تواصل الولايات المتحدة الامريكية تقليص وجودها العسكري في العراق، حيث عمدت ادارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب الذي وعد في برنامجه الانتخابي السابق، بتقليص وجود القوات الأميركية في مختلف دول العالم، الى تخفيض حجم قواتها في العراق بشكل كبير في الأشهر الأخيرة. جاء ذلك وكما نقلت بعض المصادر، بعد تصويت البرلمان العراقي إنهاء تواجد القوات الأجنبية في البلاد، إثر اغتيال الجنرال قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس بغارة جوية امريكية قرب مطار بغداد في يناير (كانون الثاني) 2020.

قرار الانسحاب جاء ايضاً بعد تعرض سفارة الولايات المتحدة وقواعدها العسكرية خلال الأشهر الماضية للعديد من الهجمات الصاروخية نفذتها الفصائل المقاومة العراقية، وكانت ايران قد أطلقت ايضاً صواريخ بالستية على قاعدة للقوات الأمريكية في غرب العراق ردا على اغتيال الجنرال قاسم سليماني. وسبق أن أعلنت القوات الأمريكية انسحابها من العراق عام 2011، لكن ذلك الانسحاب كان عبارة عن تغيير لشكل الوجود الأمريكي هناك، إذ وقعت الحكومة العراقية مع الولايات المتحدة اتفاقا يتيح استضافة قوات أمريكية في القواعد العسكرية العراقية، لدعم العراق. وعادت واشنطن إلى تعزيز قواتها في العراق في عام 2014 وما تلاها من سنوات، وذلك في إطار التحالف الدولي للتصدي لتنظيم داعش.

ويرى بعض المراقبين الانسحاب الأمريكي من العراق لن يكون بشكل كامل، خصوصاً وانها تدرك اهمية هذا البلد الذي قد يكون مستقبلا بيد خصومها ومنافسيها كروسيا وإيران والصين، وهو ما قد يؤثر سلباً على تحقيق أهدافها ومصالحها في المنطقة، لذا فستسعى الى الاستفادة من غياب الثقة بين بغداد واربيل، وستعمل على توطيد علاقتها مع حكومة إقليم كردستان العراق باعتبارها الداعم الاول والحليف المهم لحكومة الاقليم. وهو ما سيمكنها تعزيز وجودها العسكري على المدى الطويل في شمال العراق، الذي يتمتع بحكم ذاتي ولا يخضع لسيطرة الحكومة المركزية وغير ملزم بتنفيذ قرارات البرلمان العراقي.

هجمات وتظاهرات مستمرة

وفي هذا الشأن استهدف عدد من الصواريخ سفارة الولايات المتحدة في بغداد بالتزامن مع إعلان واشنطن عن سحب جزئي لقواتها من العراق. ويعد هذا الهجوم الانتهاك الأول منذ شهر لهدنة أعلنتها الفصائل العراقية. وكانت تلك الفصائل قد أعلنت منتصف تشرين الأول/أكتوبر أنها لن تستهدف السفارة الأمريكية شرط أن تعلن واشنطن سحب جميع قواتها بحلول نهاية العام.

وتزامن هذا الهجوم مع إعلان واشنطن أنها ستسحب 500 من جنودها من العراق ليبقى فيه فقط 2500 جندي. وتحمل واشنطن كتائب حزب الله العراقي مسؤولية نحو تسعين هجوما صاروخيا استهدفت منذ عام سفارتها وقواعد عراقية تضم جنودا أمريكيين وقوافل لوجستية لمتعاقدين عراقيين يعملون لحساب الجيش الأمريكي. وتبنت فصائل بأسماء غير معروفة هجمات عدة مكرِّرة مطالبتها بانسحاب "الغزاة" الأمريكيين بعد قرار للبرلمان العراقي في هذا الصدد.

من جانب اخر أعلن القائم بأعمال وزير الدفاع الأمريكي كريستوفر ميللر انسحاب القوات الأمريكية في أفغانستان والعراق بحلول 15 يناير 2021، وفي بيان نشرته وزارة الدفاع الأمريكية على موقعها الإلكتروني، أعلن ميللر خلال ظهوره الأول في غرفة المؤتمرات الصحفية بالبنتاجون خفض القوات الأمريكية إلى 2500 في أفغانستان و2500 في العراق، مع العلم أنه يوجد حاليًا حوالي 4500 جندي أمريكي في أفغانستان و 3000 في العراق. وقال ميللر، الذي تولى منصب القائم بأعمال وزير الدفاع الأمريكي في 9 نوفمبر، إن هذه الخطوة تمت بموافقة كاملة من المسؤولين العسكريين في القيادة المركزية الأمريكية وفي البنتاجون، مضيفا أن القرار يتماشى مع وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعادة القوات الأمريكية إلى الوطن من "الحروب الأبدية".

كما أعلن وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، توصل بغداد وواشنطن إلى اتفاق على انسحاب 500 جندي أمريكي من العراق. جاء ذلك في مؤتمر صحفي عقد في العاصمة بغداد، غداة تلقى رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي اتصالا هاتفيا من وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، لبحث مستقبل التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب في العراق. وأوضح فؤاد حسين أن اتفاق انسحاب 500 جندي أمريكي، جاء بعد مشاورات بين الكاظمي وبومبيو، "لينخفض إجمالي عدد القوات الأمريكية في العراق إلى 2500 جندي".

وأضاف: "بهذا الاتفاق دخل العراق المرحلة الرابعة والنهائية بشأن انسحاب القوات الأمريكية"، مؤكدا أن باقي القوات الأمريكية المتواجدة في العراق غير قتالية. وتابع: "الحكومة العراقية ستبقى مستمرة بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية، لا سيما في مجال المعلومات الاستخبارية والاستشارات العسكرية وتدريب القوات العراقية". وبحث الكاظمي وبومبيو، خلال اتصال هاتفي، مستقبل التعاون بين العراق والتحالف الذي تقوده واشنطن، في ضوء تنامي القدرات العراقية في محاربة الإرهاب، وفق بيان المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي. ومنذ 2014، تقود الولايات المتحدة الأمريكية تحالفا دوليا لمكافحة تنظيم "داعش"، الذي استحوذ على ثلث مساحة العراق آنذاك.

الى جانب ذلك تظاهر مئات العراقيين في بغداد، مطالبين بخروج القوات الأميركية من البلاد بعد تصويت في البرلمان في هذا الاتجاه مطلع العام الجاري. وردد المتظاهرون الذين رفعوا أعلام الحشد الشعبي، شعارات مثل "أميركا طلعي برا بغداد تبقى حرة" و"بقاؤكم في العراق هو اللعب بالنار"، فيما كانوا يقفون قرب أحد مداخل المنطقة الخضراء حيث تقع السفارة الأميركية ومقر الحكومة والبرلمان العراقيين. بحسب فرانس برس.

وفي كانون الثاني/يناير وبعد 48 ساعة من اغتيال الجنرال قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي ابو مهدي المهندس، تبنى مجلس النواب العراقي قرارا يدعو الحكومة الى وضع جدول زمني لمغادرة القوات الأميركية التي تضم 5200 جندي من العراق. وقالت الحكومة آنذاك إنها حكومة تصريف أعمال لذلك لا تستطيع تطبيق هذا الإجراء فورا، وسلمت المهمة لحكومة مصطفى الكاظمي التي تولت السلطة في أيار/مايو وتعهدت بجدولة الوجود الاجنبي. وقد دعت إلى إمهال الأميركيين "ثلاث سنوات" لمغادرة البلاد.

العراق و فوز بايدن

على صعيد متصل يجد العراق نفسه منذ سنوات عالقاً في صراع نفوذ بين حليفيه الأساسيين، طهران وواشنطن، وهو صراع ازداد تعقيداً خصوصاً مع اعتماد الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب سياسة "الضغوط القصوى" إزاء إيران منذ عام 2018. ويقول محمد محي، المتحدث باسم كتائب حزب الله، "فترة ترامب فترة تهديم وفترة سلبية سببت مشاكل وأزمات. رحبّت الكثير من التيارات في العراق بفوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية، ما أثار مخاوف مسؤولين ونشطاء من إمكانية أن يؤدي تفاهم أميركي إيراني محتمل إلى تعزيز نفوذ تلك الفصائل في البلاد.

ويضيف "بالنسبة لنا كعراقيين، أهم هدف نريد التوصل إليه...هو خروج القوات الأميركية من العراق وأن تلتزم (واشنطن) بالأطر الدبلوماسية السليمة بالتعامل مع العراق كدولة". وندد محي بترامب على خلفية "الجريمة الكبرى" المتمثلة بقتل الجنرال قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس الذي كان له دور أساسي بتأسيس كتائب حزب الله، بضربة طائرة مسيرة في بغداد في كانون الثاني/يناير.

ورداً على ذلك، صوّت البرلمان العراقي مطلع العام لصالح قرار يطالب بخروج القوات الأجنبية من العراق. وردت واشنطن بالتهديد بعقوبات مشددة على العراق، وحتى بإغلاق السفارة الأميركية في بغداد. ويقول نائب الأمين العام لحركة النجباء نصر الشمري "لا نتوقع ان تتغير السياسة الأميركية مع تغيير رئيس الجمهورية، لكن ربما يؤدي اختيار شخصية أخرى تتمتع بأسلوب بالتعامل، إلى فتح مجالات للتعاون بين الدول". ويشدد الشمري على أن "المقاومة تعتمد على استعدادها وقوتها وصبرها في تنفيذ قرار جميع العراقيين القاضي بإخراج القوات الأجنبية من الأراضي العراقية بما فيها القوات الأميركية". ويتفق السياسي خميس خنجر مع هذا الرأي، فقد رأى في تغريدة أن "فوز بايدن فرصة جديدة للعالم من أجل صفحة أخرى للاستقرار والحوار".

وتراجعت العلاقات العراقية الأميركية إلى مستويات متدنية خلال عهد رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي الذي كانت تعتبره واشنطن مقرباً جداً من إيران. وانتعشت قليلاً مع وصول مصطفى الكاظمي إلى السلطة في أيار/مايو، ولقائه ترامب ومسؤولين أميركيين في واشنطن في آب/أغسطس. والتقى الكاظمي خلال تلك الزيارة أيضاً رئيسة مجلس النواب الأميركي الديموقراطية نانسي بيلوسي، في محاولة "لفتح الباب" أمام حزبها في حال فوز بايدن، وفق ما قال مستشاروه.

ولا تزال التفاصيل حول استراتيجية بايدن الخارجية غامضة، لكن سبق أن تعامل الرئيس المنتخب مع الأحداث العراقية. فقد أعطى في عام 2003 صوته لصالح غزو العراق الذي أدى إلى إسقاط صدام حسين، وكان بين أبرز الشخصيات الديموقراطية المؤيدة لذلك. وفي عام 2006، شارك بكتابة مقال يدعو إلى تقسيم العراق إلى "ثلاث مناطق ذات حكم ذاتي واسع" تتوزع عليها المكونات المذهبية والاتنية الأبرز، أي الشيعة والسنة والأكراد. ولبايدن علاقات شخصية مع بعض المسؤولين الحاليين، لا سيما الرئيس برهم صالح الذي وصف بايدن بـ"الصديق والشريك الموثوق به". وهنأ الكاظمي بدوره الرئيس الجديد.

إلا أن بعض المسؤولين العراقيين أعربوا عن خشيتهم من أن تكون فترة رئاسة بايدن سبباً ل"تشجيع" الفصائل المسلحة في البلاد وزيادة نفوذها. ويخشى البعض أن عودته إلى الاتفاق النووي الذي أبرم خلال عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما حين كان بايدن نائباً للرئيس. إذ يعتبرون أن تلك المرحلة سمحت لإيران ببسط نفوذها بشكل أوسع في المنطقة. ويقول النائب ظافر العاني الذي يشغل منصب نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان "لا نريد لسياسة أوباما أن تعود من جديد الى بلادنا عندما شجع دولا أخرى على التدخل في شأننا الداخلي وسمح لقوى الإرهاب والميليشيات بالنمو تحت نظره".

وفتحت القنوات التلفزيونية العراقية الهواء لأيام لتغطية السباق الرئاسي الأميركي. لكن في الشارع، جاءت ردود الأفعال متحفظة. في ساحة التحرير التي كانت مركزاً للتظاهرات المناهضة للحكومة قبل عام، كان طلاّب وناشطون يستعدون للمشاركة في تظاهرة احتجاجية على الأداء الحكومي مخطط لها مسبقاً، ولم يكترثوا كثيراً بفوز بايدن. وقال أبو سعد البالغ من العمر 74 عاماً "أنا كعراقي أفضل بقاء ترامب في الحكم"، لكن "بالنسبة للعراقيين والمطلعين على الشأن السياسي الأميركي، لا يرون أن تغيير الرؤساء سيؤدي إلى تغيير في السياسة الأميركية". بحسب فرانس برس.

وأعربت المتظاهرة زينب (43 عاماً) عن "تمنيها بأن يساعد (الرئيس الجديد) العراق الذي يمر الآن بأزمة اقتصادية وسياسية وهو مقبل على انتخابات" في حزيران/يونيو 2021. وأمام بايدن شهران ليقسم اليمين رئيساً للولايات المتحدة، ولذلك، يرى العراقيون أنه لا يمكن التنبؤ بما يمكن أن يقوم به ترامب خلال هذه المدة. ويقول محي "لا يمكن توقع تصرفات ترامب، فربما يقوم باستهداف إحدى قياداتنا". وتوقع مسؤولان عراقيان أن تصدر الإدارة المنتهية ولايتها "قائمة عقوبات" ضد المصالح الإيرانية في العراق. وقال أحدهما إن ترامب "سيصعّد الموقف"، مضيفاً "أشك في أن يكون هناك أي عمل عسكري، لكن إن حصل، لن يفاجئنا ذلك".

انقر لاضافة تعليق