غالبا ما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي هو مايشير الى الظلام في المجتمع العراقي بلدا وشعبا، فلايكاد الضوء يُرى، لذا سنطل عليكم بين وقت وآخر ببعض مشاهداتي ومعايشاتي الإنسانية والصحفية راصدة الضوء في المجتمع، لغايتين: الاولى تعميم ثقافة الإنسانية الحقيقية الناتجة عن حسن التربية عسى أن تؤثر في الآخرين وتتسع مساحة الضوء، والثانية تقديم صورة إيجابية إعلاميا عن حالات غير موثقة بالفيديوات، ذلك أنّ كثيرين يفضلون تقديم الخير سراً. الشيء الذي نريد توصيله أيضا هو الانتباه الى تفاصيل دقيقة في التصرفات تدل على رُقي أصحابها ممن تربوا جيدا في بيوتهم وحياتهم، ولايحتاجون الى قانون يلزمهم بفعل الأمور الصحيحة ولكن أينما وجد القانون سيلتزمون به برحابة صدر، مع أنه وجد لمن لايمشي على الصراط المستقيم من تلقاء نفسه، وأمام القانون يقف الجميع سواسية، او هكذا يفترَض.

الطيبون الواعون الملتزمون موجودون لكنهم ليسوا في السلطة وغير مسنودين من جهة مسلحة كي تكون كلمتهم مسموعة، وإن وجد منهم في السلطة جوبه بالعوائق بسبب المنظومة السياسية الفاسدة. ومانقدمه هنا حالات ومواقف يقوم بها تطوعاً، مواطنون، ليسوا أغنياء، في وقت يفترض بالحكومات القيام بها :

ـ موظف يطلب من دائرته أن تقرضه مبلغاً كبيرا كي يعالج ابنه، ولأنّ الاقتراض غير مسموح به وفقا للقانون الإداري الذي تعمل به الدائرة، يبادر الموظفون الى التبرع، مدير الحسابات يسلم المبلغ الى الموظف المعني، فيعترض قائلا إنه لايريد مساعدة وإنما دَين تقوم الدائرة باستقطاعه شهريا من راتبه، مدير الحسابات يكذب عليه من باب الإنسانية حتى يقتنع ويتسلم المال حين يقول نعم هذا المبلغ قرض وسنقتطعه من راتبك كل شهر على شكل أقساط.

ـ امرأة حين انتهت من شرب العصير في السيارة وضعت العلبة الفارغة في حقيبتها، سألتها صديقتها : لماذا وضعتها في الحقيبة ؟ أجابتها قائلة كي أرميها في سلة النفايات في البيت، قالت اعطني إياها، أرميها بدلاً عنك من الشباك إذا كنت متحرجة من رميها بنفسك، ردت عليها : لا. أنا ارفض رمي النفايات عشوائيا. فقالت صديقتها : الجميع يرمي الأزبال في الشوارع (هي بقت عليج)؟ قالت : حتى لو أنّ الجميع يرمي، أنا لن افعل، وليس الجميع يرمي بل البعض. هناك أناس راقون بيننا، لانرى نظافتهم مثلما نرى وساخة آخرين ونعممها.

ـ فريق تطوعي يقدم خدماته مجانا، يعمل على إعمار مئات المنازل التي يقطنها فقراء.

ـ رجل وهو يمشي في الطريق صباحا يسمع طفلة تقول لمسن تمشي معه إنها جائعة، ويبدو من مظهريهما أنهما فقيرا الحال، الرجل يسارع الى شراء شطيرة للطفلة ويقول لها تناوليها الآن.

ـ مواطنون كادحون، من النخبة وغير النخبة، يتقدمون بالمساعدات المالية والعينية بشكل فردي او على شكل حملات جماعية، الى متعففين، صمتاً وبهدوء ومن غير ضجة تصوير على فيس بوك. نجد هؤلاء الطيبين يقدمون تلك المساعدات وهم يمرون بأفران الصمون والأسواق والمطاعم والمستشفيات، لايتوانون عن تقديم المساعدة الى شخص محتاج. وهم يتابعون أيضا حملات الاستغاثة التي تنشر في فيس بوك او القنوات الفضائية، ويسارعون للاشتراك بها.

ـ موظفة تحسب لها دائرتها مبلغاً بالخطأ فوق راتبها، فتعيده مع أن المبلغ يكفي ليسد إيجار بيتها.

ـ مثقف كلما صعد في سيارة أجرة او سيارة نقل عام يعمل على نصح السائق لاسيما إذا كان شابا بنبذ التصرفات غير المتحضرة، ووفقا للحالة التي تحصل أمامه. ردود الفعل عليه غالبا ماتكون إيجابية، مع الإشارة الى أن بعض الشباب ردوده وقحة، لكن الأعم أن النصيحة تقابل بالقبول.

ـ امرأة من خلال عملها في المحاكم، تعرفت على حالات صعبة لنساء، فوفرت لهن مصدر رزق بشراء أدوات إعداد الخبر من أفران وقناني غاز وطحين كي يقمن بجني الرزق من خلال بيع الخبز. هذه المرأة تكفلت أيضاً قبل سنتين بتوفير احتياجات أربعين عائلة نازحة تسكن الخيم، من الطعام والدواء والآثاث والأغطية على حسابها الخاص وحساب أهلها، هذا الى جانب دورها في نصح وإرشاد النساء والأطفال عبر عملها وبيتها.

ـ امرأة تلبي نداء احدى الفرق التطوعية للتبرع ببطانيات للنازحين، ولأن ّوضعها الصحي لم يسمح لها ببذل جهد جسدي يتطلبه تنظيفها، أخذت مجموعة من بطانياتها الى محل متخصص بتنظيفها ودفعت أجرا لقاء التنظيف وقامت بتعطيرها وتقديمها للفريق احتراما للنازحين.

ـ عائلة تبادر الى رفع أنقاض متراكمة عند بيت جيرانهم الذين هجروه بسبب وفاة ابنهم، رفعتها حتى لاتكون مكبا للنفايات، ودفعت لقاء ذلك من مالها الخاص، ولم يعلم أهل البيت بهذه المبادرة.

ـ امرأة تغيث قطة تعرضت قدمها للكسر بسبب حادث دعس، تأخذها الى حديقة بيتها وتداويها وتقوم بإطعامها اللحم وترعاها الى أن تشفى. هذه المرأة معروف عنها عطفها على القطط والكلاب التي تمر بمنطقتها.

ـ امرأة تحرص كل يوم على وضع صحون مليئة بالماء على سطح دارها كي ترتوي الطيور منها في الصيف اللاهث.

ـ والدة تلميذ تقوم بالتبرع بطلاء وتزيين صف دراسي ينتظم فيه ولدها.

ـ مواطنون يتبرعون بالمال لشراء كارفان لغرض إيواء احدى المشردات فيه.

ـ امرأة تتكفل برعاية ابنة شقيقتها المتوفاة وتقدمها للمجتمع على أنها ابنتها حتى لاتشعر البنت بالنقص، وثانية تمتنع عن الزواج حتى تتفرغ لرعاية ابنتي شقيقتها الغائبة وتنفق عليهما أكثر مما تنفقه على نفسها، وثالثة تتطوع لرعاية ابن أختها المصاب بإعاقة عقلية وحركية وتعامله بصفة ابن لها، وهي سعيدة برعايته.

ـ مجموعة صديقات تفرقن جغرافيا منذ سنوات طوال وجمعهن فيس بوك قبل مدة، علمن بإصابة صديقة، غائبة عنهن منذ وقت طويل، بمرض يمكن أن يحولها الى عاجزة حركيا إذا لم تجرِ عملية جراحية تكلفها الكثير، وهي لاتملك المال، فتكفلن بدفع أجور العملية، واستطعن بمبادرتهن إنقاذ صديقتهن.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق