"من أصعب الصعوبات توضيح الواضحات" كلمة قالها العرب قديما عن صعوبة الأشياء التي تحتاج الى تفسير بينما هي واضحة كالشمس في رابعة النهار ومع هذا يطالبك الاخرون بتفسيرها وشرحها وسوق الأدلة والبراهين على وجودها، ولعل سؤال تكريم الإسلام للإنسان وحفظ حقوقه واحترامه يندرج في هذا السياق.

ان ما صدح به سيد البلغاء الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) في عهده الخالد الى مالك الاشتر يعتبر القمه في تبيان رأي الإسلام الواضح والصريح في حفظ حقوق الانسان وصون كرامته، بعد كلام الله (عز وجل)، وفيه يقول: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك، وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم)، ويكفي ان يتفحص أي انسان كلماتها ليعرف مقدار عظمة الإسلام الذي لم يفرق اخ الدين عن اخ الإنسانية في الحقوق والتسامح والعفو.

اما المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي فيشير الى امر بالغ الأهمية في معرض استشهاده بالآية الكريمة من قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)" (الاسراء :70)، قائلاً: "فإن من أهم الأمور التي أكد عليها الإسلام تأكيداً بالغاً، هو احترام الإنسان بما هو إنسان، مع قطع النظر عن لونه ولغته وقوميته ودينه ورأيه، فالإسلام يؤكد على احترام كل الناس حتى إذا كانوا كفاراً غير مسلمين، لأن الإنسان بما هو إنسان محترم".

فالأصل في الإسلام هو احترام الانسان (بني ادم) لان الله (عز وجل) قد (كرمه وفضله) على الكثير من خلقه، والتكريم والتفضيل لكل البشرية يستلزم حفظ كرامتهم وحقوقهم وحرياتهم بغض النظر عن اللون او اللغة او المعتقد او القومية او المذهب او الانتماء، وهو ما أشار اليه السيد الشيرازي بالقول: "إن الأصل في الإنسان الاحترام والتقدير، بغض النظر عن مكانته ومقامه، وبغض النظر عن دينه ومذهبه، وبغض النظر عن عرقه ولونه ولغته".

الأصل والتطبيق

من اهم العوامل التي أدت الى اثارة الشبهات حول عدم احترام حقوق الانسان في الإسلام او التقليل من شأنها، خصوصاً لغير المسلمين، هو ترك (الأصل) والتركيز على (التطبيق) المشوه لمن يدعي انه يطبق تعاليم السماء وهو في حقيقة الامر بعيد عنها كبعد الأرض عن السماء.

والحقيقة الواضحة للمطلع المنصف ان هناك فرقاً شاسعاً بين الإسلام الذي حفظ كرامة اعداءه ولم يتعرض لهم بسوء، وبين الحكومات التي تدعي اسلامها وهي تعلق مواطنيها المسلمين على اعواد المشانق لأنهم اختلفوا معها في الرأي.

والفرق واضح ايضاً، بين الإسلام الذي حفظ الأوضاع المالية والاجتماعية وغيرها للمنافقين والمشركين ولم يفضحهم او ينكل بهم، حالهم في ذلك حال باقي المسلمين، وبين من يوزع المناصب والأموال والهبات على أساس الولاء او الحزب او القرابة.

بهذا وبغيره استطاع الإسلام ان يدخل قلوب الأعداء قبل الأصدقاء، ويكسب حب واتباع الملايين والملايين في مشارق الأرض ومغاربها، والفضل في ذلك كما يقول السيد محمد الشيرازي: "إن سياسة الإسلام الإنسانية والحكيمة في احترام الناس وتقديرهم والرحمة بهم من أهم الأساليب التي ساعدت، وبشكل كبير، على انتشاره بين الناس وجلب قلوب الأعداء نحوه، حتى اليهود والنصارى والمنافقين، فجعلتهم يسلمون".

وقد عمل الحكام المستبدون على التستر بالدين الإسلامي والعمل خلاف تعاليمه السمحاء، بل وعمدوا الى نشر البغضاء والعداوة حتى بين المسلمين أنفسهم، وافتقاد الاحترام بين الناس، من اجل ان يسودوا على الرعية ويحكموا فيها كيفما اتفق لهم، وقد اكد الإمام الشيرازي على هذه الحقيقة بالقول: "أن أحد الأسباب التي أوجدت الاختلافات والتفرقات في مجتمعنا الإسلامي هو افتقاد الاحترام المتبادل فيما بين الناس، وهذا مما نهى عنه الإسلام أشد النهي، فإنه إذا لم يحترم زيد عمرواً في مكان ما فإن عمرواً سوف لا يحترم زيداً بعد ذلك، وهذا ممّا يدعو إلى افتقاد المحبة والألفة بين الناس"، بينما الحقيقة تركز على ان: "الإسلام ألزم كل شخص أن يحترم الآخرين، سواء في المجتمع الصغير أو الكبير، بدءا من العائلة والحياة الزوجية، حيث الزوج والزوجة، والوالدين والأولاد، وانتهاء بسائر الناس".

تاريخ مشرف

يقول السيد محمد الشيرازي: "لقد حفظ لنا التأريخ أحداثا ووقائع ومواقف مشرفة تحكي الأسلوب الإسلامي الحقيقي في مراعاة حقوق الإنسان كائنا من كان، مسلماً كان أو منافقاً، مشركاً كان ذلك الإنسان أو كافراً، وقد تجسد ذلك بأعظم صورة من خلال الحياة الشريفة وأسلوب المعاشرة التي كان يتبعها الرسول الأعظم (صل الله عليه واله وسلم) وأمير المؤمنين(ع) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) مع كل الناس".

لكن هل يكفي ان نتذكر التاريخ المشرف الذي سطره لنا عمالقة الإسلام الأوائل من دون ان نحاول تغيير واقعنا الحالي الذي ابتعد كثيراً عما كان عليه في بدايات الرسالة الإسلامية... بالتأكيد نحن نحتاج الى وقفه حقيقية مع أنفسنا لمراجعة الأسباب التي اوصلتنا الى ما نحن عليه اليوم، ولماذا تركنا ما دعا اليه الإسلام من قيم ومبادئ خلف ظهورنا وتبعنا الحكام والسلاطين المستبدين وتنازلنا بإرادتنا عن حقوقنا وحرياتنا وتكريمنا وتفضيلنا التي كفلها لنا الله (عز وجل) وصانها لنا الإسلام؟

ويطلق السيد الشيرازي حسرة الم كبيرة عن هذا الضياع الكبير بالقول: "فما أحوجنا اليوم إلى هذه المبادئ الحقة التي جاء بها رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) لـهداية الناس وإعادة الأمن والسلام في كل العالم، بعد أن أصبح الإنسان أرخص شيء في هذه الدنيا، وما أحوجنا إلى إتباع سيرة الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في التعامل مع الأعداء والأصدقاء، كي نتمكن من أن نرفع راية الإسلام عالية في كل مكان".

التوصيات

إذا أدركنا حقيقة ان الإسلام بريء من كل ما فعله ويفعله المستبدون وكل الدكتاتوريات التي حكمت وتحكم باسم الإسلام وهو منها براء، فان الطريق الى استيضاح الواضح يصبح سهلاً يسيرا من خلال العودة الى جذور (الأصل) بعيداً عن زيف (التطبيق).

ويمكن من خلال العمل على الاتي:

1. التأليف والكتابة والنشر في مجال حقوق الانسان والحريات وحماية الانسان في ظل الإسلام من اجل تبيان الحقيقية التي حاول الاستبداد طمس معالمها.

2. إقامة الورش والندوات والمؤتمرات والحوارات مع منظمات حقوقية عالمية وإقليمية حول الحقوق والحريات الفردية للإنسان والمجتمع في ظل حكم الإسلام للتعريف بها ورفع ما اشتبه على الاخرين حولها.

3. تأسيس المراكز البحثية الإسلامية التي تعنى بمجال حقوق الانسان في ضوء تعاليم القرآن الكريم وما جاءت به شريعة الإسلام السمحاء، مع الاستعانة بخبراء في مجال حقوق الانسان للبحث والكتابة والمناقشة والتأليف.

4. الاهتمام بالإعلام المرئي والمسموع والمكتوب والاستعانة به في نشر فضائل الإسلام في تكريم الانسان وحفظ حقوقه وكفالة حرياته العامة والخاصة وغيرها من المواضيع ذات الصلة.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2019Ⓒ
http://shrsc.com

..............................
المصادر
1. القرآن الكريم. 2. نهج البلاغة
3. احترام الانسان في الاسلام/ الامام محمد الشيرازي (رحمه الله)
3. شبكة النبأ المعلوماتية. 4. ويكيبيديا.

انقر لاضافة تعليق