة الشمس، ولكن أول صورة ألتقطت في التاريخ لثقب أسود يوم 10 نيسان 2019 لم تكن من نصيبه، بل ألتقط لوحش فضاء آخر يقع في مجرة M87 تبلغ كتلته 6.5 مليار مرة بقدر كتلة الشمس ويبعد عنا 55 مليون سنة ضوئية، كان العلماء قد بدؤوا برصده قبل عامين، حيث دمجت بيانات ثمانية مراصد في أربع قارات في وقت متزامن وبشكل شديد الدقة بفضل ساعة ذرية للحصول على الصورة المركبة، عرفت بأسم Event Horizon Telescope) أفق الحدث)، يبدو ان آنشتاين كان مصيباً في تصوره للثقب الأسود في نظريته كحلقة نار ملتهبة تحيط بفتحة دائرية مظلمة، وكذلك يشبه أفلام هوليوود للخيال العلمي والمقتبسة من النظرية النسبية العامة لآنشتاين، ويعد إطلاق أول صورة في التاريخ للثقب الأسود تقدم كبير للإنسانية جمعاء، مع ذلك فإن هذا التفسير البسيط لا يجرد الثقوب السوداء من غموضها، ولا يجعل منها مادة سهلة للفهم والدراسة.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق