يشكل الجاسوس الأميركي اليهودي السابق جوناثان بولارد محور خلاف بين واشنطن وإسرائيل، فقد أنهى عقوبته وأصبح حراً في مغادرة الولايات المتحدة، بعدما أعلنت وزارة العدل الأميركية الجمعة 20 نوفمبر 2020جوناثان جاي بولارد مواليد 7 أغسطس، 1954 في غالفيستون، تكساس هو جاسوس إسرائيلي، وهو أيضا محلل استخبارات مدني سابق في القوات البحرية الأمريكية واتُهم بولارد بالتجسس على الولايات المتحدة واستغلال منصبه لتسريب معلومات لصالح إسرائيل، تنازل بولارد عن الحق في المحاكمة في مقابل القيود المفروضة على الحكم تم الإقرار بأنه مذنب، وأدين لكونه جاسوسا لحساب إسرائيل وحكم عليه بالسجن مدى الحياة في العام 1986 نفت إسرائيل حتى العام 1998 أن يكون بولارد جاسوسا لحسابها، وفي العام 2008 منح الجنسية الإسرائيلية وفي يوم 20/11/2015 أُفرج عنه بعدما أمضى قرابة الثلاثين عاماً خلف القضبان.

أصبحت قضية بولارد، الذي أمضى ثلاثون عامًا وراء القضبان قبل إطلاق سراحه في عام 2015، من قضايا الرأي العام ونالت شهرة واسعة في إسرائيل التي منحته الجنسية في عام 1995 وظلت قضيته مصدر خلاف دام لعقود بين الحليفَيْن (أمريكا وإسرائيل)، تقول نيكول نافاس، المتحدثة باسم وزارة العدل الأمريكية في بيان للوزارة: "إن وزارة العدل أعلنت الجنة الإفراج المشروط في الولايات المتحدة قضَت بإنهاء إطلاق سراح جوناثان بولارد المشروط، ولم تعثر اللجنة، بعد النظر في قضيته، على دليلٍ واحد يخلص إلى أنه قد ينتهك القانون".

قصة بولارد

من حين لآخر تصعد من جديد إمكانية الإفراج عن اليهودي الأميركي الذي تجسّس لصالح الكيان، في حين تنفي الولايات المتحدة ذلك، ولكي نعرف من هو جوناثان بولارد، الرجل الذي يرفض الأميركيّون إطلاق سراحه، نتحدث في هذا الموضوع عن قصة الجاسوس الصهيوني جوناثان بولارد، أصبحت دعوات إطلاق سراح جوناثان بولارد مراسم تتكرّر كلّما تطلّب من دولة الكيان إطلاق سراح أسرى فلسطينيين، وفي كلّ مرة يزور رئيس حكومة الكيان واشنطن (وبالطبع أيضًا في الحالات النادرة التي يزور فيها رئيس أمريكي الكيان)، يذكّرنا بعض المسؤولين الصهاينة بأنّ الولايات المتحدة ما زالت محتفظة وترفض إطلاق سراح جوناثان بولارد.

ولد جوناثان جاي بولارد عام 1954 في ولاية تكساس، كان أبوه بروفيسورًا في علم الأحياء المجهري وأمّه ربّة منزل في وقت لاحق انتقلت الأسرة إلى إنديانا لم تكن عائلة بولارد في يوم من الأيام متديّنة جدًّا في إخلاصها لليهودية، ولكنّها حرصت على إبقاء اتصال لها باليهودية بل وبدولة الكيان عام 1970، زار بولارد الكيان الصهيوني للمرة الأولى، في معسكر لدراسات العلوم.

في سنّ 25 قُبِل بولارد للاستخبارات البحرية الأمريكية، بعد أن تمّ رفض طلبه للانضمام إلى صفوف وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (‏CIA‏)، لأنّ اختبارات جهاز الكشف عن الكذب الخاصة به كشفت عن وجود مشكلة في المصداقية لم يعلم الضبّاط الذين قبِلوا بولارد للعمل في الاستخبارات البحرية شيئًا عن أنه رُفِض للانضمام إلى خدمة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (‏CIA‏) في تلك الفترة تقريبًا، كان هناك تباعد معيّن في العلاقات الصهيونية الأمريكية على الرغم من الاتفاقات حول التعاون الاستخباراتي الواسع، فهم مسؤولون في الكيان أنّ الولايات المتحدة تمنعهم من الوصول إلى معلومات مهمّة حول أعدائها.

في الوقت الذي فهمت فيه دولة الكيان أنّ عليها تعزيز قبضتها الاستخباراتية في الولايات المتحدة، التقى بولارد عام 1984 مع أبيآم سيلع، وهو ضابط في سلاح الجو الصهيوني كان يمكث في الولايات المتحدة في إجازة دراسية عرض بولارد على سيلاع المساعدة، وعلى مدى العام الذي مرّ منذ التقائهما نقلت بينهما وثائق كثيرة وذات قيمة في كلّ يوم جمعة، كان يأتي بولارد إلى منزل خفيّ، وينقل الوثائق التي تمّ مسحها وإرسالها لإسرائيل بهذه الطريقة تمّ نقل مئات الآلاف من الوثائق.

استخدمت اسرائيل المعلومات التي نقلها بولارد كثيرًا ومن بين تلك الأمور، فقد استخدمت هذه المعلومات لإعداد أسلحة دفاعية ضدّ أسلحة الدمار الشامل لدى البلاد العربية بل ولعمليات هجومية، وكانت أشهرها قصف مقرّ منظمة التحرير الفلسطينية في تونس في تشرين الأول عام 1985. في الوقت نفسه، بدأ رؤساء بولارد بالشكّ فيه، حيث عُثر في غرفته على وثائق غير متعلّقة بمجاله بشكل مباشر بدأ وكلاء مكتب التحقيقات الفدرالي (FBI ‎) بتعقّب بولارد.

حين فهم بولارد بأنّ الخناق يضيق حول عنقه، اتّصل بزوجته، آن، بسرعة وطلب منها باستخدام كلمات رمزية جمع الوثائق السرّية التي في منزلهما "دخلت في توتّر كبير، لم أعرف ما ينبغي عليّ القيام به"، تحدّثت آن عن المحادثة الهاتفية مع بولارد لقد خبّأت الوثائق داخل حقيبة، وقامت بوضعها في قبو شقّة مجاورة بعد ذلك التقى الاثنان، وقرّرا الهرب معًا إلى سفارة الكيان في الولايات المتحدة.

ادّعى رونالد أوليب الذي كان أحد المحقّقين مع بولارد والذي ألّف كتاب "القبض على جوناثان بولارد"، في كتابه بأنّه حتّى وصوله إلى مدخل السفارة الإسرائيلية، لم يشكّ أحد أنّ بولارد يعمل لخدمة الاستخبارات الصهيونية جرّم بولارد نفسه بكونه على صلة مع الكيان فقط لدى ذهابه المفاجئ للسفارة، والتي طُرد منها، وذلك باعتراف من تلقاء نفسه بعد اعتقاله، طرد رجال السفارة الزوجين ولم يكونوا يعلمون بأنّ بولارد جاسوس، ولم يمكّنوهما من الدخول إلى السفارة تمّ إلقاء القبض على الاثنين وقُدّما إلى المحاكمة سلّم وزير الدفاع حينذاك، كاسبر وينبرجر، للمحكمة وثيقة من 46 صفحة تتضمّن تفاصيل الأضرار التي تسبّب بها الجاسوس حُكم على بولارد بالسجن مدى الحياة، بينما حُكم على زوجته بـ 40 شهرًا في السجن، تطلّقت خلالها من جوناثان خلال كلّ هذا الوقت، نفت اسرائيل أيّ علاقة مع الجاسوس المهمّ الذي خدمها.

تمّ رفض استئناف بولارد في المحكمة وخلال مدّة عقوبته، اكتشف بولارد من جديد قربه من الدين اليهودي وتاب وفي هذا الوقت تعرّف على زوجته الثانية، إستر، التي تعمل حتّى اليوم من أجل إطلاق سراحه، ولكن الكيان استمر بتجاهل بولارد، خوفاً من التسبّب بضرر آخر في علاقة الولايات المتحدة به، والتي تضرّرت على أيّة حال في القضية بل إنّ التنظيمات اليهودية في الولايات المتحدة مثل إيباك قد خشيت من إصدار أي كلمة دعم لبولارد، خوفًا من أن يصوّرهم الأمر كخونة.

في عام 1998 فقط، اعترف الكيان بأنّ بولارد تصرّف كعميل لها جاء في وثيقة رسميّة كتبها المستشار القضائي في مكتب رئيس الحكومة: "كان جوناثان بولارد وكيلا صهيونيا، وقد تعامل معه مسؤولون كبار في سلطة صهيونية مختصّة وعلى ضوء هذه الحقيقة تعترف اسرائيل بالتزامها تجاهه وهي مستعدّة لتحمّل المسؤولية الكاملة المترتّبة على ذلك".

في السنوات الأخيرة، بدأت تصدر في الولايات المتحدة حيث اعتبر بولارد في البداية جاسوسًا خطرًا، أصوات تطالب بالإفراج عنه قال وزيرا الخارجية السابقان جورج شولتس وهنري كيسنجر إنه يجب الإفراج عن بولارد، وكذلك الأمر نائب الرئيس السابق دان كويل بل إنّ المرشّح الرئاسيّ جون ماكين، الذي كان على مدى سنوات من كبار المعارضين للإفراج عنه، عبّر عن دعمه لإطلاق سراح بولارد ويأتي داعمو إطلاق سراح بولارد من صفوف الحزب الديمقراطي والجمهوري على حدّ سواء.

وكان التصريح الأكثر أهمية في هذا السياق من قبل رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (‏CIA‏) السابق، جيمس ولسي، الذي قال بأنّ عدم الإفراج عن بولارد نابع من معاداة السامية حسب تعبيره، فإنّ أفعال بولارد خطرة بالفعل، ولكن بعد مرور نحو ثلاثة عقود، حان الوقت لإطلاق سراحه وأضاف أنّ هناك جواسيس قاموا بجرائم مشابهة لصالح دول حليفة للولايات المتحدة، مثل جنوب كوريا واليونان، عوقبوا بأقلّ من ذلك، بحسب موقع المجد الأمني.

مصدر للخلاف بين أمريكا وإسرائيل

نشرت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية تقريرًا لإلين ناكاشيما، محررة الصحيفة لشئون الأمن القومي والاستخبارات، سلَّطت فيه الضوء على قضية جوناثان بولارد، الأمريكي المُدان بالتجسس لصالح إسرائيل في ثمانينات القرن الماضي، والذي قررت الولايات المتحدة مؤخرًا رفع قيود الإفراج المشروط عنه، وفي مستهل مقالها، تسرد الكاتبة قصة جوناثان بولارد قائلةً: أُدِين جوناثان بولارد، وهو محلل استخبارات مدني سابق في القوات البحرية الأمريكية، بالتجسس لصالح إسرائيل في ثمانينات القرن الماضي في واحدة من أكثر قضايا التجسس إثارة للجدل في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، والآن صار بمقدوره الانتقال إلى إسرائيل والعيش فيها بعد انتهاء الإفراج المشروط عنه الأسبوع الماضي.

وتروي الكاتبة قصة جوناثان بولارد والذي اعتُقل عام 1985، ووُجِّهت له تهمة نقل وثائق سرية إلى جهاز المخابرات الإسرائيلي، وكانت من بين الوثائق صور التُقِطت بالأقمار الصناعية لمقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس، والتي استخدمتها إسرائيل لتوجيه ضربات جوية على العاصمة التونسية فيما بعد. وقد اعترف بولارد في عام 1987 بذنبه في تهمة واحدة تتعلق بتزويد حكومة أجنبية بمعلومات سرية وحُكِم عليه بالسجن مدى الحياة.

وتابعت الكاتبة قائلةً: إن الحكومة الإسرائيلية والمتعاطفين معها في الولايات المتحدة ضغطوا على الإدارات الأمريكية المتعاقبة من أجل إطلاق سراحه، زاعمين أن مدة عقوبته كانت مُجحِفة ومبالغ فيها بالمقارنة مع العقوبات المفروضة على غيره من المدانين بتهم التجسس لصالح دول صديقة. وسعى القادة الإسرائيليون إلى إدراج إطلاق سراحه وحصوله على حريته بين نقاط التفاوض في محادثات السلام في الشرق الأوسط منذ تسعينيات القرن الماضي.

ولسنوات عديدة ظلت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي وغيرها من أجهزة الأمن القومي يقاومون الضغوط الإسرائيلية ولم يُكشَف مطلقًا عن نطاق أنشطته بالكامل، لكن وكالة المخابرات المركزية وصفت مسيرته في العمل بصفته جاسوسًا، في تقرير لتقدير الأضرار الناجمة عنه، بأنها كانت "قصيرة لكنها مُركَّزة، وتتكون من عمليات تسليم نصف شهرية لمعلومات سرية ومهمة"، ومن بينها حقائب مليئة بملفات حساسة عن القدرات العسكرية للدول العربية وباكستان والاتحاد السوفيتية وفي التسعينات، هدَّد جورج جيه تينيت، مدير وكالة المخابرات المركزية آنذاك، بتقديم استقالته إذا وافق الرئيس بيل كلينتون على الطلب المُقدَّم لإطلاق سراحه.

ويرى سليك أن "جرائم بولارد كانت خطيرة، وسببت ضررًا حقيقيًّا للولايات المتحدة إلى جانب أن قرار إسرائيل السيئ بمواصلة العملية ألحق الضرر بالعلاقات الثنائية بين إسرائيل وأمريكا بلا شك، لكن هذه القضية وذلك الجدل يعودان إلى حقبة سابقة لجيل أقدم وقد عُوقِب بولارد على الجرائم التي ارتكبها عقابًا مناسبًا، وتؤدي قضيته دورًا مفيدًا لردع الحلفاء الذين قد يُفكرون في الاستفادة من العلاقات الأمنية الثنائية مع الولايات المتحدة"، بحسب ساسة بوست.

شكر لنتنياهو

قال إليوت لوير وجاك سيملمان، المحاميان عن الضابط الأمريكي السابق، في بيان أصدراه بشأن رفع القيود عن موكلهما: "نشعر بالامتنان والسرور لتحرر موكلنا من كل القيود التي خضع لها وتحوله إلى رجل حر على كافة المستويات كما نتطلع إلى رؤيته في إسرائيل"، وأضاف، "بولارد سعيد لأنه أخيرا سوف يتمكن من مساعدة حبيبته إستر التي تخوض حربًا عنيفة مع السرطان".

وتابع: "يود بولارد أن يعلم الجميع أنها (إستر) كانت زوجته. وأنها كانت، أكثر من أي شخص آخر، سببا في تمسكه بالحياة طوال هذه السنوات في السجن"، كما توجه بولارد بالشكر لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو والسفير الإسرائيلي لدى واشنطن رون ديرمر لجهودهما التي بذلاها نيابة عنه، بحسب بي بي سي.

وقال المحامي إن "جوناثان وإستر ينويان العودة إلى إسرائيل لكن لا يمكنهما القيام بذلك فورا بسبب خضوع إستر للعلاج الكيمياوي ينويان التوجّه إلى إسرائيل فور ما يصبح ذلك ممكنا من الناحية الطبية" وأضافت الإذاعة أن بولارد لا يملك حاليا جواز سفر.

وقال الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين في بيان "على مدى سنوات، شاركنا جوناثان بولارد ألمه وشعرنا بالمسؤولية والالتزام بتحقيق الإفراح عنه"، وأضاف أن الجاسوس السابق سينعم بعد "العديد من السنوات الصعبة في السجن والقيود، بحياة جديدة مليئة بالصحة والسلام"، وشكر بولارد في بيان نتانياهو والسفير الاسرائيلي في الولايات المتحدة رون ديرمر على الجهود التي بذلاها من اجله، بحسب مونت كارلو الدولية.

انقر لاضافة تعليق