من الثابت ان فكرة البحث العلمي تمتد بأثارها خارج دولة الباحث فصاحب النتاج الفكري يستهدف بنشاطه العلمي الانسان بغض النظر عن جنسه او جنسيته او موطنه فهو يتجاوز هذه المفاهيم الضيقة باتجاه المفهوم الإنساني، وبالمقابل سيكون ما يقدمه من موضوعات علمية في قالب البحث العلمي محل اهتمامات ذات مساحة واسعة من الافراد تتجاوز حدود الدولة الواحدة فتكون تلك الموضوعات لأهميتها الانسانية والحاجة الملحة لها محل استقطاب افراد ودول خارج محيط دولة الباحث.

مما يمهد ذلك الطريق باتجاه علاقات بين اطراف حول موضوع البحث العلمي من دول مختلفة تأخذ في الغالب طابع عقدي، كما ان الحاجة لمخرجات البحث يجعلها موضوع جاذب للاستثمار، وفي الغالب تحظى الدول المتقدمة بهذه الميزة، وحسب المرحلة التي يكون عليها البحث العلمي، وآلية التعاقد فيما اذا تم التعاقد وقت مرحلة تكوين افكار البحث العلمي ام في مرحلة اكتمالها ونشوؤه تتجاذب لبحث العملي عدة قوانين فتحصل بفعل ذلك ظاهرة تنازع بينها، كما تختلف منهجية حل التنازع فيما اذا كانت مخرجات البحث العلمي من قبيل الملكية الادبية ام الصناعية ام الفكرية، اي على شكل مثلا براءة اختراع ام علامة تجارية ام مؤلف وغيرها.

السؤال هنا ماهي القواعد الواجبة التطبيق لتحديد القانون المختص في كل نوع من الملكية قبل تكوينها في وقت يكون فيه البحث مجرد افكار وبعد تكوينه وظهوره على شكل منتج فكري علمي مجسم في صيغة مفيدة وله قيمة اقتصادية متحركة كجهاز او سلعة او دواء او عنصر يدخل في تكوين صناعة معينة؟ هل تكون طبيعة القواعد الواجبة التطبيق اسنادية ام موضوعية ام ماذا؟ ما هو مصدر القواعد الواجبة التطبيق في مرحلة تكوين البحث العلمي هل هي الاتفاقيات ام القوانين الوطنية؟

لأجل الاجابة على كل تلك الاسئلة لابد من الوقوف على تحديد طبيعة البحث العلمي في مرحلة تكوينه وفي مرحلة اكتماله واخيرا في مرحلة استثماره فهذا سيسهل من تحديد القواعد الواجبة التطبيق في كل مرحلة وتقديم الحل الملائم للتنازع اضافة الى التمييز بين حالتين: الحالة الاولى اذا كان عقد الاستثمار شامل لكل تلك المراحل الحالة الثانية اذا كان عقد الاستثمار محدد في مرحلة اكتمال البحث.

فالقواعد واجبة التطبيق في الحالة الاولى يمكن ان تتنوع فتكون قواعد اسناد تجد مصدرها في القانون الوطني في الغالب لاسيما في مرحلة تكوين افكار البحث العلمي في حين تكون قواعد اسنادية وموضوعية معا في مرحلة الاكتمال تتنوع مصادرها بين القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية، واخيرا يقتصر الدور على القواعد الموضوعية في مرحلة الاستثمار ليكون مصدرها الاتفاقيات الدولية (باريس، برن، تربس ) حسب موضوع البحث العلمي (براءة اختراع /علامة تجارية).

ان الاشكالية المحورية في الموضوع تتجسد في تعدد المراحل التي يمر بها البحث العلمي، وتنوع موضوعاته، مما يستتبع تنوع اليات استثماره فضلا عن اختلاف طبيعة موضوع عقد الاستثمار في كل مرحلة من المراحل اعلاه يطرح اختلاف في القواعد وبالتالي في الحلول للتنازع، وامام كل ذلك ستكون هناك اختلافات في نسبة تطبيق القواعد الموضوعية الى قواعد الاسناد اضافة الى تداخل اعمال قواعد القانون الوطني الى جانب القواعد المحدد في الاتفاقيات الدولية المعنية بالملكية الادبية والفنية والصناعية. ان مواقف التشريعات لم تكن على درجة من الوضوح امام كل تلك الاشكاليات لاسيما موقف المشرع العراقي في القوانين المعنية بالملكية الفكرية.

وبالتالي تتمحور مشكلة البحث حول ما هو القانون الواجب التطبيق على عقود استثمار البحث العلمي، هل يمكن اعمال قواعد الاسناد الواردة في المادة (25) من القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة1951 المعدل، الخاصة بتحديد القانون الواجب التطبيق على الالتزامات التعاقدية، على عقود استثمار البحث العلمي ام نحن بحاجة الى قواعد اسناد تتلأم مع طبيعة هذه العقود وتتلأم مع الوظيفة والغاية التي تهدف اليها قواعد الاسناد، لاسيما ان اهم وظائف قواعد الاسناد تحقيق الامان القانوني، المتمثل في الحفاظ على توقعات الاطراف في اطار العلاقات القانونية الدولية الخاصة، فضلا عن ان قواعد الاسناد تهدف الى تحقيق العدالة من خلال تعيين قانون المناسب والملائم.

ان حل الاشكالية اعلاه بطريقة قانونية وفنية تتطلب البحث عن آلية ملائمة للنزاع.

ان صعوبة ضبط الحلول للإشكالية اعلاه يضفي على الموضوع اهمية علمية واخرى عملية. فالأهمية العلمية تتمثل في أنه يتعامل مع الموضوع معاملة اشياء لها قيمة مالية قابلة للتداول من خلال الاستثمار، مما يطرح ذلك اختلاف تكييف موضوع البحث حسب المرحلة التي تم التعاقد فيها فهل يعد البحث من قبيل الملكية الفكرية ام الصناعية ام ماذا عند اكتماله وماذا يعتبر قبل ذلك؟ اما من الناحية العملية فمخرجات البحث العلمي تمثل حاجة انسانية عالمية ممتدة الى الجميع، والباحث لا يقتصر في تقديم انتاجه الفكري لدولة بعينها او فئة بذاتها، انما هو يمتد بعطائه العلمي لجميع البشرية مما يطرح ذلك امتداد في التعامل الدولي بمخرجات البحث العلمي، ونتيجة لحاجة افراد ودول متعددة لتلك المخرجات سنكون امام تداخل عدة قوانين بشان التعامل مع البحث العلمي، مما يجعل العلاقات المتكونة بمناسبته ذات بعد دولي انساني، وبأثرها ستكون موضوع لتطبيق قواعد من طبيعة خاصة تجد مصدرها في فرع من فروع القانون يتمثل بالقانون الدولي الخاص، ولمرونة مخرجات البحث العملي وتعدد ارتباطاتها الموضوعية والشخصية تكون لتلك المخرجات تأثيرات محركة لتنازع قوانين عدة دول، مما يتطلب حل هذا التنازع وفقا لمنهجيات ملائمة تختلف حسب موضوع البحث ومرحلته وآليات التعاقد بشأن استثماره.

وتقف وراء عقود استثمار البحث العلمي مبررات منها الحاجة الى تطوير الاقتصاد القومي للدول الراعية لبحوث الاستثمار والتطوير، وتحقيق منافع اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية للمجتمع، وللحاجة المتزايدة والماسة للبحث العلمي وخاصة في الدول النامية التي تحتاج للتكنلوجيا وخدمات الادارة الالكترونية لشؤونها العامة، على نحو يجعل من عقود استثمار البحوث العلمية عاملاً حيوياً ورئيساً في تحقيق خططها الاقتصادية، وهذا يحقق تبادل وتعامل دولي استثماري بين الدول المتقدمة والدول النامية بفعله تحصل حالة التفاعل قوانينها.

وبالنظر لطبيعة عقود استثمار البحث العلمي، وضرورة ايجاد نظام تشريعي يحكمها وينظم آلية التعاقد فضلا عن تحديد الاختصاص القضائي ومدى امكانية اللجوء الى الوسائل البديلة لحل منازعات عقود استثمار البحث العلمي لاسيما ان هذه الوسائل تمتاز بمرونتها وسرعتها في حسم المنازعات. فكل ذلك يتطلب جهد تشريعي وبحثي استثنائي.

فالأهمية العالمية والانسانية التي يحظى بها البحث العلمي وزيادة فرص الاستفادة منه على مستوى الدولي وتنوع طبيعة الجهة المستفيدة التي يمكن ان تكون دول او افراد، كلها عوامل واسباب تشكل دافع لدى الباحث لاستثمار انتاجه العلمي، وكذلك بالنسبة للمستفيد من البحث العلمي، الذي يمكن ان يكون مستثمر للنتاج العلمي صناعيا او فنيا، كما لو افضت مخرجات البحث العلمي الى اختراع جهاز او انتاج مواد تدخل في القطاع الصناعي او الزراعي او الخدمي، فالمستثمر سوف يقوم بدور المنتج وهذا الاخير بالتأكيد سيطرحه بالعدد او الكمية المطلوبة لغرض استهلاكي.

فالباحث يمكن ان تتخلل دوافعه في البحث العلمي الاغراض التجارية فهو يقوم بدور المنتج والمستثمر معا فتكون له اغراض تجارية، في حين نجد المستفيد من ذلك البحث في الغالب اغراضه غير تجارية، لذا يمكن ان نكون امام علاقة دولية استثمارية اذا جمعت كل تلك الاطراف وكانوا من جنسيات متعددة والنتاج الفكري سوف يطرح على اراضي متعددة، فهنا ستكون دولية عقد الاستثماري متحققة وفقا لكافة معايير دولية العقود، فاختلاف جنسية الاطراف يطبع العقد بالطابع الدولي وفقا للمعيار القانوني، وحيث ان هدف البحث هو تحريك اشياء او اموال عبر الحدود فهنا ستتحقق دولية العقد في منظور المعيار الاقتصادي، وحيث يتوافر المعياران في العقد فذلك من متطلبات المعيار المختلط الذي يجمع المعيارين القانوني والاقتصادي.

ورغبة منا في التعرف على تلك التجاذبات التشريعية والقضائية التي تناولت عقود استثمار البحث العلمي في اطار العلاقات الدولية الخاصة، اي في اطار عقود استثمار البحث العلمي المشتملة على عنصر اجنبي، ولأهمية استثمار البحث والتطوير خاصة في العراق، وظهور هذا الشكل الجديد من العقود، توجب وضع قواعد لهذه العقود تسهل حسم ما يثار بشأنه من منازعات بين صاحب النتاج العلمي والمستثمر، وخصوصا لدينا في العراق، قانون الاستثمار رقم (13) لسنة 2006 المعدل. وبالعودة للمادة (21) من هذا القانون نجدها تنص على هذا المعنى اذ نصت على ان (يتكون راس مال المشروع المشمول باحكام هذا القانون مما يأتي:

اولا: النقد المحول الى العراق عن طريق المصارف والشركات المالية او اية طريقة قانونية اخرى بهدف استثماره لأغراض هذا القانون.

ثانيا: الاموال العينية والحقوق المعنوية الموردة للعراق او المشتراة من الاسواق المحلية بواسطة النقد المحول للعراق وهي:

ا – اموال عينية لها علاقة بالمشروع.

ب – المكائن والآلات والمعدات والابنية والانشاءات ووسائل النقل والاثاث واللوازم المكتبية اللازمة لإقامة المشروع.

جـ – الحقوق المعنوية التي تشمل براءات الاختراع والعلامات التجارية المسجلة والمعرفة الفنية والخدمات الهندسية والادارية والتسويقية وما في حكمها.

ثالثا: الارباح والعوائد والاحتياطات الناجمة عن استثمار راس مال في العراق في المشروع اذا تمت زيادة راس مال هذا المشروع او اذا استثمرت في مشروع اخر مشمول باحكام هذا القانون).

لا يقتصر موضوع البحث على تحديد القانون الواجب التطبيق وحل التنازع في اطار حقوق الملكية الفكرية انما تمثل الحقوق الاخيرة جزء من الموضوع، فموضوع البحث ينصرف الى التعامل مع مخرجات البحث العلمي ووضعه موضع الاستثمار مما يتطلب ذلك الاستعانة بنوعين من القواعد وهي القواعد المعنية بحقوق الملكية الفكرية والقواعد المعنية بالاستثمار، وهذا يعني ان التنازع يكون مركبا لأنه يتناول موضوعين متداخلين، حقوق ناشئة عن البحث العلمي تكون موضوع للاستثمار الاجنبي.

فالتنازع يكون بصدد حقوق ملكية فكرية منفردة تارة ومتداخلة مع حقوق الاستثمار تارة اخرى، مما يعني ان حل التنازع سينطوي على صعوبة لتنوع موضوعات التنازع وتداخلها واختلاف طبيعة موضوعاتها، مما يعني تنوع وتعدد القوانين والقواعد المعنية لتحديد القانون الواجب التطبيق من بينها.

وهنا يطرح السؤال عن مدى استجابة القواعد التقليدية لحل التنازع بنوعيها الاسنادية والموضوعية وكذلك قوانين الاستثمار في العالم لمثل تلك العقود في تكوينها واثارها ومنها قانون الاستثمار العراقي. فالقواعد الواجبة التطبيق في اطار حقوق الملكية الفكرية والاستثمار يقتضي توظيفهما معا في اطار العلاقات الدولية وفي كل نوع من القواعد ستصادفنا فئات فرعية من القواعد، وفيها يجب ان نعرف مجال ونطاق عمل كل نوع وصولا لتحديد اي منها سيضطلع بمهمة القواعد الاصلية واي منها سيضطلع بمهمة القواعد الاحتياطية؟ وما هي علاقة هذه القواعد بالقواعد الموضوعية وقواعد الاسناد الجامدة منها والمرنة وماهي القواعد الاكثر استجابة لحل التنازع وتحقيق العدالة؟ وهل ثمت تكاملية في العمل بينها؟ هذه الاسئلة وغيرها سنحاول الاجابة عليها في ثنايا البحث.

ان حكم ما تقدم من اوضاع قانونية سيكون عبر منظومة من القوانين والاتفاقيات وعلى مستوى العراق يتحقق ذلك عبر قانون حماية حق المؤلف رقم 3 لسنة 1971 المعدل، وقانون النماذج الصناعية رقم 65 لسنة 1970 المعدل المادة (1)، وقانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006 المعدل، مع الرجوع الى الاتفاقيات المعنية بالملكية الفكرية والادبية والصناعية لاسيما اتفاقية باريس وتربس وبرن في اطار التعامل مع البحث كمنتج فكري في حين سنعتمد على الاتفاقيات المعنية بالاستثمار والتحكيم عن التعامل مع الموضوع كمادة قابلة للاستثمار حيث سنرجع الى اتفاقية واشنطن لعام 1965 التي صادق عليها العراق عام 2013 وكذلك اتفاقية نيويورك لعام 1958 بشا الاعتراف بأحكام التحكيم وتنفيذها.

* الاستاذ الدكتور عبد الرسول عبد الرضا الاسدي في كلية القانون-جامعة بابل

اضف تعليق