يبدو المشهد في العراق في كل مرة يكون مختلفاً، فأبناء الشعب الأصلاء خرجوا منذ اليوم الأول من شهر تشرين الأول في تظاهرات سلمية للمطالبة بالإصلاح ورفض الظلم والفساد بعد أن يئسوا من الحكومة وإجراءاتها الروتينية الفاشلة في مكافحة ما تقدم والقضاء عليه، رغم أنها وكسابقاتها ضمنت برنامجها الحكومي الوعود الموثقة للشعب بالقضاء على الفساد وإصلاح قانون الموازنة العامة، والنهوض بالاقتصاد الوطني، وضمان العيش الكريم للمواطن.

بيد أنه وبرغم مرور عام كامل على تشكيل الحكومة لم يتحقق شيء يذكر، بل أزداد الأمر سوءً وأخذت صور جديدة للفساد تترسخ والمحاصصة تتجذر أكثر وأكثر ولعل أخطر ما لوحظ مجاملة الحكومة للبعض على حساب مصلحة الشعب فالدستور العراقي ينص في المادة (110) إن النفط والغاز ملك الشعب العراقي، إلا إن أطرافاً وبمرأى ومسمع الحكومة أضحت تتعامل مع هذا الملف وكأنه أرث أسري تبيع وتتاجر به بعيداً عن السلطة المركزية، وهذا يعني المزيد من الحرمان لأبناء الشعب والمزيد من الثراء الفاحش للطبقة السياسية الفاسدة.

ما فجر غضب الشعب فانطلقت الجماهير لتقول كلمتها، فما كان من بعض الجهات الفاسدة إلا الإيعاز لمجرمين مجهولين استهدفوا المتظاهرين بالقنص المباشر فقتل جمع كبير من الناس العزل، ومن ثم شاع استعمال قنابل الغاز القاتل والذي استعمل بغزارة لقتل وإيذاء المتظاهرين متسبباً بمقتل جمع كبير من الناس خنقاً أو بالإصابات المباشرة في الرأس والجسد ولم يقف مسلسل الموت عند هذا الحد بل استخدمت بعض تشكيلات القوات الأمنية كوسيلة قمع خلافاً للدستور الذي نص في المادة ((9/أولاً/أ- تتكون القوات المسلحة العراقية والأجهزة الأمنية من مكونات الشعب العراقي....، ولا تكون أداة لقمع الشعب العراقي)) فمن الضرب المبرح إلى الرصاص المطاطي إلى الهجوم على خيام الاعتصام إلى استعمال الرصاص الحي إلى تسخير الأحزاب لكل إمكانياتها الخبيثة لاختراق التظاهرات السلمية والزج بالمهرجين من أتباعها ممن احترفوا مهنة حرق الأبنية والإطارات وإثارة الفتن وإطلاق الشعارات الطائفية وغيرها كثير بقصد الإساءة للمتظاهرين الحقيقيين بمرأى ومسمع من الحكومة التي لم تحرك ساكناً.

وحق لنا أن نتساءل أين الحكومة؟ وان كان المبدأ الراسخ في القانون الدستوري يقول حيث توجد السلطة توجد المسؤولية، وبالتالي الحكومة ستكون مسؤولة عن الجرائم المتقدمة حتى في حال ثبت إنها لم تأمر بها والسبب هو ان الحكومة مسؤولة عن حياة المواطنين وضمان حرياتهم ولكنها ترى الجرائم بأم العين وتسمع عنها ليلاً ونهاراً ولا تحرك ساكنا لمنع الموت والقمع الذي تعرض له أبناء الشعب، ولهذا سنبحث في آليات تحريك مسؤوليتها القانونية وسبل محاكمتها بعد ان أثبتت أنها متشبثة بالكراسي والامتيازات ولاشيء يمكن ان يثني إرادتها الصلبة في الاحتفاظ بالامتيازات التي تؤمن لها التحكم بمصير البلاد والعباد رغم خطورة الموقف، والتضحيات الكبيرة من أبناء الشعب لتصحيح المسار الخاطئ منذ العام 2003 ولغاية الآن، بل ان السياسيين فقدوا أدنى حدود الكرامة في الاعتراف بالخطأ والاعتذار للشعب وتقديم الاستقالة كونهم غير مستعدين للمثول أمام محكمة التاريخ والشعب لتثبت جرائمهم بحق الوطن والشعب.

فالحق بالحياة أو التكامل الجسدي أو التمتع بالصحة التامة وعدم الاعتلال والحق في الحرية والتعبير وغيرها من الحقوق والحريات التي انتهكت في العراق خلال التظاهرات الأخيرة إنما هي مصالح جديرة بالحماية كونها جزء لا يتجزأ من مصالح المجتمع وسبب يقيني لتحقيق الأمن المجتمعي وبدونها سيعتل التعايش السلمي ويمرض ولعله يموت، لذا المشرع العراقي وفي الكثير من النصوص وفر الحماية القانونية للمصالح الأكثر أهمية للفرد والمجتمع على حد سواء، وبهذه المناسبة نذكر إن المسؤولية بين الأطراف الحاكمة في العراق تضامنية فالجميع مطالب بالتدخل وممارسة صلاحياته لحقن الدماء ومنع الاعتداء على الحرمات وبخاصة الأنفس والأموال، وتبرز في المقدمة مسؤولية رئيس الجمهورية بوصفه رمز وحدة الوطن، ويسهر على مصالح الشعب ويحافظ على العراق وأمنه واستقلاله وسيدته وسلامة أراضيه، وهو حامي الدستور المتضمن كفالة الحقوق والحريات، والى جواره مجلس النواب المؤتمن على الإرادة الشعبية وحامي مصالح الشعب كما يفترض، وعين المواطن على الحكومة وأدائها والقاضي الذي يحاكمها ان جنحت نحو الاستبداد والاستهتار بأرواح وأموال الوطن والمواطن، فمن الجرائم التي ارتكبت بحق المواطنين العزل بمرأى ممن تقدم ذكرهم:

1- جرائم القتل العمد والخطأ والشروع بالقتل (المجرمة بموجب المواد 405 إلى 411 من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل).

2- جرائم الضرب والجرح (الاعتداء) المفضي إلى عاهة مستديمة أو المفضي إلى الجروح والحروق والكسور وغيرها(المجرمة بموجب المواد 412 إلى 416 من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل).

3- جرائم الخطف وتقييد الحرية والاعتداء على المغيبين بالقوة وبلا أوامر قضائية (المجرمة بموجب المواد 421 إلى 427 من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل).

4- جرائم انتهاك حرمة المساكن وإرهاب ساكنيها (المجرمة بموجب المواد 428 إلى 429 من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل).

5- جرائم التهديد والتخوين وغيرها (المجرمة بموجب المواد 430 إلى 432 من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل) وهذه بعض صور الجرائم التي ارتكبت خلال هذه الفترة وتستدعي بالتأكيد تحريك مسؤولية الحكومة على أقل تقدير، نعم نحن لا نصدر الأحكام المسبقة ونقول هم من أرتكب هذه الجرائم بل نقول هم متهمون بنظر الشعب والمجتمع الدولي وعليهم الذهاب إلى ساحة القضاء العادل إما لينالوا جزاءهم العادل إن كانوا مرتكبين لهذه الأفعال، أو لتثبت براءتهم ويحدد المسؤول عن هذه الجرائم لينال جزاءه الأوفى، مع الأخذ بنظر الاعتبار أحكام قانون العقوبات المتعلقة بالاشتراك الجنائي أي المواد (47-49) فكل من ساهم في ارتكاب الجريمة بإصدار الأوامر أو ارتكب جزء من الأفعال المادية المكونة للجريمة أو حرض أو ساعد أو اتفق مع الجناة أو حضر إلى محل الحادث ولم يتدخل لمنع ارتكاب الجريمة فهو جاني أي شريك يستحق العقوبة ذاتها التي توقع على الفاعل.

وفيما يخص كبار المسؤولين وفي مقدمتهم (رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء الأمنيين كل من وزير الداخلية أو الدفاع أو الأمن الوطني وغيرهم) فمن الممكن مساءلتهم حال ثبتت على أي منهم ارتكاب أي فعل من الأفعال المتقدمة، وهنا يبرز دور البرلمان بوصفه المؤتمن على الإرادة الشعبية وتقع على كاهل أعضائه جميعاً بوصفهم ممثلين عن الشعب العراقي جميعاً كما عبرت عن ذلك المادة (49) من الدستور مسؤولية تحريك الرقابة على الأذرع التنفيذية ومنع استبدادهم بالسلطة والعدوان على المواطنين، فلاشك ان ثبت عليهم إصدار الأوامر بالقتل والترويع والاختطاف فهم ارتكبوا فضلاً عن الجريمة الجنائية جريمة سياسية تتمثل بـ:

أولاً: ارتكاب جريمة (انتهاك الدستور)، أوليس الدستور يأمر بالمادة (9) بأن لا تستخدم القوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي لغرض قمع الشعب فمن أصدر الأوامر فقد انتهك هذا النص الآمر.

ثانياً: ارتكاب جريمة (الحنث باليمين الدستورية) ودليلنا المادة (50) من الدستور المتضمنة اليمين الدستورية وأحد فقراته التي يقسم اليمين بصيانتها هي(الحريات العامة والخاصة، ورعاية مصالح الشعب) فهل من مصلحة الشعب قتل العزل وترهيبهم؟ وهذه الجريمة مصداق لها المادة (15) من الدستور التي ضمنت للعراقي الحق بالحياة والحرية والأمن وكل هذه المفاهيم قد انتهكت.

ثالثاً: الخيانة العظمى: فقد رشح إن بعض السياسيين والمسؤولين سمحوا بشكل وبأخر بتمرير مخططات إقليمية تهدف إلى ركوب موجة التظاهر وإفشالها من الداخل بوسائل أقل ما يقال عنها إنها دنيئة فمن يسمح بمرور صفقة قنابل غاز قاتل تزن الواحدة منها نصف كيلو غرام وتحتوي على مواد محرمة فهو يخون الوطن ويضع يده بيد الأجنبي ولابد من عزله من منصبه وتقديمه إلى العدالة.

وان كان مجلس النواب ينتظر الأدلة فان وسائل التواصل الاجتماعي تفصل بالمقاطع الحية التي تنقل معاناة الشباب في ساحات الاعتصام، أما الإجراء واجب الإتباع فهو أحد الطرق الآتية:

1- عقد جلسة طارئة لمجلس النواب يدعو لها رئيس الجمهورية استناداً لأحكام المادة (58) من الدستور والتي منحت كل من (رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ورئيس الحكومة ولخمسين عضوا الحق بالدعوة لعقد جلسة استثنائية لمناقشة موضوع طارئ)، ومن ثم يصار إلى التصويت على سحب الثقة من الحكومة ولا يحتاج الأمر إلى استجواب حسب ما نصت عليه المادة (61/سابعاً).

2- أو ان (25) عضواً من أعضاء مجلس النواب الحقيقيين ممن يمثلون الشعب يطلبون استجواب رئيس الحكومة ويؤيد طلبهم (25) عضوا حقيقياً أخر ليكتمل العدد المتطلب للدعوة لجلسة استثنائية، ومن ثم يصار إلى التصويت على سحب الثقة من رئيس الوزراء استناداً لأحكام المادة (61/سابعاً).

والسبب في دعوتنا لعقد جلسة استثنائية ليسقط القناع عن النواب المتخاذلين عن نصرة الشعب، ولا يستطيع أحد ان يتحجج بأنه مقاطع للمجلس أو علق عضويته لأن الجلسة ليست عادية بل استثنائية، بشرط نقلها على الهواء مباشرة مع نشر تحديث بأسماء النواب الحاضرين حسب محافظاتهم وتحديد المتغيبين منهم، ليطلع الرأي العام على ذلك.

3- أو أن يصار إلى الطريق الآخر وهو (( اتهام رئيس الحكومة أو وزراءه أو جميعهم بحسب الأدلة المتوافرة بالجرائم أعلاه (الخيانة العظمى، الحنث باليمين، انتهاك الدستور) والتصويت داخل مجلس النواب على قرار الإتهام بالأغلبية المطلقة لعدد مجلس النواب أي نصف العدد الكلي مضافاً إليه صوت واحد ليحالوا على المحكمة الاتحادية لتحقق معهم وفي حال أدانتهم المحكمة بأحد هذه الجرائم استناداً لأحكام المادة (93/ سادساً) والتي حددت اختصاصات المحكمة ومنها ((الفصل في الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء)) وليس من بعد ذلك للمحكمة ان تتحجج بأن البرلمان لم يصدر قانون ينظم هذا الاختصاص فالدستور بين في المادة (61/ سادساً) هذه الجرائم وبين الجهة التي تتهم والتي تحقق فان امتنعت المحكمة سيتبين للرأي العام رأيها وتكون في موقف حرج، فهي بالأساس لم يصدر قانون تشكيلها بعد بسبب تقصير مجلس النواب وليس لها ان تعتذر كما فعلت سابقا العام 2017 بعدم صدور مثل هذا القانون فقانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 قد بين الإجراءات مفصلاً، وفي حال إحالة أي من المتهمين إليها لاسيما رئيس مجلس الوزراء ستتحول حكومته إلى تصريف الأعمال وتسحب يده من إدارة الحكومة ويحل محله رئيس الجمهورية بموجب المادة (81) وعندها يمكن ان يتقدم باستقالة الحكومة أو يصار إلى حل المجلس النيابي والدعوة إلى انتخابات جديدة وبهذا نستجيب لمطالب الشعب ويبقى صوت الشعب عالي ولا يعلى عليه.

.......................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

انقر لاضافة تعليق