تأتي (الأزمة) في اللغة بمعنى الشدة والقحط، فيقال أزم علينا الدهر؛ أي أشتد وقل خيره، أو أزمت عليهم السنة؛ أي أشتد قحطها. وأما في الإصلاح فـ(الأزمة) هي حالة توتر ونقطة تحول تتطلب قرارا ينتج عنه مواقف جديدة، سلبية كانت أو إيجابية، تؤثر على مختلف الكيانات ذات العلاقة.

والأزمة -في حقيقتها- هي عقبة كبيرة، تصيب الأفراد والجماعات والدول، فان أصابت الأفراد حالت بينهم وبين الاستقرار الشخصي، وإن أصابت الجماعات حالت بينهم وبين الاستقرار الاجتماعي، وإن أصابت الدول حالت بينها وبين استقرار النظام والسلطة.

ولا شك أن الأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية أو الإدارية أو البيئي ة(الطبيعية) أو السياسية قديمة قدم التأريخ، وهي جزء من نسيج الحياة الإنسانية في أي مجتمع، وقد ازدادت أهمية هذه الأزمات وخطورتها في العصر الحديث، الذي يطلق عليه البعض أحيانا (عصر الأزمات) ولقد أصبح مصطلح الأزمة من المصطلحات الشائعة في لغتنا اليومية، مثل الأزمة الاقتصادية، والأزمة السياسية، والأزمة التعليمية، والأزمة الصحية، وأزمة الهوية الوطنية، وأزمة المشاركة السياسية، وغيرها.

وهنـــاك العديـــد مـــن الأزمـــات التـــي تواجـــه المجتمـــع، إمـــا بـــصفة دوريـــة، أو بـــصفة عـــشوائية، وبـــالنظر إلـــى هـــذه الأزمات؛ نجد إنها قد تسببت فـي الماضـي فـي خـسائر وأضـرار كثيـرة للفـرد والمجتمـع، سـواء مـن الناحيـة الاجتماعيـة أو الــسياسية أو الاقتــصادية والإداريــة. ولا يخفى أن تعــرض المجتمــع للأزمــات يهــدد بــصورة عــشوائية ومستمرة في نفس الوقت التنميــة، ســواء فــي جانبهــا المــادي أو البــشري. حيــث تــسبب الأزمــات بمختلــف أنواعهــا خسائر فـي المنـشآت والمرافـق العامـة والممتلكـات والثـروات البـشرية والطبيعيـة، وتقلـل كـل هـذه الخـسائر فـرص التقدم في مسار التنمية، حيث تؤثر بـصورة مباشـرة أو غيـر مباشـرة علـى الثـروة البـشرية والمادية للمجتمـع.

والسؤال هنا ما هو سبب نشوء الأزمات السياسية، واستفحالها إلى الدرجة التي تشكل تهديدا خطيرا وفعليا على الحاكمين والمحكومين، بل على النظام السياسي ومؤسساتها الحاكمة، إذا لم يجر تداركها؟

وماهي علاقة الحقوق بالأزمات السياسية التي تشهدها العديد من البلدان، لاسيما العراق؟ وكيف يمكن إدارة الأزمات السياسية بالاستفادة من مفهوم تطبيق الحقوق المتساوية بين المواطنين؟

تأتي الأزمات بأشكال وأحجام مختلفة، كل أزمة فريدة من نوعها، وتحتاج إلى استجابة خاصة بها، فعلى سبيل المثال تختلف الأزمة المالية عن الأزمة الطبيعية كالزلزال والإعصار والفيضان، والهجوم الإرهابي يختلف عن الأزمة الصحية كالوباء أو الجائحة، مع ذلك تتشابه الأزمات فيما بينها وبطريقة التعامل معها.

هو الأمر نفسه يمكن إن يقال بشأن الأزمات السياسية، فليس هناك سبب محدد لنشوب الأزمة السياسية، فقد تنشأ الآزمة السياسية بسبب عدم رضا الشعب أو أكثريته عن أداء الحكومة، وضعفها في تحقيق حاجاته ومطالبه، وقد تكون هناك اختلافات بين الأحزاب الحاكمة وبين الأحزاب المعارضة، وقد تكون هناك نزاعات إدارية بين الحكومة الاتحادية وبين الحكومات المحلية، وقد يكون هناك اختلافات في وجهات النظر بين الأحزاب المشاركة في الحكومة.

وربما يكون هناك تدخل خارجي في تأجيج النزاعات السياسية الداخلية، سواء كانت بين أحزاب وأحزاب، أو بين شخصيات سياسية وأخرى، أو بين وجهات نظر علمانية وإسلامية، أو بين أنصار دين أو مذهب أو قومية مع أنصار دين أو مذهب أو قومية أخرى. وقد يجري في كثير من الأحيان أثارة ملفات مختلف عليها من طرف شخصيات سياسية، أو من طرف أحزاب أو كيانات سياسية، بهدف كسب الرأي العام والتأثير عليه، كما يحدث كثيرا في الحملات الانتخابية.

ومع أن من الصعب جدا إحصاء أسباب نشوء الأزمات السياسية في أي بلد كان، ولكن عند التركيز على تلك الاختلافات والصراعات والنزاعات السياسية، أكانت واقعية أم غير واقعية، أكانت بين الشعب والحكومة أم بين الأحزاب مع بعضها البعض، والنظر إلى جوهرها، فإنها دائما يكون سببها الرئيس المطالبة بحق ما، حقوق سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو مهنية أو شخصية محددة، سواء كانت حقوقا للأحزاب، أو حقوقا لمناطق جغرافية معينة، أو لفئات اجتماعية معينة، أو لأنصار أتباع ديانات أو مذاهب أو قوميات معينة.

إذ لما ترفض الحكومة النظر في هذه الحقوق، من حيث إقرارها أو تحقيقها لأسباب مختلفة، أو تكون في الواقع عاجزة عن تحقيقها، فان عدم الاستجابة لهذه الحقوق تنتج عنه مشكلة، وهذه المشكلة تتفاقم لتتحول بعد فترة من الزمن إلى أزمة، والأزمة قد تؤدي إلى تغيرات جوهرية في هياكل النظام السياسي، منها الإطاحة بالنظام أو تغيير الحكومة، أو سن قوانين أو تعديل قوانين، أو إجراء تعديلات في المناصب الرفيعة في البلد بالنظر إلى الإخفاق في الحد من هذه الأزمة.

أذن جوهر الأزمات السياسية هي مدى تلبية حقوق الشعب أو فئات منه، فكلما استطاعت الحكومات تثبيت حقوق المواطنين أو تلبيتها استطاعت أن تمنع نشوء أزمة ما، والعكس صحيح كلما لم تستطع الحكومات من تحقيق حقوق المواطنين أو تلبيتها فأنها ستتعرض إلى أزمات متكررة تفرض عليها استحقاقات كبيرة.

فالطلبة الخريجون –على سبيل المثال- يبحثون عن حقوقهم، منها توفير فرص عمل، والحكومة ملزمة بتوفير فرص عمل لائقة لمواطنيها، فان رفضت الحكومة مطلب الطلبة الخريجين، أو كانت عاجزة عن تلبية مطلبهم في توفير فرص عمل، تحولت هذه المشكلة إلى أزمة، ومن مظاهر هذه الأزمة هي التظاهرات الحاشدة أمام مقار الحكومات، وفي المظاهرات عادة ما تحصل صدامات بين الشرطة والمتظاهرين، ويؤدي ذلك إلى قتل من الطرفين، واعتقال المتظاهرين، ويؤدي ذلك إلى إثارة الشارع، فالأزمة تنتج أزمة أخرى، فتزداد التظاهرات، وتجد الحكومة نفسها أمام أزمة سببها عدم تلبية حقوق الطلبة.

قد تطالب ولاية أو محافظة أو طائفة من الشعب بحقوقها التي تتناسب مع وضعها الجغرافي، أو وضعها المالي، أو وضعها الاجتماعي، أو وضعها الديني، أو وضعها التاريخي، فترفض الحكومة التعامل معها، فينتج عن ذلك أزمة تعطيل المؤسسات الحكومية من خلال عمليات التحشيد المجتمعي، وانخراط جزء من هذه الكيانات في عمليات مسلحة ضد الحكومة أو ضد أنصارها، وتقوم الحكومة في المقابل باستخدام القوة المسلحة وضرب أوكار هذه الجماعات المسلحة المطالبة بحقوقها، وهكذا تنتج أزمة ثم أزمة أكبر منها، حتى يصعب حلها في ضمن الحوارات السياسية بين الأحزاب والكيانات الحاكمة والمعارضة.

فاذا كان الأمر كذلك، وأن الأزمات السياسية سببها الجوهري هو عدم إقرار الحقوق، أو عدم تلبيتها، أو المماطلة في تلبيتها، فلماذا لا تعمل الحكومات على إقرار هذه الحقوق، أو تلبيتها حتى تتخلص من الأزمات التي تعصف بها بين الحين والأخر، وتهدد وجودها، فقطعا أن الكثير من الحكومات تريد الاستقرار لها ولشعبها، ولا تريد حدوث أي أزمة من شأنها أن تؤدي إلى شرخ في العلاقة بينها وبين شعبها؟

في الواقع؛ ليس من السهل على أي نظام سياسي أن يقر بحقوق جميع فئات وطوائف شعبه، كما ليس من السهل على أي حكومة أن تلبي مطالب جميع الفئات والجماعات والكيانات الاجتماعية والمهنية، فقد يكون تلبيتها يسبب لها أزمة أخرى مع فئات وجماعات وكيانات أخرى، وقد تكون بالفعل عاجزة عن تلبية هذه المطالب، فما هو الحل الأمثل لتجب حصول أزمات سياسية؟

أعتقد أن هناك أمرين مهمان ينبغي أخذهما بنظر الاعتبار عند النظر إلى كيفية الحد من الأزمات السياسية من الأصل، أو كيفية معالجتها عند وقوعها، وهما:

الأولى: كيف لنا أن نتجنب الأزمات السياسية من الأصل؟ والجواب هو أن تعتمد أي حكومة كانت على مبدأ (الحقوق المتساوية بين المواطنين)، مهما اختلفت أشكالهم، ودياناتهم، ومذاهبهم، وأقوامهم، ومناطقهم. ولا يجب إقرار هذه المبدأ (مبدأ الحقوق المتساوية لجميع المواطنين) في الدستور فقط، لأنه في الواقع قد أقرته جميع الدول تقريبا، وإنما ينبغي أن يٌعمل به على أتم وجه.

ولا ينبغي أن تقول الحكومة إن مؤسساتها تعمل على تطبيق هذا المبدأ، بل لابد أن يشعر كل مواطن مهما كان مختلفا عن المواطن الأخر أن الحكومة ومؤسساتها لا تميز بين مواطن ومواطن في كل خدمة تقدمها، وفي كل إجراء تقوم به، وفي كل تشريع تسنه، وفي كل حكم قضائي تصدره. فان لم تطبق الحكومات مبدأ الحقوق المتساوية بين المواطنين، ويلمس المواطنون ذلك ويتباهون به، فلابد أن تستعد للازمات المتكررة التي تعصف بها من حيث تعرف، ومن حيث لا تعرف.

الثانية: ماذا لو حصلت أزمة سياسية على خلفية المطالبة بحق من الحقوق؟ ماذا ينبغي أن تفعل الحكومة والأحزاب والفعاليات السياسية؟

لا شك أن التعامل مع الأزمات في حد ذاته هو فن من فنون الإدارة والسياسة، وعلى الحكومات والأحزاب الحاكمة أن تدرب موظفيها وأفرادها على طرق حل الأزمات أو معالجتها بطريقة تؤدي إلى إحقاق الحقوق، لا التفريط بها أو قمعها. لذلك يمكن القول إن التعامل مع الأزمات السياسية يتطلب من الحكومة والأحزاب السياسية الحاكمة والمعارضة أن تتبع الخطوات الآتي:

1. تأطير الأزمة:

عادة ما تكون الأزمة شاملة وفوضوية لدرجة يصعب استيعابها بكليتها، ويحاول الناس جاهدين فهم ما يحصل خاصة في بداية الأزمة، مما يولد لدى المواطنين الشعور بعدم الأمان والكثير من التساؤلات، ويمكن أن تتحول إلى الشعور باليأس والفزع والغضب والإحباط.

لذا من الضروري الاستجابة للأزمة بـأسرع ما يمكن، حيث إن من واجبات الحكومة والأحزاب السياسية السعي لفهم طبيعة وأساس الأزمة القائمة، وعدم التقليل من شأنها، وإحاطة المواطنين بالمعلومات الأولية لتلك الأزمة، ويتحقق ذلك من خلال ما يٌعرف بالاستجابة الأولية على وفق المعلومات الآتية (أ- تعريف الأزمة من خلال وصف نطاق وحجم الأزمة ومن سيتأثر بها. ب- الموقع الجغرافي الذي حصلت أو قد تحصل فيه الأزمة. ج-معلومات حول طبيعة وأصل الأزمة)

2. الاستجابة الوطنية للازمة:

والتي يجب أن تتخذها الحكومة والأحزاب السياسية الحاكمة والمعارضة حيث ينبغي في هذه المرحلة أن تشرح الحكومة ما تقوم أو ما ستقوم به، فان مثل هذا الإجراء من شأنه أن يعطي أملاً بوجود حل للأزمة. ولا يجب أن تعطى وعودا كبيرة، بهدف التقليل من حجم الأزمة مؤقتا، بل من شأن هذا العمل أن يفاقم الأزمة مستقبلا، ومن شأنه أن تنعدم الثقة بين المواطنين المطالبين بحقهم وبين الحكومة وأجهزتها التنفيذية.

3. المشاركة الجماهرية:

في العادة لا تقتصر الأزمات السياسية على المواطنين المطالبين بحقهم والحكومات، بل تتعدى في كثير من الأحيان إلى جميع المواطنين، فقطع الطرق، وحرق المؤسسات، واندلاع أعمال الشغب والعنف، والقتل والاغتيالات ليست من الأمور التي تنحصر آثارها على المواطنين المتظاهرين والحكومة، إنما تمتد إلى جميع المواطنين، ويتأثر بها جميع المواطنين، وعليه يكون من حق الشعب كله أن يعرف ما يحصل بالضبط، وأن يدلي هو برأيه لحل هذه الأزمة.

لذلك، من المهم أن تتاح للمواطنين فرصة المشاركة، وإبلاغهم بهذه القرارات. وينبغي على السياسيين والأحزاب والممثلين المنتخبين والحكوميين إجراء اتصالات نشطة خلال الأزمات. ويجب أن يبلغوا المواطنين بما يفعلونه لحل الأزمة، وأن يخبروا المواطنين كيف وما هي القرارات التي يجري اتخاذها، ويشاركوا مواقف الحكومة ومبادراتها لحل الأزمة.

.......................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

انقر لاضافة تعليق