ناقش مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات وضمن نشاطاته الفكرية الشهرية موضوعا حمل عنوان (تعدد السلطات كحل لأزمة الحكم في العراق)، بمشاركة عدد من مدراء المراكز البحثية، وبعض الشخصيات الحقوقية والأكاديمية والإعلامية والصحفية في ملتقى النبأ الأسبوعي الذي يعقد بمقر مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام.

قدم الورقة النقاشية وأدار الجلسة الحوارية الباحث في المركز الاستاذ جميل عودة حيث ابتدأ حديثه قائلا:

"كباحثين وناشطين في مجال حقوق الإنسان والحريات السياسية نرى أن من واجبنا الوطني والإنساني أن ندلي برأينا بشأن عملية إصلاح النظام السياسي في العراق من خلال العمل على توسعة المشاركة في الحكم وإرساء حالة من الاستقرار السياسي والمجتمعي وأن نعمل على دعوة جميع أصحاب القرار وجماعات الضغط لوضع الحلول المناسبة قبل فوات الأوان، عسى أن تحظى دعوتنا هذه وأفكارنا بالقبول والاستحسان لدى صناع القرار السياسي في هذا البلاد، ولابد لهم من العمل على الفعاليات المطلوبة في صنع القرار السياسي وأن يأخذوا بنظر الاعتبار ما يأتي:

1. تمثيل الشعب والمجتمع بشكل أفضل في نظام الحكم؛

2. توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في الحكومة؛

3. إحراز رضى عامة الناس بأعلى صورة ممكنة؛

4. إيجاد التوازن بين السلطات، وبين الكمية والكيفية-كمية آراء الناخبين، وكيفية المنتخبين، أو الفاعلين في قرارات الدولة، وصولا إلى قرار الحق، وشمول العدل للناس كافة.

تعد مشكلة الحكم والحكومة من أهم المشكلات البشر على الإطلاق (قديما وحديثا) فأينما كان هنالك تجمعات بشرية ظهرت الحاجة إلى وجود حكومة تتولى إدارة شؤون هذه التجمعات البشرية والمحافظة على عيشها وأمنها واستقرارها. وقد تدار هذه الحكومة من قبل شخص واحد هو (الحاكم، أو الأمير، أو الملك، أو الزعيم، أو الرئيس، أو رئيس الوزراء...) أو تدار من (عدة أشخاص، أو من عائلة واحدة، أو من حزب واحد، أو من طائفة واحدة، أو من تكتل سياسي واحد...).

وفي الغالب؛ نتج عن وجود حاكم واحد، أو مجموعة من طيف واحد تحكم المواطنين الآخرين، وتتحكم في قدرات المجتمع وإمكاناته البشرية والمادية مصادرة للحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمدنية لعامة المواطنين أو تجاهلها وتكريسها عند شخص واحد مستبد، أو عند جماعة مستبدة وظالمة وقاهرة.

وقد عبر الإمام علي (عليه السلام) عن استبداد أفراد قلائل بالحكم، وعن نتائج ذلك؛ بقوله: (وَتَدَبَّرُوا أَحْوَالَ الْمَاضِينَ مِنَ الْمُؤمِنِينَ قَبْلَكُمْ، كَيْفَ كَانُوا فِي حَالِ التَّمحِيصِ وَالْبَلاَءِ. أَلَمْ يَكُونُوا أَثْقَلَ الْخَلاَئِقِ أَعْبَاءً، وَأَجْهَدَ الْعِبَادِ بَلاَءً، وَأَضْيَقَ أَهْلِ الدُّنْيَا حَالاً.

اتَّخَذَتْهُمُ الْفَراعِنَةُ عَبِيداً فَسَامُوهُم سُوءَ الْعَذَابِ، وَجَرَّعُوهُمُ الْمُرَارَ، فَلَمْ تَبْرَحِ الْحَالُ بِهِمْ فِي ذُلِّ الْهَلَكَةِ وَقَهْرِ الْغَلَبَةِ، لاَ يَجِدُونَ حِيلَةً فِي امْتِنَاعٍ، وَلاَ سَبِيلاً إِلَى دِفَاعٍ...)

ومع تقادم الأيام والسنين؛ عرفت الدول الحديثة مبدأ (الفصل بين السلطات) كمبدأ سياسي للحكم، وهو يقوم على أساس فصل السلطات الرئيسة الثلاث للحكم: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، بعضها عن بعض، والدافع الرئيسي لظهور هذا المبدأ السياسي هو التخلص من ظاهرة الاستبداد الذي يترتب على تركيز السلطات في يد واحدة أو هيئة واحدة. وعلى أساس مبدأ (الفصل بين السلطات) جرى توزيع السلطة والصلاحيات على هيئات متخصصة، لكل منها مهمات محددة، وتنسق هذه الهيئات فيما بينها لإدارة السلطة من دون أن تتدخل في شؤون بعضها بعضا.

إلا أن مبدأ (الفصل بين السلطات الثلاثة) وإن كان خطوة إلى الإمام لتفكيك الاستبداد عبر تفتيت السلطة وتقسيمها إلى السلطات الثلاثة، لكن هذه الخطوة ليست كافية ابدأ، نظرا لامتلاك السلطة التنفيذية قدرات هائلة جدا، حتى بعد فصل القوة القضائية والسلطة التشريعية عنها، وامتلاك الأخيرة صفة الرقابة على السلطة التنفيذية، إذ تتمركز في أيدي السلطة التنفيذية عمليا كافة أدوات القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية والعلمية وغيرها، كالجيش والشرطة والمخابرات، وكالضرائب والثروات الطبيعة والصناعات، وكالخارجية والداخلية، والكهرباء والماء والطاقة، وكالتعليم والتربية والإعلام والثقافة. وتمركز القوة في أيدي السلطة التنفيذية أكثر وضوحا في الأنظمة الرئاسية وشبه الرئاسية.. إضافة إلى التفاف السلطة التنفيذية على البرلمان والقضاء، أو تضليل النواب والقضاة أو شراء ضمائرهم لم يعد صعبا على الحكومات، بل أصبح امرأ واقعا حتى في الحكومات الديمقراطية.

لذلك كله، فان نظرية الفصل بين السلطات الثلاثة، لم تعد تعطي حلا شاملا لكل المشكلات السياسية والاجتماعية المعاصرة، وأصبحت قاصرة عن حل المعضلات الحقيقية. كما لا تتكفل الانتخابات في كثير من الأحيان بتمثيل الأكثرية حقيقة، سواء في أصل انتخاب الممثلين في مجلس النواب، أم بعد ذلك في عملية تأليف الحكومة، وذلك للأسباب الآتية:

1. ضعف نسبة المشاركة في الانتخابات: ليس البرلمان في واقعه الخارجي، ولا رئيس الجهورية المنتخب ممثلا لكل الشعب، وذلك واضح في الدول الديمقراطية كافة. حيث نجد نسبة المشاركة في انتخابات البرلمان أو رئاسة الجمهورية لا تبلغ عادة عتبة الـ 80% أو الـ 90%، في أحسن فروضها، بل قد تكون فوق الـ 50% بقليل أو حتى تحت الـ 50% وهذا يعني أن 10% من الشعب إلى 50% أو أكثر أو أقل لا يمثله البرلمان، ولا رئيس الجمهورية، أو رئيس الوزراء، فكيف تكون قراراته نافذة عليهم؟

قد يقال إن من يهمل حقه في التصويت يسقط حقه؟ لكنه مردود بان إهمال الحق لا يعني سقوطه أو إسقاطه. وكذلك فان الكثير من الناس لا يشارك في التصويت إهمالا، وإنما اعتراضا واحتجاجا على النظام السياسي. إذ يرى دورانه في حلقة مفرغة ولا جدوى منه بعد أن فقد ثقته بالعملية الانتخابية كلها لأسباب قد تكون وجيهة في كثير من الحالات.

2. تعذر المشاركة في الانتخابات: إن هنالك الكثير من الناس ممن يتعذر عليهم إبداء الرأي والمشاركة، إما لعذر تكويني، أو لسبب تقني، وذلك مثل الكثيرين ممن يعيشون في بلد لا يحملون جنسيته، فان القوانين تنطبق عليهم، مع أنهم لا رأي لهم فيها. وذلك مخالف لحقوق الإنسان، وهو تمييز مرفوض.

3. الانتخابات في حقيقتها حكم الأقلية لا الأغلبية: إن الأنظمة التمثيلة، وإن كانت تقوم نظريا على أساس الحكم للأغلبية، فأنها في الواقع لا تحقق ذلك، بل إن الحكم عمليا يؤول في النهاية إلى أقلية لا إلى الأغلبية. حيث إن جميع الديمقراطيات التمثيلة لا يشترك جميع أفراد الشعب في العملية الانتخابية، بل فقط جزء منهم. ولو فرضنا أن هذا الجزء يمثل غالبية الشعب، فان البرلمانين الذين يختارهم الشعب سينقسمون إلى فئتين غالبية حاكمة، وأقلية معارضة. والقرارات المتخذة من قبل الأغلبية الحاكمة تتخذ بأغلبية الحاضرين من نواب الغالبية الحاكمة، ومن ثم فان الدراسات والإحصاءات تدل على أن القرارات التي يُلزم بها جميع أفراد الشعب، ليست صادرة سوى من أقلية.

4. إن وجود الأحزاب السياسية أصبح لازما للديمقراطية التمثيلة. وهذه الأحزاب بشكلها الحالي تعمل على انحراف الديمقراطية عن مسارها الصحيح. فهذه الأحزاب ليست إلا مؤسسات انتخابية لا هدف لمناصريه سوى الوصول إلى السلطة، ولو عن طريق اتخاذ مواقف لا تتفق مع المصلحة العامة. كذلك فان هذه الأحزاب مسيطر عليها من قبل الزعماء، وعليه، فان وصل الحزب إلى السلطة، يعني أن الذي يحكم هو فئة قلية تمثل الحزب، وبالتالي نصل إلى حكم الأقلية أيضا.

5. ضغط الجماعات الداخلية والخارجية: في كل دول العالم، لاسيما في الدول الديمقراطية، هنالك جماعات (لوبيات) ضاغطة على أصحاب القرار، وهي كثيرا ما تأخذ أكثر من حجمها في التأثير على سياسة الدولة الاجتماعية أو الاقتصادية أو العسكرية أو غيرها مما يسبب خللا في العلمية الديمقراطية، وكذلك الشركات العابرة للقارات فإنها تمارس ضغوطا ممنهجة على الحكومة، وعلى النظام كله ليتخذ سياسات تتماشى مع مصالحها الخاصة، وكذلك المافيات والمنظمات ذات الأهداف الخاصة، بل وبعض الشخصيات النافذة أحيانا.

6. سيطرة السلطة التنفيذية على مقدرات البلاد: إن مبدأ الفصل بين السلطات بحسب بعض الباحثين هو مبدأ وهمي، يصعب إن لم نقل يستحيل تطبيقه على أرض الواقع إذ سرعان ما تعمل إحدى السلطات بالسيطرة والتحكم في السلطات الأخرى. وبالتالي يصبح هذا المبدأ مبدأ نظريا فقط.

إن السلطة التنفيذية بلغت من القوة أكثر من الحد الطبيعي لها، لان كل أدوات السلطة الرئيسة هي بيدها، الجيش والشرطة والاستخبارات وغيرها، فضلا عن الوزارات السيادية ونظائرها، إضافة إلى تعاظم قدرتها بتعاظم مداخلها من الضرائب، ومن الثروات الطبيعية، كالنفط والغاز، ومن عائدات بيع الأسلحة وغيرها، هذا بالإضافة إلى أن بيدها شرابين الاقتصاد الأساسية كوزارة الزراعة والتجارة والصناعة.

7. زيادة التأثيرات السلبية على السلطات الثلاثة: إن أصحاب القوة في المجتمع طوروا أدوات وآليات خاصة للتحكم أو للتأثير بدرجة متفاوتة على السلطات الثلاث، حيث إن المرشحين كثيرا ما يخضعون لضغوط شديدة كي يرضخوا لشروط تضعها عليهم بعض المنظمات أو الأحزاب أو الشخصيات النافذة أو الممولين، بل إن كثيرا من المرشحين يستبعدون تماما من الترشيح إذ لا يحصلون على التمويل أو الدعم الكافي من منظمات أو شخصيات ذات أهداف معينة، رغم أنهم قد يكونون ممن يتمتع بشعبية كبيرة وكفاءة عالية. وبعد الوصول إلى قاعة البرلمان أيضا يخضع المرشح لضغوط كثيرة أو لمغريات منوعة من قيادات حزبية، ومن الجماعات الضاغطة، ومن الشخصيات النافذة.

وإن الرئيس المنتخب والوزراء وسائر التنفيذين والقضاء يخضعون لضغوط ممنهجة أو لمغريات منوعة من الدوائر القريبة المحيطة بهم: تشمل أعضاء الأسرة: الأبناء الزوجة، الأخوة، وسائر الأقرباء، ومن الخواص من الأصدقاء، فلم يعد خافيا على الناس التأثير الكبير الذي تتركه زوجة الوزير أو المدير (أو زوجها) أو ابنه أو احد اقرباه عليه، وقد ذكر ذلك الإمام علي عليه السلام هذا المعنى بقوله (وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَئُونَةً فِي الرَّخَاءِ وَأَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلَاءِ وَأَكْرَهَ لِلْإِنْصَافِ وَأَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ وَأَقَلَّ شُكْراً عِنْدَ الْإِعْطَاءِ وَأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ) هذا كله بالإضافة على الأهواء والشهوات التي تتحكم في شخصية المسؤول، والقوة الغضبية والحسد والحقد التي كثيرا ما تكون الباعث والحافز الأول لاتخاذ القرار.

وفي رأي السيد مرتضى الشيرازي أن السلطات الثلاثة، سواء كانت في النظام الرئاسي أو النظام البرلماني لم تعد تصلح لإدارة الدولة مع ما يحصل من تطورات سياسية واقتصادية واجتماعية وتقنية. وإنه لابد من حصول تمثيل حقيقي لغالبية أفراد المجتمع يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية، ورضا المجتمع ككل.

حيث يرى الشيرازي أن (تمثيل الشعب والمجتمع بشكل أفضل في نظام الحكم، وفي توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في الحكومة، وفي إحراز رضى عامة الناس بأعلى صورة ممكنة، وفي إيجاد التوازن بين السلطات وبين الكمية والكيفية-كمية أراء الناخبين، وكيفية المنتخبين، أو الفاعلين في قرارات الدولة- وصولا إلى قرار الحق، وشمول العدل للناس كافة، هو أن تكون السلطات عشرا لا ثلاثا، وأن يكون البرلمان مكونا من عشر برلمانيات متوازية، إضافة إلى عشر برلمانيات أخرى فرعية).

وبذلك يمكن بشكل أفضل الوصول إلى القواعد والأسس الثلاثة الإنسانية والعقلائية التي رسمها الإمام علي عليه السلام للحكومة العادلة المثالية (ولْيَكُنْ أَحَبَّ الأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ، وأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ) والدقيق في كلامه عليه السلام أنه لم يجعل المقياس (الحق) و(العدل) و(رضى الرعية) فقط، بل جعل ما هو الأدق من ذلك هو المقياس وهو (الأوسط في الحق) و(الأعم في العدل) و(الأجمع لرضى الرعية).

وبناء على ذلك، ولغرض معالجة كل هذه الإشكالات التي تحدث في الواقع السياسي في البلدان الديمقراطية التي تأخذ بنظام الفصل بين السلطات الثلاث، فان اللسيد مرتضى الشيرازي يقدم أطروحة جديدة لإدارة البلاد ترتكز على الآتي:

1. ضرورة إعادة هيكلة البرلمان، بحيث يتكون من عدة برلمانات، وليس من مجلس واحد أو من مجلسين، أي يكون البرلمان يتكون من عشر برلمانات أساسية وعشر أخرى فرعية.

2. ضرورة إعادة هيكلية الحكومة، بحيث تتوزع على عدة قوى بدون أن تتمركز بيد رئيس الجمهورية، أو رئيس الوزراء مع الوزراء، أو مع مجلس الوزراء (السلطات العشر).

3. تمثيل السلطتين التنفيذية والقضائية في البرلمان، بان تكون لكل منها غرفة برلمانية أو برلمان موازي بحيث يشكل البرلمان من عشر برلمانات متوازية.

ويخلص السيد مرتضى الشيرازي أن أطروحة (السلطات العشر والبرلمانات العشر) تحقق الآتي:

1. إن هذه الأطروحة تساعد على وجود الفصل المرن بين جميع هذه السلطات إلى حد ما وليس صلبا.

2. إن الأطروحة تنسج التوازن بين السلطات والتعاون بينها بطريقة فريدة غير مسبوقة لذلك تحتاج هذه الأطروحة إلى المساهمة الجادة من قبل المفكرين ومراكز الدراسات في دراسة نقاط قوتها وضعفها وترشيدها وتطويرها.

3. بحسب هذه الأطروحة يكون من الصعب إن لم نقل انه من شبه المستحل سيطرة إحدى السلطات على سائر السلطات إذ عملت الأطروحة على تجزئة السلطات اقصى حد ممكن مع آلية للتوازن بينها والتعاون مع بعضها.

4. في هذه الأطروحة تكون جميع المسؤوليات محددة بشكل واضح، ومجزئة إلى حد ما.

5. إن هذه الأطروحة تحول دون تعاظم قدرات السلطة التنفيذية، بل تقوم بتجزئتها إلى أقصى حد ممكن.

6. إن هذه الأطروحة تجعل من الصعب جدا إن لم يكن من المستحيل على أي حزب أن يسيطر على السلطة التشريعية أو غيرها".

وللاستزادة من الآراء والمداخلات حول الموضوع نطرح السؤالين الآتيين:

السؤال الأول/ إذا كان لابد من إحداث تغييرات جوهرية في البنية الهيكلية للسلطات الثلاثة؛ هل تعتقد أن أطروحة (السلطات العشر والبرلمانات العشر) يمكن أن تكون الحل الأمثل لضمان مشاركة شعبية أوسع في الانتخابات، وضمان تمثيل أوسع للفئات الاجتماعية في المؤسسات الحكومية؟.

السؤال الثاني/ ماهي الآليات والوسائل التي يمكن من خلالها إعتماد أطروحة (السلطات العشر والبرلمانات العشر) بحيث يكون غالبية الشعب العراقي وفئاته الاجتماعية ومؤسسات البرلمانية والحكومية تتبنى هذه الأطروحة، وتعمل على ترجمتها دستوريا وقانونيا؟.

المداخلات

الدكتور علاء إبراهيم الحسيني/ أستاذ جامعي وباحث في مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:

"الفكر الدستوري انتهى في تطوره الى ضرورة تقسيم السلطات العامة من بعد تقسيم السلطات ذهب الى مرحلة توزيع السلطات ومن بعدها ذهب الى مرحلة توزيع الاختصاصات لإيجاد حلول لمشكلة الديكتاتورية او الاستبداد او التعسف الذي عانت ويلاته الانسانية والبشرية عبر مراحل الحكم المختلفة، تقسيم السلطة هي المرحلة الاولى التي مررنا بها حيث قسمت السلطة الى تشريعية وتنفيذية وقضائية، وكان هذا في بداية كتابات الفقهاء عن ضرورة الانتهاء من الحكم المستبد الى الانتقال للحكم الديمقراطي، وجاءت تلك الحقبة من جون لوك وروسو وانتقلوا في مرحلة لاحقة الى توزيع السلطة اي ان السلطة التنفيذية يجب ان توزع بين اكثر من جهة (رئيس دولة وحكومة) والحكومة يجب ان يكون في داخلها هناك نوع من التوزيع.

كذلك في السلطة التشريعية ان يكون هناك اكثر من مجلس، مجلس أعلى ومجلس أدنى، مجلس شيوخ ومجلس نواب وغيره من المجالس وتوزع في داخلها السلطة التشريعية بين هذه المجالس، ثم انتقلوا في مرحلة للاحقة الى مرحلة تقسيم او توزيع الاختصاصات بمعنى في داخل هذه السلطة التي وزعت جاءوا الى توزيع الاختصاصات، فهنالك اختصاص على مستوى التشريع وكذلك اختصاص في اقتراح المشاريع والقوانين وهناك اختصاص بمناقشة هذه المشاريع او دراستها وهناك اختصاص نهائي الذي يتمثل بالتصويت على هذه المشاريع التي تتحول بعد ذلك الى قوانين، وتم نوع من المزاوجة في هذا الامر في ما بدأ نوع من التعاون بين السلطات حيث اشرك السلطة التنفيذية في جزء من الاختصاصات التشريعية، على سبيل المثال السلطة التنفيذية هي من بدأت تقترح مشاريع القوانين وهي من تصادق وتنشر القوانين وهي من تنفذها وحصل نوع من التشبيك بين هذة السلطات الثلاثة.

عندما نريد ان نتكلم عن البرلمانات العشر او السلطات الحكومية العشر اقول بالفعل نحن نحتاج الى مثل هذا الرأي في الوقت الحاضر على أقل تقدير فكلما وزعت السلطة ولم تتركز في يد جهة معينة كلما انتقلنا بالفعل الى الحكم الديمقراطي، او على اقل تقدير قلصنا من سلطة بعض الجهات والاحزاب وبعض الشخصيات المستبدة التي تميل الى الاستبداد، وان مجلس النواب كبير جدا من حيث العدد واجتماعاته دورية وبالتالي لا يمكن ان نسند اليه هذه السلطات المهمة والخطيرة وخصوصا في وجود هذه الحزبية والوضعية السياسية كذلك السلطة التنفيذية تحتاج الى تفتيتها وتفتيت السلطة يعني ان نفتت عصب السلطة وبالتالي تصبح سلطة ضعيفة وواهنة، ولكن الاجدر ان نوزع الاختصاصات على اكبر عدد ممكن من المستويات وان نقسم السلطة تقسيم جديد ومستحدث وهذا ما نحتاجه في العراق وهناك سلطات اتحادية ودونها التي دون الاتحادية هي سلطات اقليمية وسلطات لا مركزية ثم المحلية كل واحده من هذه السلطات تحتاج الى وضع اختصاصات حتى تتمكن من تلبية الاحتياجات وتقديم متطلبات الشعب".

الدكتور قحطان حسين طاهر/ باحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:

"السلطات العشر فكرة او اطروحة قد يتبادر للذهن صعوبة تطبيقها خصوصاً في شعب يعاني من الاشكاليات وقلة الوعي والانقسام والتعدد النوعي والطائفي، وان هناك اتفاق بين اغلب فئات النخبة الفكرية والثقافية والاكاديمية والباحثين على ان النظام السياسي الحالي اصبح هرم ولابد من تغييره او تعديله وهذا اصبح مطلب شعبي ومطلب ملح جداً، ونلاحظ بالتجربة الحالية وبالسلوك السياسي الحالي تحول النظام الى نظام برلماني مستبد واصبح البرلمان مستبداً وتجاوز الكثير من صلاحياته المرسومة بالدستور وفي القوانين النافذة، كذلك يجب اعادة ضبط هذا النظام بطريقة ما بحيث يكون العمل بالنظام الديمقراطي القائم على توزيع السلطات بين المؤسسات الثلاث، وان لكل نظام سياسي مقترح او مطبق حاليا سلبيات وايجابيات، واذا اتيح لنظام السلطات العشر ان يطبق هل سيكون هناك ضمانات بنجاح هذا النظام بما ان لدينا الواقع يؤشر فشل النظام القائم على سلطات ثلاث والسلطات الثلاث انتجت سلطات فرعية مرتبطة بها، ونرى مدى حجم الفساد والارباك والفوضى، فكيف سيصبح الحال اذا كان لدينا سلطات عشر، وفي حال اذا اريد لهذا النظام ان يؤسس ويعمل به كيف ستكون آلية التطبيق، وفي حال تم الاتفاق على هذا النظام ستكون الديمقراطية جانباً وحكم الاغلبية كذلك كما هناك صعوبة بالتوصل لاتفاق في ظل هذا الانقسام، اما ايجابيات هذا النظام فان السلطة توزع على الجميع والغاء الشعور بالإقصاء والتهميش من قبل فئات معينة شعرت طوال هذه المدة بأنها محرومة، وكذلك هناك ايجابية اخرى في هذا النظام وهو القضاء على الاستبداد".

الدكتور خالد العرداوي/ مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:

"السلطات العشر بهذه الاطروحة لا تناسب الوضع العراقي وان السلطة واحدة ولكن الهيئات متعددة، وان الفصل بين السلطات الثلاث يعتبر اساس للديمقراطية الحديثة والتي قامت على مبدأين وهما مبدأ التمثيل او النيابة ومبدأ الفصل بين السلطات، وعندما نتكلم عن اطروحة السلطات العشر كحل لأزمة الحكم في العراق وتعدد الهيئات معناه تطور في النظام الديمقراطي وان الفكر الديمقراطي هو فكر ميال نحو التطور، وان السلطات العشر تتناسب مع النظام الديمقراطي ويمكن تطبيقها في الدول الغربية اكثر من العراق لان العراق لم يستوعب الديمقراطية الى هذا اليوم، وعندما طبقنا الديمقراطية اعتبرناها مرادفة للفوضى، والعلاقة بين الهيئات هي علاقة غير واضحة ولا يزال الصراع على الحكم للحصول على المغانم وليس لبناء الدولة، وان فكرة الديمقراطية غير واضحة في العراق وان الاحزاب الاسلامية تعتبر الديمقراطية بدعة، وان ازمة الحكم في العراق تحتاج الى حكم اقرب للمركزية وليس بعيد عنها".

حيدر الاجودي/ باحث لدى مركز المستقبل للدراسات الستراتجية:

"ان فكرة السلطات العشر هي فكرة جديدة ومتميزة لأنها تأتي بعبقرية لإدارة الحكم في بلد ما، وان هذه النظرية فيها رؤيا لبناء جيل ما يسهم في بناء واستقرار مجتمع انساني وهذا المجتمع يتطور وينمو، وجاءت هذه النظرية للحد من قوة التركيز ومصادرة شخص او فئة او طبقة معينة للسلطة وجعلها متمركزة في يدها، والتي تهمش الاخر وهي ضد مبدأ الاستبداد ولابد من وضع دراسات موضوعية تشمل المجتمعات بما فيها الشعب والامة وتلامس فكرهم ثقافيا واجتماعيا ونفسياً، ولايأتي دفعة واحدة كما حصل في العراق بعد التحول الديكتاتوري الذي اصبح ديمقراطي، ونأمل ان هذه السلطات الثلاث تتحول الى عشر ولكن بمراحل متعددة فيجدر بنا وضع دراسات موضوعية لدراسة الشعب نفسياً واجتماعيا وثقافيا لهذه الفكرة وتطبيقاتها على ارض الواقع".

عدنان الصالحي/ مدير مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:

"ان تعدد السلطات في العراق اصبح جزء من المشكلة وليس جزء من الحل، رغم ان الاطلاع على نظرية السلطات العشر نجد فيها قمة في ادارة الدولة والديمقراطية كنظام ديمقراطي حقيقي لا كنظام تسوية للانتخابات، والاطروحة تتحدث عن دولة مستقرة تمتلك ايمان في الديمقراطية وفي تداول الحكم، والمشكلة في العراق ان اغلب نسب الانتخابات لم تتجاوز الـ٦٠٪ كأفضل نسبة، بالنتيجة ان هذه الاغلبية الصامتة لها ارادة ورأي، وان من يمارس الحكم لايؤمن بتطبيق الديمقراطية على ارض الواقع ولا يؤمن بنظرية التداول السلمي للسلطة حتى في داخل الحزب الواجد نفسه".

احمد جويد/ مدير مركز ادم للدفاع عن الحقوق والحريات:

"في اي وقت تحدث فيه الازمات يحضر المفكرون وفي الازمنة الماضية كانت السلطة سلطة الحاكم وتطورت هذه السلطة بفعل الفلاسفة والمفكرين وتم تجزئة السلطة الى سلطة تشريعية واخرى قضائية واخرى تنفيذية، ونشهد في البلدان تداول السلطات قبل السلطة التشريعية والتنفيذية وتنتهج نهجاً ديكتاتورياً في سلطاتها، وجاءت هذه النظرية لحل ازمة السلطة والحكم في العراق، كما في وجود السلطة الرابعة وهي سلطة الاعلام وكذلك سلطة المجتمع المدني وهي الخامسة وهكذا الى ان تصل السلطات عشر في العراق، وهذا يأتي بتوازن بين السلطات ولايمكن لجهة واحدة ان تنفرد في قرار مصيري يهم البلد ما لم يكن هناك موافقة من غالبية المجتمع".

المحامي صلاح الجشعمي/ مؤسسة مصباح الحسين للإغاثة:

"وجود كل دولة يتشكل من ثلاث عناصر الاقليم والشعب والسلطة حسب فهمي للنظرية كلاهما يدور حول كيفية ادارة السلطة، وقد عملت هذه الاطروحة او النظرية الى طرح شيء جديد لكيفية ادارة الدولة والسلطة وهذه الاطروحة موجهة لمنتجي السياسة والى النخب، وهذه فكرة جديدة وان كان هناك مقاربة في كيفية ادارة السلطة في سويسرا، والشعب العراقي لم يصل الى مستوى الثقافة الذي تجعله يتدخل في نظام الحكم والشأن السياسي فقد وجد الشعب من يفكر عنه دائماً في هذه الامور، لذلك نحتاج الى اعلام سياسي مستقل بلا قيد او شرط اضافة الى ترويج هذه الفكرة من خلال مشروع تقسيم هذه الاطروحة الى جانبيين نظام سياسي ونظام قانوني واستخراج نظرية سياسية لتطوير هذه النظام من خلال النضج الذي تتطلبه هذه النظرية، وهناك مخاوف لإضعاف وجود الدولة وترهيل السلطات بشكل افقي مما يكون وجود فوضوية بين السلطات، كذلك خروج قوة طائفية او عرقية مما يؤدي الى ضمور القوى السياسية".

وفي ختام الملتقى تقدم مدير الجلسة الباحث جميل عودة، بالشكر الجزيل والامتنان إلى جميع من شارك وأبدى برأيه حول الموضوع.

...........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2022
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
[email protected]
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق